الزعيم الأزرق

السبت 2014/05/10

السحر الذي تحتويه أفلام الرسوم المتحركة القديمة، قد يجعل من محاولة القفز إلى الماضي البعيد الجميل تجربة ناجحة ومفيدة ومليئة بالدهشة. لطالما أحببت متابعة هذه القصص الرقيقة بشخصياتها المدهشة ومشاهدها الخلفية الضاجة بالحياة والمناظر الخلابة. أحببت أن استعيد فرحة الماضي في شخص ابنتي الصغيرة؛ هكذا كنت أخالها، ولأن الماضي لا يمكن أن يعود ثانية، قررت أن أبادر فأزورها بنفسي!

حصلت مصادفة على نسخ أشرطة فيديو قديمة من أفلام الرسوم المتحركة للسندباد البحري، ذلك التاجر الوسيم الذي قدم من بغداد ليبدأ أولى خطواته الواثقة داخل مغامرة جغرافية محفوفة بالمفاجآت، فقطع في طريقه إلى ذلك بلاد السند والهند مرورا بالصحراء الكبرى، صعودا إلى جبال الجليد، نزولا عند شاطئ الأقزام وكهوف اللصوص وسفن القراصنة.

وهو في طريقه المتعرج هذا، كان يلتقي باللصوص وأصحاب الحكمة والمشعوذين والفقراء والعديد من الأشرار الظرفاء، بعضهم ضعيف البأس قليل الحيلة لا تستغرق نهايته على يد المغامر الشاب سوى قرصة من بعوضة، بعضهم جبار متسلط يكاد يطبق بشره على عنق الفتى سندباد ليسلبه في لحظة حياته ومعجبيه الحالمين حتى كأنه يكاد ينهي الحلقات المئة من القصة على عجالة، وقبل أن تنتهي دورتها الطبيعية في أشرطة الفيديو.

دسست أشرطة السندباد البحري خلسة ضمن مجموعة أفلام الرسوم المتحركة التي تدمنها ابنتي، فنجحت الخطة؛ اقتربت الصغيرة المحاصرة بتقنيات العالم الحديث، بحذر من حكايات البحار البسيط الذي يجوب العالم متسلحا بحكمة صغيرة وعصفورة عنيدة، فأعجبتها النهايات المختلفة وأدهشتها مغامرات السندباد الذي كان ينجح بتفوق في هزيمة الموت في كل مرة، مستعينا ببعض الحظ وكثير من الصبر والرفاق الطيّبين.

وكانت في نهاية كل حلقة تحاصرني بمجموعة من الأسئلة التقنية التي لا ناقة لي فيها ولا جمل، فصرت اتحايل على الحصار بكأس من العصير أو الشيكولاته الساخنة وبعض رقائق البطاطا المقرمشة أرشيها بها –على مضض- لأقضي على ما تبقى من أسئلتها الفضولية. معظم علامات التعجب التي كانت تُومض في جمجمتها الرقيقة كانت تدور في محور الزعماء، أعني الزعماء (الكارتونيين) الذين كانوا يطاردون البطل بشرورهم في سلسلة طويلة من الحلقات الأخيرة؛ زعيم الجليد وزعيم الزيت الأسود وزعيم الحجارة وزعيم الرمل والزعيم العجيب الذي يتكور على نفسه مئة عام في قمقم بحجم ذبابة! كلهم زعماء وكلهم أقوياء وجبابرة وأشرار، لكنهم في النهاية يصبحون ضحايا لمكر سندباد وحنكته التي لا تخطئ.

الوحيد الذي بقي مرابطا في مسرح الشر المطلق هو الزعيم الأزرق، وعلى الرغم من ضآلة حجمه مقارنة بأحجام الزعماء الآخرين ولونه الأزرق العجيب، إلا أنه كان القائد الصامد الذي شكل وجوده (ضرورة) لتوازن السرد في القصة، وهو بعينه الشر الأخير الذي تطلب من سندباد وقتا إضافيا وحلقات كارتونية مضاعفة للقضاء عليه.

فالزعيم الأزرق طالما أثار فضول صغيرتي القادمة توا من عالم الرجل الحديدي الذي يستطيع أن يدمر العالم بضغطة من زر حاسوبه الشخصي، فأثار فضولها وقلقها معا بسبب الوقت الطويل الذي استغرقته نهايته المحتومة والوسائل البدائية التي استخدمها سندباد للتعجيل بهذه النهاية، التي بدت من وجهة نظرها (الحديدية) بطيئة جدا كخطوات سلحفاة ضريرة!.

المهم عندي كان أن استعيد لحظات الطفولة الجميلة وأشارك طفلتي فرحة عابرة، والمهم عندها هو أن الزعيم الأزرق قد ولى بلا رجعة مع الزعماء الآخرين، حتى تتمكن أخيرا أشرطة الفيديو من أن تستعيد سلامها وتعود إلى النوم مجددا في أدراج النسيان.

ولكن، السؤال الذي باغتتني به الشريرة الصغيرة على حين غفلة، بعثر كبريائي وهدم صروح فرحتي؛ فكانت تقول: “ماما.. ترى هل يموت الزعماء جميعهم بهذه الصورة البدائية؟ وهل كان الأمر يستغرق منكم كل هذا الوقت لوضع نهاية مناسبة للشر المطلق؟”.

في الحقيقة، لم يكن الجواب حاضرا في قلبي الموجوع تلك اللحظة؛ فالزعماء الذين نعرفهم بجميع ألوانهم وأشكالهم لا يموتون قطعا بهذه الطريقة وربما، لا يموتون مطلقا! وحتى الموت الذي يموتونه هو أشبه بالحياة الأبدية التي يعيشها صاحبها معززا مكرما بين شعبه وعشيرته وحزبه وكأنه لم يفارقهم.. ليواصل زرع رعب أبدي يقبض به على أرواحهم أحياء فلا يتركهم إلا أمواتا، يحدث هذا لأن سندباد قطع رحلته على عجل وتوارى خلف غيمة النسيان وأخذ معه حيله القديمة، فلم يترك خلفه سوى عصفورة يتيمة بذاكرة باهتة ولسان مقطوع!.

21