الزقزقة تملأ الحقل المجاور والمياه باردة يا صديقي

الأحد 2015/10/18
بريشة حسين جمعان

بعد أن نسينا أن للميت وجها، صرنا نبحث عمن يشبهه. ولأن الميت لا يتذكر طقسه اليومي، سيقال إنها يده التي تقع على الوسادة. سيقال أيضا إن إصبعا منه يرتفع من بين النباتات عند النافذة. شيء من نومه يذكّر بالمياه الباردة. سكين على المنضدة وشفتان من بصل ونصف ليمونة ستجعل منه مائدة لحوار متأنّ. له ما يشبهه، من يتشبّه به، من يجاريه في الغياب، غير أنه ينفرد بموته كما لو أن أحدا لم يمت من قبل. المياه التي تذكّر به تظل باردة.

يدان عزيزتان

على الصخرة الوحيدة فراشة لا تُرى وأنا

على جناحي الفراشة صخرة لا تُرى وأنا

على تلك الصخرة التي لا تُرى قنديل

في الضوء القليل هناك يدان. يدان من ورق أخضر. من ورق لا ينام. متعبا من ضجري كما لو أن زورقا سينزلق بي إلى الهاوية في أيّ لحظة ليتركني وحيدا، أفكر بالندم، بالجار الذي يلصق صورة امرأة على باب شقته، ربما تكون أمه. “لم يعد لنا سوى أن ننسـى” يقـول لي قبـل أن يختفي إلى الأبـد.

صليتُ

من أجله، وقد أحزنني ترابه. من أجل طبائعه وقد أوحى لملائكة بريدي بالنوم. من أجل رائحته وقد امتزجت بطعامي صليتُ. الزقزقة على الزجاج وما من عصفور في الحقل المجاور.

أكثر من أنثى

تحت القناع، في ذروتها، بعد قيامة زهرتها، على اليمين من رملها، في لمعة عشبها، الساعة الرمادية لفجر يقع على ركبتها. مثل كتاب تضعني في الحقيبة.

الأخت البريئة

مشيتها تعزز ثقتي بالنهار. الإبرة التي تتسلل من الثوب، الكلمة التي تبلل يد الخياط، البريئة من خيالها، العارية مثل غصتها، المستلهَمة مثل ثعلب نسي مكره. في علبتها دمية وفي فمها طفل. “ألم يعد الغراب؟” تساءلت وهي تعيد الإبرة إلى الثوب وتمسح يد الخياط بزيت قبلتها.

جارتي الحلوة

“حافية لأنّي شيوعية” يضحـك الأطفال. “مجنونة لأنّي شيوعية” تمسك موظفة الرعاية الاجتماعية بيدها وتنظر إلى عينيها العميقتين. “شيوعية لأنّي هنا” تخرج من حقيبتها خارطة للاتحاد السوفيتي السابق وتفرشها على العشب ثم تضــع إصبعها على موضــع فيها. ولدت جــارتي هناك وحُملت صغيرة بين البضـائع في قطار ليلي.

على الخط

الميت هو من أقربائي. نظرت إلى المدعوين فشعرت برغبة في الإصغاء. أنا ميت آخر ولي الحق في أن أكون موجودا في الحكاية. على الجدار صورتي. ولا جدار في المقبرة. هناك الهواء يتحقق من صبواته: ضربة الأنثى التي لا تخطئ هدفها. لقد كنت ميتا وحسبت المدعوين من أقربائي.

معنى الظلم

فكرتي عن الرصيف المقابل سيئة. هناك قتلة وعاهرات وباعة جوازات مزوّرة ومندوبو الشيطان وكتاب روايات رائجة وخونة أنيقون وطباخات مطرودات بسبب شغفهن بالتوابل الهندية الحارة وسماسرة عقارات مسروقة وباعة مايوهات لا تُرى وأئمة جوامع لم تبن بعد ومتسلقو سلالم وهمية وعابرات سبيل صرن بسبب الحظ العاثر أيقونات محلية. غير أنني حين عبرت الشارع ونظرت من هناك إلى الرصيف المقابل، الرصيف الذي كنت أقف عليه قبل لحظات، لم أر شيئا. لحظتها عرفت ما معنى الظلم.

من أجل الكلاسيكيات الحزينة

الأب حزين. الكنيسة صارت مقهى. أمين المكتبة وقد كان بورخس نفسه يتعذب. المكتبة صارت متحفا. بيتي هناك في بغداد. ماذا دهاه؟ إنه فارغ. حطب الجيران في الموقد وكلامهم في فمي. لقاء متخيل. في الحديقة، في أوكسفورد، جلست على الأريكة أحلم مدافعا عن حق بيتي في أن يكون مستقلا عني.

يضحك المطر

كوخ بنيته لكي يكون للا أحد. يشبهني كما لو أني كنت أغيضه. لخشبه الرطب رائحة. يضحك المطر. هل قلت سرا؟ الكوخ هو الآخر كان يبتسم بحياء. يبدو أنني قد أخطأت في الوصف. لم تكن تلك الرائحة إلا ضيفا مؤقتا. لقد كان الكوخ أكثر ضيقا من أن يستقبل شخصا لــه رائحــة. لذلـك اكتفى بالرائحة وطردني.

غربة قدمي

لقــدمي اليسرى حذاء وصفها الطبيـــب لتعينها على المشـي بعـــــد أن كُسرت. تصـــل تلــك الحذاء إلى الركبة. ضحكت طفلة حيـن رأتها وأشارت إليها وهـو مـــا أزعجني. قدمي هي الأخرى شعرت بالاستياء. لم أغفر للطفلة ضحكتهـا. كان عليّ أن أدافع عن منظر قدمي الغريب. ولكن كان عليّ أن لا أنسى أنني حين كانت قدمي سليمة كنت غريبا أيضا.

الكائنات البطيئة

أمشي لأن الطبيبة أوصتني بأن لا أركض. هناك كائنات كثيرة في الغابة من حولي لا تركض بل تكتفي بالمشي. لم أكن استثناءً إذاً. لكنّ غزالا طائشا أفسد تلك النظرية. لقد مرّ بي مسرعا، تتبعه أنثاه من غير أن يلتفتا إليّ. اخترقاني كما لو أنني كنت شبحا. ألهذا لا ترى الكائنات المسرعة الكائنات البطيئة؟ بعد أن اختفيا، أقصد الغزال وأنثاه، تأكدت من أنهما لن يذهبا إلى الجنة.

غرام

من أجل الغزل. رسمت مدخنة لبيت لا نوافذ فيه. ألقيت حطبا في موقد لا نار فيه. جلست على كرسي هزاز وفي يدي غليون وصرت أتأمل الشمس. كان لها عينان، وأنف وشفتان. كان شعرها يضرب بهوائه قلبي وكنت أتوجع من الغرام.

في مديح الأذن

في المنعطف الذي يصل شارعا طوليا بشارع عرضي التقيت موسيقيا عجوزا. كان قد ألقى كمنجته على الرصيف وكان ينظر إليها. لا تزال أوتار تلك الكمنجة تهتزّ حين وصلت. سألته “هل كنت تعزف؟” رفع رأسه ونظر إليّ بإشفاق. قال “خدعتك أذنك” حين أمسكت بأذني صار الموسيقيّ يضحك وهو يقول “بما أنك تذكرت أن لك أذنين فإنك تستحق أن تسمع شيئا من الموسيقى” من غير أن يمسك بكمنجته صار يحرك يده فيما صارت الكمنجة تطلق أنغاما.

بستاني مجنون

“ربتي” قلتُ “وحيدتي” قلتُ وأنا أربت بيدي على الزهرة التي كانت تنظر إليّ في استغراب. لقد مشيت ثلاثة أمتار، هي المسافة التي تفصل بين نافذة غرفتي في الفندق التي كنت أنظر من خلالها وتلك الزهرة. وهي مسافة لم يمشها من قبل سوى البستاني المعني برعاية النباتات. “بستاني جديد مجنون، غير أن جنونه يروق لي” سمعت الزهرة تهمس لجارتها وهي تنظر إليّ بعينين حذرتين.

جرس لبقرة خفية

“سنة واحدة وأعود” قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف “ألم تنته تلك السنة؟” صمتُّ. كنت خجلا لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول “لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحمّلها” لا تدري أمي أنها وضعت في يدي جرسا فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي.

عينا الخالة

قرصتني من وجنتي ومرّت. العابرة تشبه خالتي. كنت وحيدا وأنا أغني. كان الجسر تحت قدمي تنصت إليّ أخشابه. كنت سعيدا بل ومسحورا بسعادتي. ستراني العابرة أتأمّلها من الخلف من غير أن تلتفت إليّ. “لأننا التقينا من قبل” تقول. لم أفهم. قبل أن تختفي استدارت إليّ وضربت قلبي بغمزة من عينيها.

كنتُ نائما أنتظر

وصلت إلى القطار قبل أن يتحرك بثوان. كانت نشوتي لا توصف حين جلست على مقعد وغفوت. بعد قرن، قرنين شعرت بيد ناعمة تلمس كتفي. رأيت نورا ينبعث من عينين وسمعت صوت موظفة المحطة وهو يقول لي “لقد مرت قطارات عديدة وأنت نائم على مصطبة الانتظار. أخشى أن يفوتك قطارك”.

مواء

“سأموت من أجل أن أكتبها” كنتُ أحدّثها عن القصيدة وكانت على السرير تموء مثل قطة. قبل الفجر بساعتين وكانت صديقتي نائمة هبطت القصيدة على الورق. كانت خالية من الكلمات. في صباح اليوم التالي طلبت صديقتي منّي أن أقرأ لها القصيدة فصرت أموء مثل قطة.

شاعر من العراق مقيم في لندن

14