الزراعة في تونس تواجه تحدي التغيّر المناخي وقلّة الدعم

مشكلات المناخ وشح المياه ونقص الأسمدة تزيد من هشاشة القطاع.
الأربعاء 2020/12/16
التغيّرات المناخية تهدّد قطاع الزراعة في تونس

يشكّل قطاع الزراعة في تونس إحدى ركائز الاقتصاد في البلد، إلا أنه يواجه منذ سنوات تحديات جمة أبرزها العوامل المناخية غير المستقرة، التي ألقت بظلالها سلبا على عملية الإنتاج، إضافة إلى صعوبات أخرى يعاني منها المزارعون بسبب شح المياه ونقص الأسمدة وتواضع الدعم الحكومي. وتتضاعف هذه التحديات سنة بعد أخرى متأثرة بتدهور الأوضاع في البلاد منذ سنة 2011.

تونس - تشكل الزراعة في تونس إحدى الركائز الداعمة للاقتصاد الوطني، باعتبار دورها الحيوي والاستراتيجي في تحقيق الأمن الغذائي، لكن مع ذلك تواجه جملة من الصعوبات والتحديات، التي تعمّقت مع مشكلات التغيّر المناخي وتواضع الدعم الحكومي.

وفيما أشار خبراء في تقارير سابقة، إلى أن التنوّع الكبير في المجال المناخي التونسيّ وامتداد الأراضي الزراعية على مساحة 10 ملايين هكتار ( 5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعيّة والباقي مراع وغابات) أي ما يقارب 65 في المئة من مساحة البلاد، سمح بأن يلعب القطاع الزراعي دورا حيويّا على الصعيد الاقتصاديّ، بتأمينه 12 في المئة من الناتج الداخلي الخام، ويساهم في تشغيل حوالي 13.4 في المئة من اليد العاملة، إلا أن التغيّرات المناخية تشكل تحديا لهذا القطاع المتضرر من تداعيات الأوضاع الاقتصادية الصعبة والأزمة الصحية أعقاب تفشي الوباء.

وحذرت وزيرة الفلاحة التونسية عاقصة البحري مؤخرا، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، من أن الزراعة مهددة بالهشاشة في ظل تأثير التغير المناخي على الإنتاج.

عبدالمجيد دبار: لا يوجد التزام بخارطة الموارد المائية في تونس

ولفتت إلى أن ”تراجع المردودية والطرق التقليدية في إدارة المخاطر، التي لا تتماشى مع الظرف الحالي، يؤديان حتما إلى وضع استراتيجيات بعيدة المدى ستضر بالبيئة والاقتصاد الزراعي المستدام”.

وأوضحت أن “التحديات التي تواجهها تونس أمام التغيّرات المناخية، تجعل التأقلم أولوية ملحّة”، وبرأيها “يتطلب ذلك تعبئة وطنية ودعما دوليا لتوفير الآليات اللازمة لتنفيذ اتفاق باريس من تمويلات ونقل تكنولوجيا وتعزيز القدرات”.

واتفاق باريس للمناخ، هو أول اتفاق دولي شامل للحدّ من انبعاثات الغازات المضرة بالبيئة، وجرى التوصل إليه في 12 ديسمبر 2015 بالعاصمة الفرنسية، بعد مفاوضات بين ممثلي 195 دولة. ويقر الخبراء بأن الدول النامية الأقل تسببا في هذه الظاهرة تدفع باهظا ثمن التغير المناخي مقارنة بالدول المتقدمة، وذلك ناجم عن نقص في الإمكانيات والدعم لمواجهة هذه الظاهرة.

ويتسبب تغير المناخ في حدوث كوارث بصورة أكثر حدّة وتكرارا، بحسب ما قالته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التي دعت المسؤولين عن توقعات الطقس إلى توقّع تأثير الأحداث المقبلة على جميع القطاعات. وتلفت المنظمة إلى أن الكثير من الدول في أنحاء العالم لا تتقن تحويل التوقعات إلى إجراءات مبكرة للحدّ من تأثير الكوارث.

وبينت المنظمة في تقريرها، الذي نشر في الآونة الأخيرة، أنه خلال الـ50 عاما الماضية، ارتفعت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث المتعلقة بالمناخ من 175 مليار دولار في السبعينات إلى 1.38 تريليون دولار خلال العقد الحالي.

وتونس من ضمن دول كثيرة في العالم تفتقر للأموال والأدوات لإقامة أنظمة تحذير مبكر بالنسبة للكوارث مثل الفيضانات والجفاف والعواصف، ما من شأنه أن يلقي بظلاله سلبا على قطاع الزراعة.

تداعيات تغيّر المناخ

تونس من ضمن دول كثيرة في العالم تفتقر للأموال والأدوات لإقامة أنظمة تحذير مبكر بالنسبة للكوارث مثل الفيضانات والجفاف والعواصف
تونس من ضمن دول كثيرة في العالم تفتقر للأموال والأدوات لإقامة أنظمة تحذير مبكر بالنسبة للكوارث مثل الفيضانات والجفاف والعواصف

سبق وأن أشارت دراسات دولية ومحلية إلى أن تونس مهددة بفقدان مواردها الطبيعية، إذ يتوقع أن تواجه نقصا حادا في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتصل إلى مليون هكتار فقط بحلول 2030.

ووفقا لهذه الدراسات الإستراتيجية، التي شملت وضع خطط عمل للتأقلم مع الوضع الجديد، فإن تغير المناخ سيزيد من الفقر المائي وسيساهم في تضرر المنظومات البيئية مع إمكانية انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الزراعي.

وستواجه تونس كحال العديد من دول العالم ارتفاع معدلات الحرارة وانخفاض التساقطات وارتفاع مستوى البحر وزيادة وحدة وتيرة الظواهر المناخية القصوى، ومنها بالخصوص الجفاف الحادّ والعواصف الشديدة.

ويقرّ خبراء بأن سياسة التنمية الزراعية في تونس غير ناجعة في مواجهة التغيرات المناخية، حيث لم تنجح في تحقيق توازن، خاصة في ما يتعلق بتوزيع الموارد المائية.

ويلاحظ عبدالمجيد دبار الناشط البيئي في تصريح لـ”العرب” أنه “لا يوجد التزام بخارطة الموارد المائية، التي وضعتها الدولة، في ما يخص المياه السطحية والعميقة، وهو ما قاد إلى ارتباك في توزيع المياه في مناطق عديدة خاصة في الجنوب”.

وبحسب ما أكّده دبار، “فعلى الرغم من تركيز الحكومة على الإرشاد الزراعي، الذي غايته التوعية في مختلف المدن، إلا أنه وقع تجاهل ذلك من قبل المواطنين، وعلى العكس من ذلك هناك تسابق على فتح الآبار دون احترام للخارطة المائية”.

ومن المتوقع أن تواجه تونس انطلاقا من سنة 2030 وبحدة أكبر مشكلة تتعلّق بندرة المياه، حيث من المنتظر أن تصل الموارد المائية المتاحة سنويا لكل ساكن في تونس في أفق 2030، حوالي 360 مترا مكعبا، مقابل 420 مترا مكعبا في سنة 2006 و1036 مترا مكعبا سنة 1960.

عادل الهنتاتي: صغار المزارعين لا يملكون القدرات لمجابهة نقص الإنتاج

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، أنه ليس بالإمكان تحقيق التنمية المستدامة إلا من خلال توفير 1000 متر مكعب من مياه الشرب للفرد الواحد في حين لا يتمتع التونسي حاليا، سوى بـ389 مترا مكعبا.

ويشير المتخصص في التنمية والتصرف الموارد المائية حسين الرحيلي لـ”العرب” أن “التغيرات المناخية عمقت من أزمة ندرة المياه باعتبار أن نسبة هطول الأمطار في المناطق التقليدية قد تراجعت، متوقعا أنه مع عامل الوقت سيقع انخرام في الميزان المائي في البلد”، لافتا إلى أنه “لا توجد في تونس خارطة إنتاج زراعي تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية”.

وما يفاقم من أزمة نقص المياه، السياسات المائية غير المنظمة وغير المشجعة على ثقافة ترشيد المياه.

ويرى الرحيلي أن “السياسة المائية تقليدية كما أن هناك هدرا كبيرا للموارد المائية في تونس”، موضحا أن “الزراعة توظف 77 في المئة من الإمكانيات المائية المتوفرة، لكن مع ذلك لا يقع استغلالها بشكل ناجع”.

وترجح التوقعات أن 32 في المئة من المياه المخصصة للزراعة يقع إهدارها، وهو دليل على أن السياسات المائية واللوجستية فاشلة.

ورصد الرحيلي مشكلات أخرى في القطاع الزراعي، “مردها الصعوبات التي يعاني منها المزارعون خلال عملية تزويد بالمياه”، وكشف أن “كلفة ضخ المياه المرتفعة قاد المزارعين إلى التخلي عن بعض الزراعات، بعد أن باتت كلفة الإنتاج تفوق بكثير قيمة المرابيح”.

واستنتج أن “الزراعة في تونس ضحية الاستثمار الأعمى، وذلك من خلال التركيز على تصدير مواد زراعية مستهلكة للتربة والمياه وذات قيمة مضافة ضعيفة”.

ويندد المزارعون بأوضاعهم الهشة، التي ازدادت سوءا في السنوات الأخيرة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وعلى رغم أهمية القطاع ألا أنه لا يحظى بأولوية لدى جميع الحكومات المتعاقبة منذ اندلاع ثورة يناير، ولطالما وجهت انتقادات للمشرفين على القطاع بسبب سوء الإدارة والتصرف وانتهاجها سياسة اللامبالاة.

من جهة ثانية، يسلط خبراء الضوء على أثر التغيّرات المناخية على الأشجار المثمرة، حيث تحتاج الأشجار إلى موسم بارد خلال الشتاء لتنمو وتزهر وتنتج، لكنها لم تعد تنتج كما في السابق بسبب التغيّرات الكبرى في درجات الحرارة أو بسبب مخاطر الصقيع.

وأوضح عادل الهنتاتي الخبير البيئي لـ”العرب”، “أن التغيّرات المناخية قادت إلى معادلة متناقضة وهو ما انعكس على الإنتاج الزراعي”.

وشرح بالقول “منظومة الإنتاج الزراعي تحتاج إلى كمية معتدلة من الأمطار، لكنها اليوم متذبذبة إذ قد نشهد هطولا للأمطار في خمسة أيام متتالية، فيما نبقى شهورا دون نزولها”.

وتابع “يحمل هذا التناقض في المناخ انعكاسات على القطاع ويرهق المزارعين الذين يواجهون معضلتي الجفاف أو الفيضانات، خاصة في مجال الحبوب والأشجار المثمرة التي تحتاج للأمطار”.

واعتبر أن “هذه الصعوبات بسبب مشكلات المناخ، تأتي على حساب صغار المزارعين، الذين لا يملكون قدرات لمجابهة نقص الإنتاج في فترات الجفاف، كما أنهم يعانون من صعوبات الترويج في فترات المحصول الوفير”.

وعلى سبيل المثال، قُدرت مساحات الأشجار المثمرة، التي تضررت على إثر سقوط الأمطار في يونيو الماضي في ولاية (محافظة) سليانة بحوالي 800 هكتار، وذلك وفق المعاينات الأولية، التي قامت بها لجنة فنية متكونة من تقنيين ومهندسين بالدائرة الفرعية للإنتاج النباتي بالجهة. كما تضرر أكثر من 200 هكتار من الأشجار المثمرة ومساحات الحبوب بسبب نزول البرد في مدينة الكاف في مايو الماضي.

وأكد مسؤولو الجهة أن نسبة الأضرار فاقت 60 في المئة بالنسبة لمزارع الحبوب وأكثر من 80 في المئة بالنسبة للأشجار المثمرة.

 صعوبات أخرى

نقص في المنتوج
نقص في المنتوج

يواجه المزارعون في تونس صعوبات أخرى ناجمة عن النقص بالتزود بالأسمدة خاصة مادة ”دي.آ.بي” مما يعيق انطلاق موسم الزراعات الكبرى بمدن تتمتع بمناطق سقوية مثل جندوبة (الشمال الغربي).

وحسب تقارير محلية فقد أدى شحّ الأسمدة والنقص في البذور في ظل تنامي السوق السوداء إلى ارتفاع الأسعار، حيث بلغ سعر قنطار القمح الصلب 130 دينارا (قرابة48 دولار أميركي).

ويواجه المزارع صعوبة في تحصيل بذوره مقابل بطء التزويد من المراكز، التي خصصتها الجهات الحكومية للغرض، وهو ما جعل المزارع في رحلة بحث متواصلة في مختلف المدن لتحصيل البذور. فيما اضطر بعض المزارعين إما للزراعة دون استعمال الأسمدة وإما لتأجيل الزراعة في انتظار وصول مادتي الامونيتر والـ”دي.آ.بي”.

عبدالحميد الزار: المزارعون الصغار في تونس عاجزون عن مقاومة الأوبئة

وسبق أن انتقد الاتحاد التونسي للفلاحة عدم تشجيع الحكومة المزارعين على اقتناء البذور الممتازة، بتعلة أنها ليست مدعمة، ما يجعل المزارع مجبرا على اختيار البذور العادية.

وأمام هذه الصعوبات، طالب عدد من المزارعين بضرورة مراجعة أسعار الأسمدة والبذور، التي ارتفعت بشكل كبير، وهو ما انعكس سلبا على هامش الربح والإنتاج لديهم.

من جانبها تقول الحكومة إنها تريد التقليص من استعمال الأسمدة والبذور بشكل عشوائي.

ويشير الهنتاتي إلى أن استعمال الأسمدة الكيمائية في تونس بات أكثر من الاحتياجات المطلوبة بحسب الدراسات، مستدركا أن هناك نقصا في توعية المزارعين بشأن أهميتها، فهي ترفع من نسبة الإنتاج لكن دون تحقيق نتائج.

كما تضرر القطاع الزراعي مع انتشار أمراض مثل “سوسة النخيل” ومرض اللسان الأزرق، الذي تسبب في خسارة كبيرة لدى قطاع المواشي مؤخرا.

وتعليقا على انتشار المرض الأزرق، أكد عبدالحميد الزار رئيس الاتحاد التونسي للفلاحين، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن “80 في المئة من المزارعين الصغار في تونس عاجزون عن مقاومة الأوبئة”.

ويستنج الخبراء أن الإهمال الحكومي وراء متاعب قطاع الزراعة، منتقدين تواضع الدعم المالي المخصص للمزارعين في موازنة 2021 والذي برأيهم لا يحمل روح التنمية كما واصل تهميش القطاع.

وتؤكد الحكومة أنها تبنت إستراتيجية جديدة لتحقيق الأمن الغذائي، تعمل على خفض فاتورة الاستيراد ورفع الإنتاجية الوطنية، فضلا عن تشجيع الاستثمار الزراعي المنتج، لكن الخبراء يستبعدون القدرة على النهوض بالقطاع في ظل المؤشرات الاقتصادية الصعبة.

وتعثر الاقتصاد التونسي بفعل ارتفاع الدين وتدهور الخدمات العامة، إضافة إلى تداعيات تفشي فايروس كورونا عالميا، وبسبب تواصل الاضطراب السياسي مما عقد جهود علاج مشكلات القطاعات الحيوية مثل قطاع الزراعة.

12