الزعامات السنية أسيرة عشق السلطة

الزعامات السنية فللأسف لم تتمكن من الخروج من هاوية عشق السلطة والتشبث بها، بل إن بعض أطرافها قبلوا أخيراً العروض الإيرانية المقدمة إليهم وإلى الأكراد.
الجمعة 2018/08/24
محافظات منكوبة تفتقد إلى الأمن والاستقرار

حالة محيرة للعقول وللمنطق السياسي ما يحصل على الجبهة السياسية السنية من نشاطات لعقد تحالفات اللحظة الأخيرة قبل تشكيل الكتلة الأكبر للبرلمان العراقي الجديد. الملفت أن الكوارث الإنسانية لم تترك للمحافظات العربية السنية خلال فترة احتلال داعش وما بعدها أي آثار على نوعية المتعاطين في السياسة ممّن اختاروا طريق النظام وسياساته القائمة على المحاصصة الطائفية رغم تناقص أعدادهم بعد الفرز الذي حصل، فيهم من رفع لواء المعارضة للحكم الشيعي خلال وقفات ما سمي (بمنصات الاعتصام ) في الأنبار، وآخرين جدد أقل قامة من الزعامات التقليدية تمسكوا بكرسي “السلطنة السنية” رغم ما أصابت كثر منهم من تهم الفساد أو الفشل.

ولم تتوفر لمواطني تلك المحافظات المنكوبة فرص الحد الأدنى من الأمن والاستقرار حيث يعيشون في مخيمات النزوح البائسة داخل منطقة كردستان أو على حافات تلك المحافظات يطاردهم الجوع والمرض والتشرد والمداهمات الأمنية والقبض على أبنائهم من الشباب تحت شكوك انتمائهم لداعش، في حين تم الإصرار على إشراك النازحين في الانتخابات تحت عناوين بائسة، لأن الهدف السياسي المركزي للأحزاب الشيعية كان رفض تأجيل الانتخابات في تلك المحافظات تحت تبريرات واهية وأغطية سياسية وتحريك الشعور بمنطق “المؤامرة”.

وكان أكثر المرشحين السنة من تلك المحافظات قد رشحوا أنفسهم من العاصمة بغداد، فكانت نتائج التزوير مخجلة في تلك المحافظات عبر تمرير آلالاف من الأصوات المزيفة، أو فرض بعض المرشحين بواسطة الترهيب والترغيب. واختفت مقاييس اختيار البرلماني الجديد وفق نزاهته وعدم فشله وقربه أو ابتعاده عن أهله وجمهوره المقهور، فلعب المال دوره كالعادة في فوز أسماء كثيرة تدور حولها شبهات السرقات والفساد والتزوير وسقطت بعض الأسماء التي لم تتمكن من مواجهة كواسج المال وخبراء الصفقات الكبرى داخل أروقة الحكم والممتلكة لعلاقات “البزنس” مع بعض الزعامات الشيعية النافذة.

ستتم صفقات الفاسدين والفاشلين ويتم تقاسم “كعكعة” السلطة مجددا عبر لعبة المحاصصة الشيعية الكردية السنية وفق ما سمي بالتوافق أو الشراكة أو أي تسمية أخرى

مصالح المال والتجارة هي المتقدمة وأصحابها هم اللاعبون اليوم، كل هذه المواصفات تضاف إلى عناوينهم الطائفية، أما شعارات وحدة الوطن ورفع راية العراق خفاقة والدفاع عن آلام النازحين فهذه مكانها القنوات الفضائية المملوكة لأولئك النافذين، كما دخل عنصر مهم كرّس تكرار ذات الوجوه السياسية السنية الفاشلة والفاسدة تمثّل في وجود قرار إقليمي ودولي لم يتغيّر منذ خمسة عشر عاما ببقاء “المحاصصة الطائفية” وما سمي بالشراكة والتوافق كقاعدة لاستمرار النظام السياسي القائم.

وهناك أحزاب تريحها هذه الرغبة لأنها تكرّس استمرارها وكل ما سمعناه من شعارات “الأغلبية السياسية والوطنية” هي كذلك كانت للتعاطي الإعلامي فقط. وهذه القاعدة الطائفية هي التي جددت لبقاء واستمرار الزعامات السنية التقليدية التي أصبحت لديها الخبرة في كيفية التعاطي مع المحيط الإقليمي العربي تحت الشعار المزيف “حماية السنة في العراق” وهم على أيديهم وبغطاء منهم حصل ما حصل للعرب السنة في العراق، بل إن بعض الزعامات الشيعية المعتدلة والتي لم تتورط بمعاداة السنة هي أكثر إنصافاً وعطفاً على جمهور السنة من هؤلاء. ولم يشاهد العراقيون وجمهور السنة وقوف واحد من تلك الزعامات الكرتونية معترفاً بالفشل ومؤثراً التنحي ليعطي أنموذجاً يقلل من الإحباط العام.

لقد برزت وجوه سنية جديدة لم تجّرب العمل السياسي ولم تشارك في العملية السياسية وبعضها دخل بطريقة الاختراق للخانة القيادية السنية والبعض الآخر اختار الذهاب والانضمام إلى بعض واجهات الجبهة الشيعية على أمل إحداث تغيير في شكل التعاطي مع العرب السنة من قبل القيادات الشيعية المهيمنة، ولعل من السذاجة السياسية أن تتبدل عناوين التحالفات داخل الجبهة السياسية السنية ويتنقل بعض وجوهها التقليديين ما بين القائمة الوطنية بزعامة إياد علاوي وبين تشكيل جديد أطلق عليه (المحور) وهو تجميع لتحالفات سابقة لا جديد فيه سوى العنوان المثير إعلامياً. لقد دخلت زعامة جديدة بزخم “مركّب” لكنها لن تتمكن من تمرير الأهداف الحقيقية لرفع المعاناة عن العراقيين والسنة بشكل خاص أو في إضافة إمكانية للخروج من مأزق المحاصصة، بل كرسته، وستسقط تحت هيمنة “سلاطين السنة” المتمسكين بمواقعهم.

واختفت مقاييس اختيار البرلماني الجديد وفق نزاهته وعدم فشله وقربه أو ابتعاده عن أهله وجمهوره المقهور، فلعب المال دوره كالعادة في فوز أسماء كثيرة تدور حولها شبهات السرقات والفساد والتزوير

إن دخولهم كان في الوقت والمكان الخطأ ولو وضعوا ثقلهم المتعدد الوجوه بطريقة التجديد الشامل للجبهة العربية السنية لوفّر ذلك فرصاً للنجاح لصالح الناس. ويُجمع المعنيون بالشأن العراقي أنه لو كان هدف زعامات “المحور الوطني” تمتين وتعضيد جبهة القوى الساعية للخروج من غول المحاصصة لذهبوا مباشرة إلى ثلاثة تكتلات كبيرة هي (القائمة الوطنية وسائرون والحكمة) وكذلك النصر وتفاهموا معهم بعد لملمة شتات الفائزين من السنة، بضرورة التخلص من المحاصصة الطائفية عبر برنامج وطني حقيقي وجاد في إحداث تغيير سياسي يستند على قاعدة جماهيرية واسعة أصبح لها ثقلها السياسي بعد مظاهرات الوسط والجنوب إلى جانب ما تشكله حقيقة معاناة أهل المحافظات العربية الغربية من ثقل معتبر، فالجمهور العراقي الذي ذهب للانتخابات بنسبة لم تتجاوز الثلاثين بالمئة لا يتوقع أنه اختار من آذاه وقطع الماء والكهرباء عن أطفاله وسرق ثروة بلاده.

والدليل على ذلك انتفاضة أهل الجنوب ومظاهراتهم واعتصاماتهم، مع صمت أهل المحافظات العربية الست بسبب دخولهم في غيبوبة القهر والظلم والجوع والذل، وهذا ما أراح بعض الزعامات السنية، ليطلبوا الرضى عنهم من صانعي صفقات السلطة. إن الدخول بقوة من أجل بناء برنامج وطني يسقط المحاصصة الطائفية ليس بدعة خيالية أو فرضية غير ممكنة التحقيق، بل تمتلك جميع مقومات الحركة والتفاعل والنجاح إذا ما خلصت النوايا، وإذا ما تشكلت هذه الكتلة الوطنية العابرة للطائفية، فإنها ستكون رابحة حتى وإن ذهبت للمعارضة البرلمانية.

هنا يتطلب من الزعيم (مقتدى الصدر) الثبات على مواقفه الأخيرة بعدم الدخول في صفقات المحاصصة من أجل السلطة إلى جانب ثبات (العبادي) أيضا. أما الزعامات السنية فللأسف لم تتمكن من الخروج من هاوية عشق السلطة والتشبث بها، بل إن بعض أطرافها قبلوا أخيراً العروض الإيرانية المقدمة إليهم وإلى الأكراد للدخول في صفقة تقاسم السلطة التي يديرها حالياً (قاسم سليماني) مقابل ما يقوم به مبعوث الرئيس الأميركي (بريت ماكغورك) وهذه الزعامات السنية التي فشلت وزورت الانتخابات لن تخرج من مأزقها الطائفي وهي تتفاعل أكثر مع الكتل الشيعية المتمثلة بـ”القانون والفتح وبعض المتسربين من النصر” إنهم لا يبالون بهموم ابناء السنة ولا بهموم أبناء العراق، ويلعبون حالياً على وتر الامتداد العربي كضغط مهم في صناعة الحكومة المقبلة إلى جانب كل من إيران وأميركا. وفي ظل كل هذا ستتم صفقات الفاسدين والفاشلين ويتم تقاسم “كعكعة” السلطة مجددا عبر لعبة المحاصصة الشيعية الكردية السنية وفق ما سمي بالتوافق أو الشراكة أو أي تسمية أخرى.

9