الزلزال في تركيا: مسرحية أم انقلاب

الأحد 2016/07/17
الأسابيع والأشهر القليلة القادمة ستكشف ماهية الانقلاب

ضرب زلزال عسكري مؤسسة الرئاسة في تركيا مساء يوم الجمعة 15 يوليو 2016 في محاولة انقلاب باءت بالفشل بعد 6 ساعات من انطلاقها وإعلان البيان الأول للجيش. اهتز العالم على إثر هذا الزلزال وتوالت التصريحات الرسمية الحذرة من موسكو وواشنطن ولندن وبروكسل وصولا إلى الدوحة التي شجبت الانقلاب بالطبع.

أما دمشق فقد ابتهج الشعب بخبر الانقلاب من دون تصريح رسمي. ومع انجلاء الموقف بعض الشيء، يمكن طرح سؤال حول هذا الزلزال، هل هو مسرحية سياسية أو انقلاب عسكري؟ إذ يمكن النظر إلى محاولة الانقلاب ضمن ثلاثة سيناريوهات:

* السيناريو الأول: محاولة انقلاب من خصوم أردوغان السياسيين باستخدام ثلة من العسكر لتنفيذ الانقلاب، مع إشارة واضحة واتهام معلن للمعارض التركي وخصم أردوغان الحقيقي والقويّ فتح الله غولن الذي يقيم في بنسلفانيا بالولايات المتحدة وتتعاطف معه شريحة كبيرة من الشعب التركي لانتمائه لفكر “الإسلام الاجتماعي” وليس “الإسلام السياسي”.

* السيناريو الثاني: محاولة إرسال رسالة تحذيرية من “العسكر” في تركيا لكبح جماح مؤسسة الرئاسة وللرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الجيش التركي العمود الفقري للدولة التركية وحامي حمى العلمانية لازال قويا ومتيقظا بعد خمس انقلابات نجحت جميعها خلال نصف القرن الماضي في العام 1960 و1971 و1980 و1997 و2001 واستباقا لمزيد من الإجراءات الرئاسية في تطهير وتحجيم مؤسسة الجيش.

* السيناريو الثالث: أن محاولة الانقلاب الهشة هي من تدبير الرئيس التركي أردوغان ذاته، بمساعدة الاستخبارات التركية بهدف إعلان الفصل الأخير من مخطط الرئيس التركي في القبض على كافة مفاصل الدولة التركية قبل البرلمان والدستور بعد أسبوع من الانقلاب السياسي لتركيا في السياسة الخارجية تجاه روسيا وإسرائيل وسوريا وربما مصر.

ومهما يكن السيناريو المحتمل من السيناريوهات الثلاثة، أو سيناريو آخر كخليط بينها، نجادل بأن سقوط تركيا الدولة بات وشيكا بصرف النظر عن سقوط النظام وحزب العدالة والتنمية وأردوغان. فتركيا تعيش أسوأ مراحلها السياسية على مدى تاريخها منذ سنوات الربيع العربي وتحديدا مع التدخل التركي السافر في سوريا، ودعم الإرهابيين القادمين إلى سوريا، وتمرير اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبي، والعلاقة مع الأكراد في الداخل التركي والعراق وسوريا، وتأزم العلاقة مع الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي. ترجيح السيناريو الثالث يدعمه عدد من المؤشرات: توقيت محاولة الانقلاب؛ طلب أردوغان من الشعب للنزول إلى الشارع؛ ظهور الرئيس التركي السريع.

لم ينجح الانقلاب العسكري مما يعد نشازا بين تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا، لكن المحاولة في حد ذاتها حققت لتركيا وحزب العدالة والتنمية ولأردوغان، تحديدا، فرصة ذهبية لكشف المشاعر الداخلية والدولية

* أولا: أن الأحداث التي كان متوقعا للجيش أن يتحرك فيها مرت بسلام، كما يجادل الخبير الإستراتيجي، بشير عبدالفتاح، مثل أحداث “تقسيم” في العام 2013؛ والمحاكمات التي جرت لقيادات الجيش في “أرجيلكون” و”المطرقة” منذ العام 2011. كما أن الساعة 7:30 مساء في يوم الجمعة (العطلة)، وإقفال جسر البوسفور، وجسر السلطان محمد، المكتظة بالحركة يجعل من الانقلاب أشبه بالمسرحية أو محاولة غير جدية.

* ثانيا: طلب الرئيس التركي من الشعب أن ينزل إلى الشارع في وقت يتم فيه قصف المطار، والقصر الرئاسي والبرلمان ومبنى المخابرات والتلفزيون أمر يدعو للتشكيك في الانقلاب العسكري ودليل على عدم الاهتمام بسلامة المدنيين.

* ثالثا: ظهور أردوغان للعلن والعامة خلال ساعات الانقلاب مع تواتر تأكيدات لقصف المروحيات ونزول الدبابات والتفجيرات لعدد من الأجهزة الحساسة وأنباء عن مقتل رئيس الأركان، وتزعم قائد القوات الجوية والبرية، هو مجازفة لا تدل إلا على مسرحية الانقلاب ونوايا الرئيس التركي لخلق قاعدة شعبية متجددة بتصوير نفسه بـ”الأباضاي”، كما سبق أن وصف نفسه.

يتوقع أن تكشف الأسابيع والأشهر القليلة القادم ماهية الانقلاب تبعا لما سيتم اتخاذه من قرارات داخلية وقانونية كرد على محاولة الانقلاب. لكن محاولة الانقلاب أيّا يكن السيناريو هي جزء وفصل من فصول الارتباك السياسي وبوادر الفوضى التي ضربت تركيا مؤخرا. ولا يمكن فصلها عن مسلسل التفجيرات الإرهابية التي تعرضت لها تركيا خلال العام الماضي.

الأكيد، أن تركيا الدولة أوشكت على السقوط بسبب وقوفها حائرة بين العلمانية والإسلام السياسي منذ تولي أردوغان زمام القيادة في حزب العدالة والتنمية وترقّيه في السلطة بتسارع نحو حكم الفرد، كما هو منهج “الإخوان” في التعامل مع السلطة السياسية.

نجح أردوغان وحزب العدالة والتنمية خلال العقد الماضي في رفع مكانة تركيا من الناحية الاقتصادية. كما استحق بذلك أردوغان شخصيا ثقة غالبية الشعب التركي، الذي ظهر واضحا في نتائج عدد من الانتخابات حتى ولو لم يحصل على الغالبية العظمى في البرلمان لكي يقوم بالتعديل المنشود للدستور. لكن هذا الانفراد بالسلطة الذي يسعى إليه أردوغان هو المسار الذي يخيف العسكر (مؤسسة الجيش) في تركيا ولكثير من القوى الديمقراطية.

كما أن عدم نجاحه في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وفشله في الهيمنة على الشرق الأوسط خلال “الربيع العربي” وتأزم العلاقة مع مصر العمود الفقري للعالم العربي، خلق علاقة الحب/الكره مع تركيا وحزب العدالة والتنمية وأردوغان.

هناك من يرى أن الولايات المتحدة لم تعد متحمسة لبقاء أردوغان في السلطة، وأن تصريحات جون كيري من موسكو خلال محاولة الانقلاب حملت كثيرا من الميوعة والسيولة تشي بالهوة أو الفجوة بين الولايات المتحدة وتركيا.

محاولة الانقلاب في حد ذاتها حققت لتركيا وحزب العدالة والتنمية ولأردوغان، تحديدا فرصة ذهبية لكشف المشاعر الداخلية والدولية يمكن البناء عليها وتحديد المسار السياسي لتركيا في المستقبل

البعض يرى أن الولايات المتحدة استنفدت غايتها من رجب طيب أردوغان وأن جون كيري تصرف في تعليقه على محاولة الانقلاب على قاعدة “لم آمر بها لكنها لم تسؤني”. أما روسيا، فبالرغم من عودة العلاقات إلى طبيعتها بعد اعتذار تركيا، والمشاريع الاستراتيجية والسياحية، إلا أن بوتين ليس متحمسا لبقاء أردوغان في السلطة.

بالنسبة إلى مصر فقد تباعدت الشقة بينها وبين تركيا بسبب موقف أردوغان من الإخوان والتدخل في الشأن الداخلي المصري، وبنظرة عجلى على عناوين و”مانشيتات” الصحف المصرية لليوم التالي لمحاولة الانقلاب، يمكن إعطاء مؤشر لقياس ومعرفة المزاج المصري العام. صحيفة الأهرام “الجيش التركي يطيح بأردوغان”؛ المصري اليوم “الجيش التركي يطيح بأردوغان”؛ الوطن “الجيش يحكم تركيا ويطيح بأردوغان”؛ وصحيفة أخرى “تركيا في مهب الريح”.

ردود الفعل الأوروبية كانت أكثر من حذرة ما عدا تصريح مقتضب من مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. فأوروبا تترنح سياسيا واقتصاديا وأمنيا. فانفصال بريطانيا في الجناح الغربي لها، وارتفاع وتيرة العنف والإرهاب في وسطها، وازدياد الفوضى في شمال أفريقيا جنوب القارة العجوز، وارتباك المشهد في تركيا جناحها الشرقي، يضع القادة في أوروبا في موقف لا يحسدون عليه. فالهجرة الجماعية للاجئين الذين سهلت لهم تركيا التسلل إلى أوروبا أصابت النظام الأوروبي بمأزق مما حد بألمانيا زعيمة القارة إلى تقديم تنازلات لتركيا في وعد بالانضمام للاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دعم مالي مجز لإيقاف طوفان اللاجئين. فمن ناحية، لا تتحسر أوروبا على سقوط أردوغان وأيديولوجية حزبه، ومن ناحية أخرى، تظل مكبلة وحبيسة خوف مريع من فوضى في تركيا تفتح عليها نار الإرهاب.

خليجيا خرجت قطر، كما هو متوقع، عن الحذر والتروّي الذي هيمن على المواقف الرسمية الخليجية. وأعلنت رسميا رفضها للانقلاب مما أثار سخرية الكثير في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يرى كثيرون أن قطر لا تحمل أيّ أهمية تذكر في القبول أو الرفض. أما في السعودية وبقية دول الخليج شعبيا، فيمكن معرفة المتحمسين لنجاح الانقلاب من الرافضين له من خلال توجهاتهم الأيديولوجية والدينية. فالذين يدعمون ويشجعون ويتعاطفون مع “الإخوان المسلمين” كانوا من فريق الرافضين والشاجبين لمحاولة الانقلاب.

أما السواد الأعظم فانقسموا بدورهم إلى فريقين: فريق يأسف على تحول تركيا إلى فوضى بحكم أنها بلد سياحي واستثماري؛ وفريق آخر كان من الشامتين بأردوغان ومحاولته تقمص شخصية السلطان العثماني الذي يذكرهم بأسوأ مراحل التاريخ من الذلّ والهوان الذي أذاقته الإمبراطورية العثمانية للعرب.

أخيرا، لم ينجح الانقلاب العسكري مما يعد نشازا بين تاريخ الانقلابات العسكرية في تركيا، لكن المحاولة في حد ذاتها حققت لتركيا وحزب العدالة والتنمية ولأردوغان، تحديدا، فرصة ذهبية لكشف المشاعر الداخلية والدولية يمكن البناء عليها وتحديد المسار السياسي لتركيا في المستقبل، فأما السير في طريق الحكمة ومصالح الشعب التركي، أو السير خلف أوهام القوة والسلطة حتى يصاب أردوغان وحزبه ودولته بالعمى، وعندها يصبح كل شيء مفاجئا، كما يجادل مايكل هوارد، أستاذ التاريخ السياسي. ختاما، فصول وتفاصيل محاولة الانقلاب، أو مسرحية الانقلاب تحتوي على دروس كثيرة يمكن الاستفادة منها في المكر السياسي.

كاتب ومحلل استراتيجي سعودي

5