الزخرفة على الجبس في المغرب عشق لحرفة متوارثة بين الأجيال

يعتبر فن الزخرفة بالجبس هوية معمارية عرف بها المغرب منذ قرون عديدة، حتى أصبحت هندسة الزخارف بالجبس مصدر تسويق لهم إلى بلدان أخرى، إذ تزداد الرغبة في أن تُزين النقوش المغربية البيوت والفنادق والمساجد والعديد من المباني في المغرب وفي بلدان عربية مختلفة، لذلك تحاول بعض الجمعيات والتعاونيات تعليم هذه الحرفة العريقة للشباب المغربي الذي بدأ يعزف عن هذه المهنة.
الاثنين 2017/11/06
براعة بالصبر والأنامل

طنجة (المغرب)- يخامر أفئدة كل الحرفيين في فن التزويق بالجبس، طموح في أن يشكلوا مشعلا للحفاظ على هذا الفن المغربي العريق، الآخذ في التراجع على مدى السنين.

وتضم التعاونية التقليدية “الأندلسية” بطنجة حوالي عشرين شابا من الجباسين الذين يجمع بينهم عشق حقيقي للمهنة ويتفردون بموهبتهم التي تدفعهم يوما بعد يوم إلى حدود الإبداع، في توازن دقيق بين المهارة المتوارثة عن الأجداد والرغبة في التجديد، ليتحول الجبس إلى قطع فنية.

ويستعمل الجبس، الذي دخل في زخرفة المنازل المغربية منذ القرن الثالث عشر، بشكل شبه حصري في أعمال التزيين، من قبيل كساء الأسوار والأسقف والأقواس، كما يستعمل في البنايات الكبرى كالمساجد والقصور.

وأكد رئيس التعاونية عبدالواحد النافع في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن التعاونية “الأندلسية” تسعى إلى تثمين هذا الموروث العريق والحفاظ عليه باعتباره من أهم مكونات التراث المعماري المغربي الممتد لقرون، وجزءا من الهوية الحضارية للمغرب.

واعتبر أن مهنة الجباس، التي أدهشت العديد من الفنانين والخبراء والمفكرين، يتعين أن تحافظ على مكانتها في المعمار المغربي، وضمان انتقالها بين الأجيال من خلال تكوين الشباب، خاصة عبر تعلم تقنيات وخفايا وخصائص هذا الفن.

وأضاف عبدالواحد النافع، المولود بفاس والذي احترف المهنة في سن الـ13 عاما قبل انتقاله للاستقرار بطنجة بداية تسعينات القرن الماضي، أنه “على الشباب مواصلة حمل مشعل هذا الفن”.

وتعلم عبدالواحد فنون الجبس من كبار المعلمين في فاس، لكنه يقر بتواضع بأن التعلم لا حدود له. في هذا الصدد يقول “سأبقى دوما أبحث عن المعرفة”، مضيفا أن “المهنة بالنسبة لي ليست تجارة، لكنها عشق لفن أعمل على الحفاظ عليه”.

دعم المبادرة يكمن بالخصوص في توفير المواد الضرورية من أجل ممارسة وتطوير أنشطة التعاونية ومواكبتها في مختلف المعارض

ويتقاسم عبدالواحد هذا العشق مع شقيقه محمد، الذي يشغل منصب نائب رئيس التعاونية، والمكلف بمراقبة جودة المنتجات، ويرى هذا المعلم الذي يتقن فن النقش على الجبس منذ أزيد من 24 سنة أن “شباب اليوم لا يولون أهمية لهذه الحرفة المهددة بالاختفاء”.

وتابع محمد، الذي سبق وفاز بجائزة أحسن متعلم في فئة الجبس ببرنامج “صنعة بلادي” عام 2012، أن العديد من الحرفيين “يتخذون من النقش على الجبس مجرد مهنة ينسونها بمجرد مغادرة الورش بعد نهاية يوم العمل. بالنسبة لنا الجبس هو عشق قبل كل شيء”.

ومن خلال تأمل الأعمال اليدوية الدقيقة التي أبدعتها أنامل المعلمين والمتعلمين بالتعاونية، لا يخفى مدى مهارة الحرفيين، ويبدأ المعلم برسم ملامح النقش المراد نحته برأس مسنن وباستعمال مسطرة وبركار وبعض القوالب والنماذج، والتي تكون في الغالب مستوحاة من الطبيعة، لكنها تتميز بتطابق خطوطها وأبعادها الهندسية، وفي أحيان كثيرة تكون منمقة بفن الخط العربي.

وتتيح المدة الطويلة التي يحتاجها الجبس لكي يجف الفرصة للمعلمين للشروع في النقش بصبر وأناة ودقة تمكن من الحصول في نهاية المطاف على لوحة تمتاز بجمالها وأبعادها المتناسقة.

وباستخدام مقص وأزاميل وآلات أخرى حادة الحوافي، يقطع وينقش المعلم الجبس الطري متبعا الخطوط المرسومة سلفا، حيث يحدث حفرا في مناطق محددة بشكل أعمق لإبراز الظلال لإظهار النتوءات، وشيئا فشيئا يتحول الجبس الخام إلى لوحات جميلة.

وأوضح عبدالواحد لحديد، أحد عمال التعاونية والذي راكم 30 سنة من الخبرة في هذه المهنة، أن الجبس الأبيض يمكن أن يزخرف بصباغة وردية خفيفة، كما يمكن استعمال ألوان كثيرة ومواد عاكسة للضوء أو قطع زجاج ملونة.

وفي المشاريع الكبرى، تستعين تعاونية “الأندلسية” بصناع تقليديين مؤقتين لتعزيز فريقها المكون من 23 فردا، لكن يبقى دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ضروريا لضمان حياة التعاونية.

وأبرز عبدالواحد النافع أن دعم المبادرة يكمن بالخصوص في توفير المواد الضرورية من أجل ممارسة وتطوير أنشطة التعاونية ومواكبتها في مختلف المعارض، موضحا أنه منذ إحداثها، شاركت التعاونية في عدد من الملتقيات الجهوية والوطنية والدولية، فضلا عن إنجازها لعدد من المشاريع بمساجد المحافظة.

20