الزربية القيروانية سجاد تونسي يعاني أزمة التسويق

تعود صناعة الزربية في تونس إلى عصور قديمة، حيث أثرت فيها مختلف حضارات البلاد تأثيرا مباشرا على مستوى الأشكال والزركشة والزينة، فتميزت كل منطقة من البلاد بنوع معين من التصاميم واستعمال الألوان، وظهرت بذلك عدة أنواع من الزرابي، كالزربية القيروانية مثلا والتي تعد أبرزها والزربية القفصية والزربية الجربية وغيرها من الأنواع، وتتوحد كلها في المواد الأولية المستعملة، إلا أنها تختلف من حيث الأشكال والألوان، كما تعاني جميعها من قلة الترويج والركود.
الخميس 2016/02/18
عزف على المنوال

القيروان - ألهمت المرأة القيروانية “الكاملة بنت الشاوش” سنة 1830، القيروانيات بحرفة حياكة الزربية (السجّاد)، لتتحول هذه الصناعة إلى تقليد أسري وحرفة لا يكاد منزل يخلو منها. والكاملة، أول امرأة نسجت زربية لمقام أبي زمعة البلوي (مسجد يضم قبر الصحابي أبوزمعة عبيد بن أرقم البلوي) بمدينة القيروان وسط تونس.

وبمرور العصور توزّعت الحرفة وانتشرت في المناطق الريفية بالقيروان، مع اختلاف في التصاميم و”التنقيلة” وهي النقوش التي تزين بها الزربية وأشهرها المحراب وبيت النحل، وغيرها من الابتكارات التي تحفظها النسوة عن ظهر قلب. وللزربيّة أهمية خاصة في البيت التونسي عموما، والقيرواني على وجه الخصوص، وتعد مكوّنا أساسيا فيه، ومن أهم عناصر مقتنيات العروس.

الألوان الطبيعية الزاهية، أهم ما يميز الزربية القيروانية، وأشهرها على الإطلاق الزربية “علوشة” (نسبة إلى الضأن ويسميه التونسيون علوش)، وهي تحمل ألوانا (بيضاء وبنية وصفراء).

واختلفت الروايات بشأن المصدر الرئيس للزربية، إن كان فارسيا أم تركيا، لكن الموروث البربري (قبل الفتح الإسلامي وانصهر لاحقا في الثقافة الإسلامية) ترك بصمته في التّصاميم والنقوش.

ولتنظيم إنتاجها، استحدثت في تونس مؤسسات تعنى بالصناعات التقليدية، ومنها صناعة الزربية، تتبع لوزارة التجارة، مهمتها تدريب الحرفيات وابتكار نقوش جديدة وإحياء التراث التّونسي وتجديده بروح عصرية.

ورغم أن صناعتها، أصبحت خلال وقت لاحق مصدر رزق للآلاف من العائلات التونسية، إلا أن غياب آليات تسويق تتماشى مع تحولات السوق والواقع المتحرك، أوقع قطاع الزربية في أزمة حقيقية، فضلا عن التحولات الإقليمية والأحداث الأمنية بعد الثورة، التي انعكست سلبا على موارد رزق الحرفيين والتجار والإنتاج والسياحة.

تقول صالحة زراعي، إنها تريد المحافظة على حرفة صنع الزربية، باعتبارها مورد الرزق الوحيد لها، في ظل غياب فرص العمل في قطاع الفلاحة والصناعة والخدمات. وأكدت أنها تواجه العديد من الصعوبات، منها انخفاض سعر الزربية، مقابل غلاء أسعار المواد الأولية. وتسببت معوقات تسويق السجاد في ترك العديد من السيدات لهذه الصناعة، التي أصبحت لا تدر الدخل الكافي لهن، خلال السنوات الأخيرة.

وبعد أن بدأت بصناعة الزربية في سن الـ12 من عمرها، أصبحت فتحية عقوب، إحدى المستثمرات في مجال السجاد بالقيروان، وتملك ورشة وتشغل معها عاملات يتقنّ هذه الحرفة التقليدية، إلا أن أحداث الثورة التونسية، قلصت عدد العاملات في المشغل من 45 لأقل من 13 عاملة في الوقت الحالي، لأسباب مرتبطة بضعف التسويق من جهة، والتوجه نحو الوظائف الحكومية من جهة أخرى.

غلاء أسعار المواد الأولية يقابله تدني أسعار البيع

من جهتها، وضعت راضية الحاجي (حرفية ومستثمرة)، مقارنة بين أرباحها سنة 1980 والوقت الحالي، وكشفت تضاعف سعر المواد الأولية من 4 دنانير (2 دولار) إلى 9 دنانير (4.5 دولار) خلال العام الجاري، مع تراجع الأرباح بنسبة كبيرة جدا.

وبعد حياكة السجادة، فإنها تمر إلى “دار الزربية” (وتسمى دار الطابع)، ليتم التأكد من جودتها، قبل عرضها في سوق الربع (السكاجين) بالمدينة العتيقة، المختص في بيع وشراء هذا المنتوج، وهنا يتم ختم الزربية بختم (ورقة وقطعة رصاص) ويسمى “الطابع” لأنه يحمل مواصفات الجودة ومقاساتها.

وقبل بيعها، يتم فحص الزربية، من حيث الوزن والأبعاد، ثم في مرحلة تالية، تختبر كثافة الصوف وجودته، ليميز الطبيعي من الصناعي، وبناء على تلك المعايير يتم تحديد سعرها.

يقول فتحي العامري (خبير مراقبة الجودة بدار الطابع)، “عام 2000 كان عدد الزرابي التي تأتينا في اليوم الواحد 500، ما جعلنا نواجه صعوبة في التعامل معها، إلى حد الإرهاق، في حين لم يتجاوز عدد الزرابي اليوم 20”. في الجانب الآخر، وتحديدا في سوق “الربع” أو “بورصة الزربية” يوجد “الدَّلالة” (الرجال الذين يقومون بالمزاد العلني) بين التجار والمواطنين العاديين يساهمون في الوساطة بين الحرفيات والتجار. فوجود عدد كبير من التجار أمر محمود لدى الحرفيات، لأنه يخلق منافسة بينهن، على عكس ما صادفته الحرفية جميلة السلاوي عندما حملت زربيتها إلى “الربع” تلقفها “الدلال” واستقر السعر على 325 دينارا (175 دولارا)، شعرت جميلة “بمرارة” لضعف السعر.

تراجع الأسعار بالنسبة لجميلة، دفعها لاتخاذ قرار عدم “صنع الزربية لاحقا”، فالزربية التي باعتها أخذت من وقتها 6 أشهر لتقبض ثمنا لا يلائم تعبها ومرضها.

وكان تقرير سابق للإدارة الجهوية للصناعات التقليدية (مؤسسة حكومية)، تطرق لتراجع صناعة الزربية بالقيروان من 507 زربية في يناير 2014، إلى 356 زربية في 2015.

وتقول الحرفية فاطمة همامي، إن أجرتها لا تتجاوز 5 دنانير في اليوم (2.5 دولار) مقابل إنجازها المساحة المطلوبة (تحسب بعدد صفوف الخيط على طول 50 سنتميترا) ويستغرق نسجها بين 6 و8 ساعات تقضيها في حركة دائمة.

من جانبه اعتبر المسؤول بالديوان الوطني للصناعات التقليدية (حكومي) حسن الدُغري، أن “التراجع يعود لما عاشته البلاد من ظروف أمنية وضربات إرهابية”، مشيرا إلى “وجود ارتباط وثيق بين القطاع السياحي وقطاع الصناعات التقليدية”.

وقال إن “وزارة التجارة شعرت بخطورة الوضع الذي يعيشه قطاع الزربيّة، وتمت بالتّالي إضافة مليون دينار تونسي، بغاية إقامة معارض ترويجية، إذ لم نكن نتجه في الطريق الصحيح في ما يخص التصدير، ويجب أن تكون هناك استراتيجية موجهة للتصدير المباشر، وفتح أسواق جديدة وفصل قطاع الصناعات التقليدية عن القطاع السياحي”.

وتعتبر القيروان عاصمة الصناعات التقلدية، تضم 28 ألف حرفي، وينشط في قطاع الزربية حوالي 15 ألفا، حسب تصريح المدير المكلف بالإشراف على مندوبية الصناعات التقليدية (حكومية) طارق ناجي الذي أوضح أن” القيروان تنتج 30 بالمئة من الإنتاج الوطني للزربية، ما يشير إلى تراجع إنتاج القيروان وضمور دورها رغم وجود 12 مشغلا معتمدا”.

20