الزراعة السودانية عالقة بين الرهان التركي والاستثمارات العربية

الخرطوم تقدم حوافز جديدة لنيل ثقة المستثمرين العرب، ومحللون يحذرون من مخاطر رهان الخرطوم على أنقرة.
الثلاثاء 2018/12/11
قطاع تائه في عباءة الدولة

عاد السودان للتأرجح بين الرهان على تركيا في إنعاش الاقتصاد وخاصة في القطاع الزراعي، والذي يقول محللون إن التجارب السابقة أثبتت أنه محفوف بالمخاطر، وبين التركيز على جذب الاستثمارات العربية وخاصة الخليجية لبناء الاقتصاد على أسس مستدامة وتعزيز الأمن الغذائي العربي.

الخرطوم - أبدت الحكومة السودانية بوادر تحوّل في خياراتها الاقتصادية بالعودة لمحاولة كسب ثقة الاستثمارات الزراعية العربية مرة أخرى من خلال تقديم ضمانات جديدة لطمأنة المستثمرين على مستقبل أموالهم.

وكشفت الخرطوم عن خطط طموحة لجذب استثمارات عربية جديدة وخاصة من دول الخليج، بعد تقلص المساحات المزروعة بسرعة كبيرة، رغم وفرة الموارد، التي يقول المحللون إنها يمكن أن تجعل البلد سلة غذائية عالمية.

ونسبت وكالة الأنباء السودانية إلى وزير الدولة بوزارة الزراعة والغابات نهار عثمان نهار قوله إن السودان “يعتزم استغلال كافة مساحات الأراضي الزراعية الخصبة البالغة نحو 81 مليون هكتار (الهكتار 10 آلاف متر مربع) عبر استثمارات تصب لصالح الأمن الغذائي العربي”.

وأكد أن الحكومة قامت بإبرام شراكات استراتيجية مع تركيا وروسيا والصين وبيلاروسيا للدخول في شراكات زراعية تمكن السودان من تحقيق النهضة التنموية الشاملة في القطاع.

نهار عثمان نهار: نعتزم استغلال كافة الأراضي عبر استثمارات تحقق الأمن الغذائي العربي
نهار عثمان نهار: نعتزم استغلال كافة الأراضي عبر استثمارات تحقق الأمن الغذائي العربي

وأشار إلى أن ربع الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد والمقدرة بنحو 22 مليون هكتار هي المستغلة حتى الآن رغم توفر الثروات الطبيعية الداعمة للاستغلال الأمثل لمثل هذا النوع من الاستثمارات.

وتأتي الخطوة بعد عقود من التخبط الاقتصادي الناتج أساسا من تقلبات المواقف السياسية من القضايا الإقليمية، وتأثيرات الحظر الأميركي المفروض على البلاد لعقدين من الزمن.

ولكن ما يلفت الانتباه أكثر هو تذبذب الخرطوم بين تسليم أراضيها لتركيا وبين محاولات استقطاب الاستثمارات العربية في هذا القطاع الاستراتيجي.

وكان السودان قد وضع جميع اقتصاده في السلة التركية أثناء زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان للخرطوم نهاية العام الماضي، بتوقيع عشرات الاتفاقيات، رغم أن تجارب التعاون مع تركيا أدت إلى نتائج قاسية في الكثير من الدول خلال السنوات الماضية.

وعرضت الخرطوم على الشركات التركية خلال منتدى الأعمال السوداني التركي حينها استثمار نحو 404 آلاف هكتار لزراعة القطن والحبوب الزيتية.

وجاء ذلك بعد أشهر من تأكيد رئيس مجلس الأعمال التركي السوداني محمد علي قورقماز أن البلدين بصدد تأسيس شركة مشتركة برأسمال 10 ملايين دولار لتنفيذ مشاريع زراعية، تعود ملكيتها بنسبة 80 بالمئة للشركات التركية.

وتشير تحركات حكومة الرئيس عمر البشير في الأشهر الماضية إلى رهانها على تعزيز العلاقات مع تركيا وقطر. ويرى محللون أن ذلك التأرجح في مواقف الخرطوم يمكن أن يفقدها ثقة جميع الأطراف ويفاقم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وتظهر تلك المواقف أن البشير يراوغ في مواقفه المتعلقة بالمقاطعة الخليجية لقطر، رغم الإغراءات للمستثمرين الخليجيين من خلال التسهيلات الجمركية والضريبية لاستثمار المساحات غير المزروعة في البلاد.

وتقود السعودية قاطرة استثمارات الزراعة الأجنبية في السودان تليها الإمارات ثم البحرين، التي تقترب من تدشين أول مشاريعها الزراعية خارج البلاد، والذي من المقرر أن يبدأ الإنتاج فيها العام المقبل في ولاية الشمال السودانية على الحدود مع مصر.

ويكمن التحدي الأكبر بالنسبة للسودان في كيفية إدخال التقنيات الحديثة في الزراعة لرفع الإنتاجية وزيادة وعي وقدرات المنتجين لتوسيع رقعة الأراضي المزروعة.

وقال نهار إن “الحكومة خصصت في ميزانية العام المقبل تمويلات هي الأكبر في تاريخ البلاد بهدف توسيع رقعة الأراضي المزروعة وتوفير فرص عمل جديدة”.

34 بالمئة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي للسودان، وفق التقديرات الرسمية

وبحسب التقديرات الرسمية، تساهم الزراعة بأكثر من 34 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للسودان، إلى جانب وجود قطاعات كبيرة تعتمد عليها وفي مقدمتها التجارة والنقل والصناعات الغذائية والخدمات.

ويواجه السودان أزمة اقتصادية خانقة في ظل شحّة النقد الأجنبي، مما تسبب في ارتفاع كبير في أسعار السلع والمنتجات وخاصة الغذائية، وتعود الأزمات إلى قلة الخبرة وندرة كبيرة في المشتقات النفطية في معظم أنحاء البلاد وبضمنها العاصمة الخرطوم.

ويراهن السودان على جني ثمار رفع العقوبات الأميركية رغم تشاؤم الأوساط الاقتصادية والشعبية بسبب استمرار الأزمة وتعثر الإصلاحات، التي تقول الحكومة إنها تهدف لإنعاش النمو المتدهور منذ نحو عقدين.

وأكد نهار أن العام المقبل سيشهد تطورا كبيرا في القطاع الزراعي من خلال تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة وتفعيل مشروعات الأمن الغذائي.

ويلقي نقص الوقود وشحّة السيولة في السوق بظلال قاتمة حول جدوى الخطط الحكومية لتطوير الاقتصاد.

وقدمت الحكومة على مدى عقود العشرات من الوعود بتنفيذ إصلاحات لكنها لم تحقق أي نتائج تذكر بسبب تقلب السياسات، الذي يربك ثقة المستثمرين، الذين يخشون ضياع استثماراتهم بين ليلة وضحاها.

11