الزعيم يرفع يده فوق المثقف

الجمعة 2016/05/27

مثّل فن التماثيل على مر التاريخ فعلا ثقافيا واجتماعيا هاما ومحوريا، يستبطن في ثنايا نحته ثقافة وذهنية منطقة مّا أو شعبا بأكمله، إذ تمثل التماثيل رموزا ثقافية وفنية وحضارية مشتركة. وقد أوجدت كل الشعوب تقريبا تماثيل لآلهة تتشابه في مخيال إنساني متقارب، متماثل أحيانا في تعداد أنواع الآلهة ووظائفها وتخليدها بشكل محسوس، كما ذهبت التماثيل إضافة إلى ذلك إلى تخليد الملوك وجعلهم رموزا متساوين مع الآلهة.

اليوم لم تختلف كثيرا وظيفة التماثيل، التي رافقت الإنسانية لآلاف الأعوام، من حيث أنها تعبيرات رمزية، لكنها ذهبت أكثر إلى ما هو جمالي، فبتنا نرى شوارع كبرى المدن تتزين بنحوت مختلفة، وابتعدت عن القدسي والديني، لكنها بقيت تعبيرات فنية لمجموعة معينة أو شعب معين عن هاجس ثقافي أو تاريخي أو غيره.

في تونس العاصمة وتحديدا في الشارع الرئيسي الذي يمكن اعتباره المساحة الأبرز لمثقفي البلد، تقام أغلب التظاهرات التي تضمها العاصمة التونسية على مدى كامل السنة، من أيام قرطاج المسرحية والسينمائية والموسيقية والحفلات والأمسيات الفنية والشعرية ومعارض الكتب الخاصة وموسيقى الشارع وغيرها من التظاهرات سواء الرسمية أو التي تأتي عفوية من قبل بعض الشباب، وهذا ما يثمنه الجميع.

في آخر شارع الحبيب بورقيبة هذا نجد تمثال ابن خلدون العلامة الشمال أفريقي والتونسي المولد، الذي كان أول من وضع قواعد علم الاجتماع، تمثاله الذي أنجزه الفنان التونسي زبير التركي، لرجل يتدثر ببرنسه ضامّا كتابه بينما نظرته طويلة إلى الشارع. هنا يمكننا أن نفهم رمزية هذا العمل الفني، الذي وإن تفاوتت التقييمات له جماليا، فإنه لا يمكن لأحد أن يغفل تحوله إلى رمز مشترك، بين من يرى فيه أهمية العلم والثقافة، ومن يرى فيه خصوصية من خلال البرنس والعمامة، فمن غير المبدع قادر على أن يكون رمزا لكل أفراد شعبه على اختلافهم وتفاوت قدراتهم المعرفية.

قبالة تمثال ابن خلدون أعيد منذ أيام قليلة وضع تمثال الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في آخر الشارع المسمى باسمه، مثيرا موجة جدل كبيرة وهو على حصانه في برجه الرخامي العالي رافعا يده في تحية تهشُّ لمن أمامها، في رمزية باردة للزعامة والتسيّد، وكأن بالسلطة عوض أن تحيي أكثر رموزا ثقافية وفنية يتوحد حولها الفرقاء، تعيد في شارع رمزي للثقافة التونسية إحياء رمز سياسي ينقسم حوله التونسيون، رغم أهمية دوره السياسي، ما جعل البعض يلقبه بالمجاهد الأعظم، لكن يبقى فعل إعادة تمثال سياسي بهذه الطريقة في باب تأليه الملوك، الذي دأب على فعله من قبل القياصرة ومن قبلهم الفراعنة وغيرهم من الشعوب التي ألّهت ملوكها.

كان من الأجدر تنصيب نحت فني عن الثورة أو الحرية أو الشهداء أو غير ذلك من الرموز التي تتماشى وصبغة الشارع الثقافية التي توحد الجميع، فكان يمكن أن تكون فعلا فنيا ينزع عن الأعين غشاوة التصادم والخلاف في وضع دقيق تشهده تونس، حيث الثقافة والفن هما الأقدر على الخروج بالبلد من مآزقه ليس للمردودية المادية للأفعال الثقافية بل لمردودية أهم، هي فكرية ونفسية وعاطفية لا غنى عنها، فليس من بديل عن الثقافة لخلق شعب متصالح منفتح على مشاكله بعقلانية مؤسسا لواقع أفضل.

تمثال الزعيم الرافع يده تحرسه شوكة الساعة الكبيرة خلفه، على يمينه مبنى وزارة الداخلية وعلى يساره بنايات المال والأعمال لا تخلو من رمزية، وهو ينظر تجاه ابن خلدون الممسك بكتاب مغلق، وبين التمثالين، تمثال المفكر المثقف وتمثال السياسي، ثقافة بلد تتخبط، ثقافة شباب يريدون إنشاء البديل، وثقافة أخرى بين شطحات نخبة مازالت تقود معاركها الدونكيشوتية من المقاهي، وبين تظاهرات باهتة لوزارة الثقافة التي مازالت تحافظ على نفس المسؤولين الذين سببوا دمار وتصحر الثقافة التونسية.

كان من الأجدر إبعاد الثقافة عن الحسابات الحزبية وتغيير سياساتها جذريا، هذه السياسات التي تنحدر في كل مرة إلى أسوأ من السيء الذي كانت فيه من خلال إداريين مثلوا رموز فساد مازالت لم تتزحزح من قبل الثورة، ويبدو أنهم “أقوى من الدولة أو هي متواطئة معهم”.

شاعر من تونس

14