"الزطلة" تهدد مستقبل الشباب التونسي والقانون 52 يدمره

يعود "القانون 52" المتعلق باستهلاك المخدرات إلى الواجهة مجددا في تونس بعد مطالبة العديد من المنظمات الحقوقية والفنانين والنشطاء بإلغائه أو مراجعته، إذ اعتُبِر أن العمل به لم يسجل أي نتائج إيجابية، بل يتسبب في ضياع العديد من الشباب الذين زج بهم في السجون وسط المجرمين خصوصا المستهلكين للمرة الأولى.
الجمعة 2017/01/20
لفة لإشعال نار تحرق مستقبل الشباب

تونس- من هيئات المجتمع المدني إلى رئيس البلاد، تتزايد الدعوات إلى إجراء تعديل جذري لقانون مثير للجدل يحمل الرقم 52 بهدف المطالبة بإلغاء تجريم تدخين الحشيشة (تسمى محليا “الزطلة”) الذي يزج سنويا بموجبه الآلاف من الشبان بالسجن في تونس ما بعد الثورة. وقالت المسؤولة الحكومية المكلفة بشؤون الشباب فاتن قلال لصحيفة “لا براس” التونسية “القمع ليس فعالا البتة أعارض بالكامل سجن الأشخاص الذين يدخنون الحشيشة”.

ويثير “القانون 52” الذي أقر في العام 1992 خلال عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، منذ زمن طويل جدلا في البلاد إذ ينص على عقوبة السجن لعام كحد أدنى بتهمة تعاطي المخدرات ويحظر في المقابل على القضاة اتخاذ اسباب تخفيفية بعين الاعتبار. وخلال حكم بن علي، كان هذا القانون يستخدم في الكثير من الأحيان ذريعة لقمع الأصوات المعارضة.

قانون يزج بالشباب في الزنازين

أما اليوم، فقد بات تطبيق هذا القانون شائعا جدا وأصبح الآلاف من التونسيين يودعون السجن سنويا، غالبيتهم بتهمة تعاطي الحشيشة، فبين العامين 2000 و2016، ازداد عدد المحاكمات من 732 إلى 5744 محاكمة وفق ما أعلنت عنه السلطات أخيرا. وفي تقرير نشر قبل نحو عام، لخصت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الوضع قائلة “تستمر الشرطة في حبس الناس إلى أن تظهر نتائج تحاليل البول. والنتيجة الإيجابية تؤدي عادة إلى السجن عاما. الآلاف، وأغلبهم في سن الشباب من دون سجلات جنائية، انتهى بهم المطاف في زنازين مزدحمة بالنزلاء، مع مجرمين خطرين”.

وفي مواجهة هذا الوضع، كانت المنظمات غير الحكومية تعتقد أنها حققت نصرا بفضل مشروع لتعديل القانون أرسلته الحكومة إلى البرلمان لدرسه في نهاية ديسمبر ينص على إلغاء عقوبة السجن في أول حكم إدانة. وأشارت المسؤولة المحلية في منظمة “هيومن رايتس ووتش” آمنة القلالي إلى أن “الحماسة كانت لفترة قصيرة”. وقد علم مسؤولون في منظمات غير حكومية بأن وزارة العدل أعادت إمكانية إنزال عقوبة السجن منذ حكم الإدانة الأول بعد الاحتكام إليها من جانب لجنة التشريع العام.

وأوضح نائب رئيس اللجنة حسونة ناصفي أن “النواب اعتبروا أن النسخة الأساسية كانت متسامحة للغاية”. وتم الاستماع إلى ثماني منظمات غير حكومية الخميس في البرلمان، وأضاف ناصفي “سنذهب الأربعاء المقبل للاستماع إلى موقوفين”. وأوجد الإعلان عن هذا التراجع حالة من التعبئة. وقال المحامي غازي مرابط الذي يقود هذه المعركة ضمن مجموعة “السجين 52” الأربعاء “نرى بضرورة حصول تدرج في الأحكام”.

كذلك دعا حزب “آفاق تونس” أمام الصحافيين للعودة إلى النص الأساسي منددا بالنقص في الشفافية في التعاطي السياسي مع مشروع القانون “المهم” هذا. وقال رئيس الحزب ياسين إبراهيم إن تونس باتت تعيش في ظل نظام ديمقراطي، لافتا إلى أن الآراء يمكن أن تتباين لكن المطلوب توفير الشفافية وإقامة حوار مفتوح بالكامل. إلى جانب ذلك، لفت إبراهيم إلى أن التشريع الحالي قد يمثل عنصرا مساعدا للدفع على التشدد في السجون في ظل اليأس الذي يعيشه الشباب وتمدد الحركات الدينية المتشددة.

ومن جانبه جدد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تأكيد دعمه إجراء إصلاح في العمق. وكان عدد كبير من الفنانين التونسيين ونشطاء المجتمع المدني قد طالبوا العديد من المرات بتنقيح قانون المخدرات بوقفات احتجاجية وبمراسلات لرئاستي الجمهورية والحكومة وعبر الجمعيات الثقافية. لكن منظمات “هيومن رايتس ووتش” و”محامون بلا حدود” و”الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” أعادوا الموضوع المثير للجدل مرة أخرى إلى الواجهة، حيث طالبوا البرلمان بوجوب موافقة الحكومة على تعديل مشروع “القانون 52” بهدف تعزيز أحكام حقوق الإنسان.

وشددت المنظمات الثلاث، الخميس، في رسالة مشتركة إلى مجلس نواب الشعب على ضرورة أن يلغي البرلمان جميع أحكام السجن لتعاطي المخدرات أو حيازتها للاستهلاك الشخصي، كما ينبغي عليه أيضا إلغاء العقوبة الصارمة المقترحة لمن يرفض الخضوع لاختبار البول لاستهلاك المخدرات، حسب نص الرسالة. وطالبت المنظمات كذلك بإلغاء الجريمة الجديدة وهي “التحريض” على تعاطي المخدارت، والتي يمكن استخدامها ضد جماعات تدافع عن عدم تجريم المخدرات، ومغنيي الراب والمغنين الآخرين الذين يتناولون مواضيع تعاطي المخدرات وغيرها.

وعززت المنظمات الثلاث رسالتها إلى البرلمان بتقرير سابق أعدته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و”هيومن رايتس ووتش” و”محامون بلا حدود”، وعمادة المحامين، بعنوان “تطبيقات القانون 52 المتعلق بالمخدرات أمام المحاكم التونسية، انتهاكات الحق في سلامة الإجراءات أثناء المحاكمات”، ويبين أن هناك 6700 شخص في سجون تونس جرّاء تعاطيهم المخدرات عام 2016، من مجموع 23553 سجينا وفقا لتصريح صادر عن وزير العدل أمام لجنة التشريع العام في مجلس نواب الشعب في 3 يناير الحالي.

مطالب بإلغاء جريمة "التحريض" الجديدة التي تستهدف مغنيي الراب

وأشارت المنظمات إلى أن مشروع قانون المخدرات المنقح والمعروض على أنظار لجنة التشريع العام بالبرلمان، يتضمن أحكاما قد تنتهك الحق في حرية التعبير والخصوصية، ويوسع المشروع صلاحيات الشرطة في إجراءات المراقبة والتنصت على الهواتف واعتراض الاتصالات خلال عمليات مكافحة المخدرات، بالإضافة إلى اعتبار “التحريض العلني” كجريمة.

ويفرض “القانون 52” عقوبة إلزامية تتراوح بين سنة و5 سنوات سجنا لمن يتعاطى أو يمتلك كمية صغيرة من المخدرات غير القانونية، بما فيها القنب أو “الزطلة”. وحتى في حالات حيازة سيجارة حشيش واحدة، لا يتمتع القضاة بسلطة فرض بدائل عن السجن، مثل العقوبات المجتمعية أو العقوبات الإدارية الأخرى. كما يفرض “القانون 52” على مستهلكي المواد المخدرة إلى جانب السجن غرامة تتراوح بين ألف و3 آلاف دينار (500 إلى 1500 دولار).

وتشير الإحصاءات الرسمية في تونس إلى أن نحو 54 بالمئة من السجناء في تونس متهمون باستهلاك مخدر “الزطلة” وهم محتجزون مع موقوفين بجرائم خطيرة. وأنجزت إدارة الطب المدرسي والجامعي في وزارة الصحة، دراسة عام 2013 حول “المخدرات في الوسط المدرسي” لمعرفة نسبة التلاميذ الذين يتعاطون المخدرات، وأجريت على التلاميذ في السنتين الأولى والثانية ثانوي من معاهد تونس الكبرى، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة، فكشفت أن نسبة تتراوح بين 50 إلى 75 بالمئة من التلاميذ احتكوا بطريقة أو بأخرى بالمخدرات.

فالمزود الرئيسي لهم التلاميذ أنفسهم بنسبة 52.5 بالمئة، والمزود الثاني العاملون في المعاهد بنسبة 7.6 بالمئة. أما أماكن التزويد فهي قاعات الألعاب والمقاهي القريبة من المعهد بنسبة 58 بالمئة. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن أكثر من 100 ألف يستهلكون هذا الـمخدر، عمر 57 بالمئة منهم بين 13 و18 عاما، و36 بالمئة تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما.

20