الزكزاكي… نصرالله النيجيري وحامل لواء إيران في أفريقيا

الأربعاء 2015/04/29
إبراهيم الزكزاكي محل رهان إيراني كبير لفتح آفاق جديدة للتشيع السياسي في أفريقيا

تجربة حزب الله اللبناني، بما يمثله من ولاء لأيديولوجيات سياسية خارجية وبما يعنيه من تطاول على الدولة، زادت منسوب الشبق الإيراني للتمدد واستنساخ التجربة في فضاءات أخرى. نجاح حزب الله في الذود عن أيديولوجيا إيران ومصالحها شجعها على إعادة إنتاج المثال في نيجيريا حيث تحول إبراهيم الزكزاكي إلى نظير لحسن نصرالله، وحيث تحولت المنظمة الإسلامية التي يتزعمها إلى نسخة من حزب الله.

الحكومة الإيرانية كرمت في شهر فبراير الماضي، تزامنا مع الاحتفالات بالذكرى الـ36 للثورة الإيرانية، الشيخ النيجيري إبراهيم الزكزاكي، خلال فعالية حضرها عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين (بينهم قادة الحرس الثورة الإيراني حسب بعض المصادر) ولفيف من رجال الدين. الخبر قد يبدو بسيطا ومعتادا، لكنّ التمعن في المحتفى به وموطنه ودواعي التكريم يُخرج الحدث من عاديته إلى حقل المشاريع السياسية الجديرة بالتمعن.

عادي ومألوف ومعتاد أن تكرم دولة ما شخصيات علمية أو دينية أو فكرية في إحدى مناسباتها الوطنية، وعادي أيضا أن ينتشر مذهب أو عقيدة أو تصور سياسي خارج موطن نشأته، أما حين يلتقي نشر المذهب أو العقيدة بأجهزة وأدوات سياسية رسمية، وتخصص له اعتمادات وبرامج فإنه يتحول رأسا إلى فئة المشاريع السياسية، وهو ما يؤهله لأن يصبح تحت طائلة البحث والتحليل والنقد.

مفيد التذكير بأن إيران منذ ثورتها، دأبت على نشر التشيع السياسي، عماد نظامها برمته، ولم تر ضيرا في دعم تنظيمات سياسية تتخذ من المذهب الشيعي رداء ومنطلقا، لتتحول بفعل الدعم والمال والإسناد، إلى تنظيمات جامحة تعلو على الدولة أو تحاول، وفي أمصار أخرى، إلى أن تكون دولة داخل الدولة، ولن نعدم هنا سبل تقديم الأمثلة المعلومة من قبل الجميع، وفي البال أمثلة لبنانية وعراقية ويمنية، والقادم قيد الإعداد.

في نيجيريا حيث يعربد تنظيم بوكو حرام، الذي نجح في الاستحواذ على الاهتمام الإعلامي والتركيز السياسي، كانت “المنظمة الإسلامية في نيجيريا” تتقدم باطراد وتتسرب في صمت، وكان زعيمها إبراهيم الزكزاكي، عالم الدين المولود عام 1953، يعمل بتؤدة على نشر المذهب الشيعي، وهو رائد نشر المذهب في بلاد عرفت بعراقة الحضور الإسلامي (منذ القرن الثامن للهجرة) وعُرفت أيضا باعتناق غالبية مسلميها للمذهب المالكي، وبدأ التشيع السياسي يظهر في نيجيريا بفضل مساعي الزكزاكي وعمله على نشره داخل البلاد بعد أن قرأ تراجم إنكليزية لكتب شيعية كانت توزعها السفارة الإيرانية مجانا. لذلك، كله، اعتبر الإعلام الإيراني، الزكزاكي “زعيم شيعة نيجيريا”، كما أشارت بعض وكالات الأنباء الإيرانية، إلى تأكيد الزكزاكي، التزامه بالمنهج الفكري للمرشد الإيراني علي خامنئي.

النجاح في غرس تنظيم سياسي شيعي في نيجيريا، تتجاوز آثاره البلد ذاته، بأن يتحول إلى منطلق لنشر المذهب في غرب أفريقيا

من كتب مجانية توزعها سفارة إيران في أبوجا، إلى تكريم زعيم شيعة نيجيريا في طهران في الاحتفال بذكرى الثورة، مسار طويل يخفي برنامجا واضح المعالم يجدر بنا البحث عن دوافعه ودواعيه. ما الذي يجعل إيران تدعم تنظيما شيعيا في بلاد أفريقية تفصلها عن طهران تباعد المسافات واختلاف الحضارات وحواجز اللغات؟

منذ الثورة كانت إيران تحرص على نشر أيديولوجيتها السياسية، أينما أتيح لها ذلك، لذلك أنشأت عديد المؤسسات التي كلّفت بالتصدي لتنفيذ هذا الهدف الموسوم بعنوان عريض: تصدير الثورة. وكان النجاح في ذلك متفاوتا حسب الأقطار، وحسب طبيعة البيئات الدينية والثقافية والاجتماعية، وهذا يعني أن نجاح المساعي الإيرانية في التسرب كان يحصل بيسر في المجتمعات التي تتوفر، من الأساس، على المكون الشيعي. هنا يجدر بنا التنصيص على أن وجود مكون شيعي في بلد ما، هو ظاهرة صحية، لأن القول بأهمية التنوع أصبح من البديهيات المجمع عليها، لكننا هنا إزاء تحويل مكون مجتمعي أو مذهبي إلى مشروع سياسي يحوّل الطائفة إلى طائفية والمذهب إلى مذهبية، بكل ما يحتاجه التحول من تعصب في الانتماء. هنا كان التمدد الإيراني من قبيل تحويل الطوائف الشيعية المتعايشة تاريخيا مع غيرها إلى فرق سياسية تدين بالولاء لإيران قبل أوطانها، وتبحث عن الفوارق التي تفصلها عن غيرها قبل التركيز على المشتركات. وهذا لا ينفي محافظة عديد المكونات الشيعية على أصالتها وتعايشها ورفضها للأيديولوجيات الإيرانية.

في أفريقيا سعت إيران إلى أن تمد أذرعها في الجزائر، كما في المغرب أين تصدت الدولة لما يحاك إيرانيا، وفي موريتانيا حيث أشارت بعض المصادر إلى أن أعداد الشيعة تجاوزت الـ450 ألفا، وفي السنغال وفي غيرها من الأقطار مواضيع الرهان الإيراني، ومنها المثال النيجيري. لكن أهمية نيجيريا تكمن في تضافر دواع متداخلة منها الثقل السكاني للبلاد التي يناهز سكانها 150 مليون نسمة، واحتوائها على أرضية صوفية عميقة يمكن أن تمثل منطلقا للرهان عبر بعض البرامج الثقافية والتعليمية التي تتقن طهران تنظيمها وتوجيهها عبر سفاراتها ومؤسساتها (مؤسسة جامعة المصطفى العالمية التابعة لمكتب خامنئي تقدم نفسها على موقعها بأنها مؤسسة تعليمية بحثية ذات رؤية دينية تخرّج منها حوالي 18 ألف طالب وطالبة من مختلف بلدان العالم). يضاف إلى هذه العوامل توفير اعتمادات مالية ضخمة تخصص لهذه البرامج يصبح لها تأثير فعال في بلد يعيش أوضاعا اقتصادية صعبة وترتفع فيه معدلات الفقر، وتتراجع فيه مستويات التمدرس.

ليس مستبعدا أن تعلن المنظمة الإسلامية في نيجيريا الحرب على بوكو حرام، من منطلقات مذهبية لا على أساس التصدي للتشدد

الحديث عن الدوافع والأدوات يحيل إلى الغايات. النجاح في غرس تنظيم سياسي شيعي في بلد أفريقي بعيد مثل نيجيريا، تتجاوز آثاره البلد ذاته، بأن يتحول إلى منطلق أو منصة لنشر المذهب في منطقة غرب أفريقيا برمتها، خاصة بعد التصدي المغربي الحاسم لتلك المشاريع، وبعد الفشل السابق في اتخاذ موريتانيا نقطة ارتكاز، وحيث لعب المدّ الصوفي الموريتاني القوي دورا في الحيلولة دون تسريب رمل وليّ الفقيه.

إبراهيم الزكزاكي لا يخفي ولاءه للأيديولوجيا الإيرانية ولأفكار المرشد الأعلى، لذلك انطلق في المجاهرة بطموحاته السياسية من خلال “المنظمة الإسلامية في نيجيريا” التي تضم عشرات آلاف الأعضاء، والتي تسميها المصادر الإيرانية حزب الله في نيجيريا، وتعتبرها قراءات نيجيرية ميليشيا إسلامية مسلحة. حيث نقل تقرير نشرته البي بي سي عن الباحث النيجيري محمد كبير عيسى أن هذه الحركة الشيعية تشكل تهديدًا حقيقيًّا على البلاد. ويضيف عيسى، الباحث في جامعة أحمدو بيلو، أن الحركة الشيعية بقيادة الزكزاكي “دولة داخل الدولة”. وأضاف إنه “يعلم أن الحركة تقوم بإجراء تدريبات عسكرية لأعضائها، كما يؤكد أنه “عند الشروع في القيام بتدريبات عسكرية، فهناك بالتأكيد نوع من الترقب لشيء ما”. وكتب “مارك لوبيل” في التقرير نفسه “في السنوات الأخيرة زاد حجم عضوية الحركة واتسع نطاقها بعد أن كانت حركة صغيرة، في الوقت الذي تحول الاهتمام فيه إلى بوكو حرام”.

ليس مستبعدا أن تعلن المنظمة الإسلامية في نيجيريا الحرب على بوكو حرام، من منطلقات مذهبية لا على أساس التصدي للتشدد، وليس مستغربا أن يسوّق “حزب الله النيجيري” ممارساته وتطاوله على الدولة بأنها من ضروب “الممانعة والمقاومة” لبوكو حرام، وهو سياق سياسي يبدو “سماحة السيد ابراهيم الزكزاكي” وتنظيمه مؤهلين له باعتبار امتلاكه لكل عناصر التشابه مع القدوة اللبنانية فضلا عن الدعم الإيراني، ولذلك كله تتوقع مصادر أن نرى ميليشيات الزكزاكي في ميادين بعيدة عن الأرض النيجيرية.

13