الزلزال السياسي بالمغرب.. خلخلة السواكن في السياسة والتنمية

الخميس 2017/10/19

وظف العاهل المغربي لأول مرة مصطلح الزلزال السياسي في خطاب افتتاح الدورة التشريعية بالبرلمان عشية الجمعة 13 أكتوبر 2017، والمعلوم في أدبيات تحليل الخطاب أن للمفردة مدلولها ومنطقها وتناسقها التي يستقي منها الخطاب قوته ونسيجه البنيوي الذي يبلور الرسالة التي يود الملك، كرئيس الدولة، بعثها من داخل مؤسسة الغاية من وجودها التشريع ومراقبة أعمال السلطة التنفيذية.

للخطاب إذن ارتباطات مؤسسية يعمل منها الملك محمد السادس على ضبط وصياغة السياسة العامة للدولة ورصد مكامن الأخطاء والأخطار الكامنة في تفاصيل اللامبالاة بتمفصلات الإصلاح وإكراهاته الداخلية وتحدياته الخارجية، بعدما دعا الكل “للتحلي بالموضوعية، وتسمية الأمور بمسمياتها، دون مجاملة أو تنميق، واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي”.

توظيف مفهوم الزلزال السياسي لم يأت اعتباطيا في مجال تداولي مغربي له خصوصيته وشديد الحساسية لأي تغيير مفاجئ وغير مدروس، ويعرف الكثير من المشاكل والتعثرات سواء على صعيد ترسيخ ديمقراطية القرب المنتجة للتنمية والعدالة الاجتماعية، أو صعوبة إنتاج طبقة سياسية واقتصادية همها الأول والأخير التفاني في تيسير مصالح المجتمع.

بالتالي يكون المفهوم حلقة ضمن خيط ناظم للعديد من المفردات التي تم نحتها في الخطب الملكية الأخيرة التي اتخذت من النقد والتقريع والمكاشفة لغة ومنهجا للتواصل وبعث مضامين الرسائل لكل الفاعلين السياسيين والإداريين والاجتماعيين.

بوقوفنا أمام الزلزال السياسي كمفهوم يجمع علم الجيولوجيا بعلم السياسة، نكون أمام مفهوم قوي الدلالة على أن الخطاب مؤسس لعلاقة متجددة ثلاثية الأبعاد تربط أعلى السلطة مع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، تلك العلاقة التي يطبعها الوضوح في تشخيص الأعطاب، والبحث عن وسائل إصلاحها، ومتابعة تنفيذ تلك الإصلاحات.

شفرات عديدة تلك التي حملتها مفردات خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الدخول البرلماني الحالي بالمغرب، إنه الواقع المتعدد الذي يحتاج إلى ترسيخ أسس قيمية في الممارسة السياسية الموصوفة بالضحالة، تلك القيم التي تتطلبها أيضا الهياكل والمؤسسات الأساسية لتحقيق تنمية اجتماعية ونهوض اقتصادي يخدم الإنسان المغربي في البوادي والمدن.

إعادة تقييم النموذج التنموي الذي ألح عليه العاهل المغربي تتطلب تقويم الواقع الاجتماعي والسياسي من خلال إعادة النظر في مجموعة من القيم التي طالها الإهمال والتناسي، وتم تفريغ محتواها المفاهيمي من معانيه الحقيقية، كالولاء للوطن والحس التضامني والهوية المنفتحة والحرية المسؤولة والمساواة أمام العدالة المنتجة للأمن والاستقرار والتطبيق الأمثل للقانون.

يمكن لأي متابع أن يعاين مدى الإفلاس الذي ضرب الطبقة السياسية ومناوشاتها اليومية من أجل ريع هنا أو صفقة هناك

مبادرة إعادة النظر في النموذج التنموي الذي لم يعد يحقق احتياجات المجتمع على كافة المستويات، يتطلب إعادة النظر في طريقة تدبيره المالي والبشري والمجالي. لم يعد هناك مجال للخطأ في طريقة اختيار مهندس عملية إعادة تخطيط النموذج التنموي على مدى العشر سنوات المقبلة، وكذلك في من سيتابع تفاصيل تنزيله على أرض الواقع ورصد مدى استفادة الفئات والجغرافيات المعنية به.

المضي قدما في عملية الإصلاح وإعطاء العبرة لكل من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، من صميم كلام العاهل المغربي، وهذا يعني أن طريق الإصلاح يحتاج قيم الصبر والتفاني، ولا إصلاح منشودا دون تكاثف الجهود لتلبية احتياجات المجتمع الكثيرة والمتطورة فالمجتمع المغربي لم يعد ساكنا مستكينا فهو منخرط بدرجة أو بأخرى في ما يعرفه العالم من تغيرات.

يمكن لأي متابع أن يعاين مدى الإفلاس الذي ضرب الطبقة السياسية ومناوشاتها اليومية من أجل ريع هنا أو صفقة هناك. سياسيون متحالفون مع بعض رجال الأعمال الذين لا يهمهم سوى ما يربحونه من أموال ولو على حساب الوطن، ولا ننسى أن هناك إداريين يسهلون مأموريات المتاجرين بقوت المغاربة. لهذا قال الملك إن الوضع اليوم أصبح يفرض المزيد من الصرامة للقطع مع التلاعب بمصالح المواطنين.

من المتضرر الأكبر من عمليات النصب السياسي والتنموي باسم خدمة الوطن والمواطن، إنهم الشباب تلك الفئة التي ظُلمت على مر العقود وبطرق متعددة. والواقع أن هؤلاء هم الذين فقدوا الأمل في بلدهم فآثروا البحث عنه وراء البحار.

الشباب المغربي يحتاج إلى قوة دفع متجددة من الدولة ومؤسستها، ويحتاج إلى مساعدته في تحقيق طموحاته المؤسسة على الشغل والعيش الكريم والإحساس بوجوده وأهميته. كل هذا يتطلب نفخ الروح في نموذج ديمقراطي بنخبة سياسية وثقافية واقتصادية وإدارية مواطنة.

النموذج التنموي الذي أعلن الملك محمد السادس أنه “أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية”، يحتاج إرادة سياسية لإعادة تركيب ما اختل منه في السنوات الماضية وفق منهجية جديدة تكون فيها المحاسبة الصارمة هي المعيار، ومن خلال منهجية مبنية على مراقبة دقيقة لكل تفاصيله المالية والإدارية واللوجستية.

الورشة الكبرى التي على الجميع الانكباب على التفكير فيها هي النموذج التنموي الذي سنتركه للأجيال المقبلة، وكيفية إصلاح الأعطاب التي ساهمت في كفر هذا الجيل من الشباب بالسياسة. وذلك بإعادة الاعتبار للشباب والاهتمام بانشغالاته والإنصات إلى همومه والإيمان بمشاريعه.

لن نستورد النخبة المغربية من المريخ فهي نتاج نظامنا التعليمي والتربوي، والاستعانة بنماذج من الخارج تجربة ثبت فشلها الذريع في التعاطي مع البنية المجتمعية والتطلعات والمكتسبات، لذا وجب الاعتماد على الذات دون تقوقع ولا انفتاح غير مضبوط.

فالتجارب التي تكبدنا خسائرها على مستوى التعليم والاقتصاد والتنمية دائما ما اكتنفتها أخطاء، لكن العبرة بالاستفادة من الخطأ وتجاوزه، وهو ما يحتاج إلى زلزال سياسي يعيد ترتيب أبجديات العلاقات داخل المجتمع، وبين السلطات الثلاث.

والضرورة تفرض أن نكون أمام زلزال سياسي منضبط لأولويات وضرورات الحكمة السياسية والحوار بين مكونات المجتمع ومؤسسات الدولة في أعلى درجات الثبات والمسؤولية حتى تتم خلخلة الحقل السياسي والاجتماعي دون تداعيات خطيرة.

كاتب مغربي

9