الزجاج اليدوي صناعة دمشق العريقة تنفض عنها غبار الحرب

حرفة صناعة الزجاج اليدوي اقتصرت على تلبية حاجة السوق المحلية، كما أثر انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأولية بتراجع ازدهارها.
الثلاثاء 2019/01/08
حرفة تتجدد بالإبداع

تحتل الحرف اليدوية والصناعات التقليدية مساحة واسعة من التراث السوري، يعتمد فيها الصانع على مهاراته الفردية سواء الذهنية أو اليدوية، ويعتبر الحرفيون السوريون من الأوائل الذين أرسوا صناعة الزجاج والنفخ فيه، ولا يزال الدمشقيون رغم الآلات الحديثة التي دخلت على هذه الحرفة يحافظون على الأسلوب التقليدي، كما أنهم مصرون على إحياء هذه الحرفة الفنية ونفض غبار الحرب عنها.

دمشق- اشتهرت العاصمة السورية بالعديد من الصناعات اليدوية ومنها الزجاج الذي صار يضرب به المثل في الرقة، حيث تقول العرب “أرق من زجاج الشام” لجمال وعراقة هذه الصنعة التي كانت بضاعتها الأكثر رواجا مع أوروبا حتى القرن الخامس عشر، ثم ازدهرت في أواخر القرن العشرين مع ارتفاع عدد السياح إلى العاصمة السورية لكن الحرب أثرت على الحرفيين بتراجع مبيعاتهم.

وقد ذكر الرحالة العربي ابن بطوطة هذه الصناعة عندما زار دمشق فقال، “وفيها صناع أواني الزجاج العجيبة”، كما تحدث الرحالة بوجيبوس عن هذه الصناعة عندما زار دمشق سنة 1346 ميلادية قائلا، إنه رأى معامل الزجاج في دمشق تشتغل على طول الطريق المؤدي إلى جامع بني أمية الكبير.

ويقول الباحث السوري محمد أبوالفرح العش، “تتميز حرفة النفخ في الزجاج بكونها صناعة يدوية تتطلب مهارة كبيرة وتنتج مصنوعات زجاجية جميلة، ويعود تاريخ هذه الحرفة إلى 2000 عام قبل الميلاد، وهي تحتاج إلى صبر أمام أفران النار المرتفعة الحرارة وإلى رئة قوية للنفخ وإلى القدرة الإبداعية والفنية عند الحرفي لخلق نماذج وتحف فنية عالية الدقة والجمال”.

وهناك عائلات دمشقية تعمل في هذه المهنة منذ ما يزيد عن 400 سنة وسميت هذه العائلات بـ“القزازين” نسبة إلى صناعة الزجاج أو “القزاز” باللهجة الدمشقية الدارجة. ويشير أحمد نويلاتي صاحب إحدى ورشات صناعة الزجاج في سوق المهن اليدوية بدمشق، إلى أن جذور صناعة الزجاج الدمشقي تمتد إلى الفينيقيين وهم أول من صنعه، لكن دمشق كانت أول من نفخه ضمن أفران آجرّية بسيطة كانت تعمل بدرن الزيتون بعد عصره لتنتج أنواع الزجاج التي ما زالت تحتفظ بألقها رغم التطور التكنولوجي والصناعي.

وتركزت معامل صناعة الزجاج في السبعينات بمنطقة باب شرقي، وكان في دمشق 17 مشغلا أما اليوم فتوجد بضعة أفران أغلبها في سوق المهن اليدوية.

حرفة فنية تحتاج إلى الصبر والابتكار
حرفة فنية تحتاج إلى الصبر والابتكار

يقول خالد حلاق صاحب منشأة لصنع الزجاج اليدوي في باب شرقي إن عائلته قديمة العهد بصناعة الزجاج، ومعملها كان من أوائل الورشات التي عملت بنفخ الزجاج اليدوي، فأفراد عائلته موجودون منذ العام 1967 في السوق ومهنتهم متوارثة أبا عن جد، والآن هم ثلاثة أشقاء يعملون بهذه الصناعة اليدوية الشرقية.

ورغم دخول الآلات الحديثة على صناعة الزجاج، إلا أن المشغولات اليدوية ما زالت تلقى اهتماما واسعا من قبل الناس والسياح حيث أن آنية زجاجية دمشقية يدوية تعتبر تحفة فنية في المنازل والصالونات والفنادق الفخمة، وما زال الحرفيون يحافظون على الأسلوب التقليدي في صناعته.

يقول نويلاتي لوكالة الأنباء السورية (سانا)، “بين الرمل والنار تمتد حكاية هذه الحرفة وسر نجاحها في النفخ والتشكيل اليدوي لتأخذ الشكل المطلوب لأن الحرفي ينفخ فيها من روحه”.

ويقول خالد حلاق، إنه ينتج القوارير ومزهريات الزينة والأباريق والقناديل وحامل الشموع والثريات وعناقيد العنب وأشكال أخرى وفق طلبات الزبائن ويعتمد في عمله بشكل أساسي على إعادة تدوير الزجاج مستفيدا من الزجاج المكسور كمادة خام لعمله.

وحول مراحل العمل يقول خالد، “نقوم في البداية بتجميع الزجاج المكسور ووضعه في الفرن بدرجة حرارة عالية تصل إلى 1200 درجة مئوية حتى ينصهر ويتحول إلى سائل شفاف مرن بإمكاننا تشكيله، حيث يقوم العامل بعد ذلك بواسطة أنبوب معدني بإدخال الأنبوب إلى الفرن وإخراج الزجاج السائل وينفخ بالأنبوب للحصول على الشكل الذي يريده ويتم فصل كل قطعة عن الأخرى باستخدام الماء البارد”.

وبالنسبة لعملية تلوين الزجاج فإن الصناع يتحكمون بألوانه عن طريق أكاسيد المعادن كالكروم والنحاس والحديد. ومن مزايا صناعة الزجاج اليدوي أنها صناعة بلا حدود معينة تقيدها، فهي تتيح للصناعي أن يبتكر أي نموذج يريده من وحى خياله ولكن هناك تقريبا 500 نموذج متداول.

ويضيف خالد، أن العامل في النفخ يحتاج إلى مهارات فنية عالية وتدريب مستمر لفترات طويلة ليتمكن من الصنعة إضافة إلى العمل والمثابرة في الحرفة وتحمل التعب أمام أفران تعمل في درجات حرارة مرتفعة جدا. من جهته يقول الشاب باسم الذي يعمل 12 ساعة أمام الفرن الحراري، إنه يعمل بالمهنة منذ أكثر من 15 عاما صيفا وشتاء وقد اعتاد على العمل، لافتا إلى أن الحرفة تحتاج إلى الفن والإبداع والابتكار، فهو يعمل دون كلل أو ملل.

ويوضح خالد، أنه يستخدم علب الزجاج الفارغة ذات اللون الأبيض للحصول على السائل الأبيض الشفاف وزجاجات الأدوية ذات اللون البني للحصول على اللون البني وللحصول على الألوان الأخرى الأخضر والأحمر والأزرق الفاتح التركواز يضيف أكاسيد معدنية، ولتثبيت اللون يعاود وضع الزجاج في الفرن مرة أخرى بعد صنعه للحصول على اللون الذي يرغب فيه لافتا إلى أن الزجاج بات يستخدم اليوم لأعمال الديكور ولتزيين الجدران وتنسيق الورود للحفلات.

ويقول ، إن العمل شاق ومتعب لأن الفرن يجب أن يعمل 24 ساعة متواصلة للحفاظ على درجة حرارة عالية لافتا إلى أن الفرن الجديد يحتاج لتسخينه مدة تستغرق خمس ساعات متواصلة قبل سكب الزجاج على دفعات بداخله، وأحيانا يستهلك في اليوم أكثر من 70 كيلوغراما من الزجاج.

ويبين خالد أن النفخ والفتل من أساسيات العمل لإعطاء الشكل المطلوب كما أن الزجاج المعاد تصنيعه صعب العمل به لأنه قاس والعمل يدوي ومرحلة الشواء أو التخمير تتطلب درجة حرارة عالية مشيرا إلى أنه بعد الانتهاء من عملية النفخ تأتي مرحلة التبريد التي تتطلب أكثر من خمس ساعات حيث يتم التبريد على مراحل حتى لا يتعرض الزجاج لفارق الحرارة بين الخارج والداخل.

ويشير إلى أن أغلب صناعته تذهب إلى الفنادق والمطاعم والسفارات والأعراس والسياح الذين قلوا في السنوات الأخيرة، مضيفا أنه يؤمن طلبات بعض الزبائن وفق رغبتهم.

ويقول، “إن عملنا يزداد في المناسبات، ولا سيما في عيد الميلاد ورأس السنة وقد استقطبنا مختلف شرائح المجتمع لأن مهنة الزجاج مهنة فنية بالدرجة الأولى وتحتاج إلى إبداع وتميز”.

ولقد تركت الحرب بصمتها على هذه الصناعة، وأدت إلى تراجعها بحسب ما يفيد حسن القزاز الذي يقول “أعمل بهذه الحرفة منذ عشرين عاما، وقد ورثتها عن والدي وأجدادي”، مضيفا، “كان عملنا يعتمد على صنع الأواني الشرقية اليدوية وتصديرها إلى دول العالم، ولكننا اليوم وفي ظل الحرب نقتصر في عملنا على تلبية حاجة السوق المحلية بسبب تراجع عمليات التصدير، كما أثر انقطاع التيار الكهربائي على عملنا ووصلت أسعار المحروقات والمواد الأولية الأساسية حدا غير مسبوق، إضافة إلى هجرة اليد العاملة ذات الخبرة والكفاءة”.

ولكن حسن يؤكد أن هذه الصناعة مفخرة للسوريين وتشكل جزءا من هوية البلاد وتاريخها لذلك يحاول مع عشاق المهنة الذين يعتمدون عليها كمصدر رزقهم الوحيد التمسك بها وإدخال تحسينات عليها لتظل رائدة الصناعات اليدوية في سوريا.

20