الزمر رئيسا لحزب البناء والتنمية.. انتصار التطرف والتحالف مع الإخوان

فوز طارق الزمر، برئاسة حزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة الإسلامية في مصر لمدة أربع سنوات بنسبة 52 بالمئة من الأصوات في الانتخابات التي أجريت السبت الماضي، أكد أن الرسائل الإيجابية السابقة التي خرجت من داخل الجماعة تجاه الحكومة المصرية لم تكن معبرة عن أغلبية أعضاء الجماعة، وأن التوجه الغالب هو تجميد الأوضاع والسياسات والمواقف المتشددة السابقة للجماعة على ما هي عليه.
الأربعاء 2017/05/17
جماعة لم تغادر سرديات عمر عبدالرحمن

الانتخابات الأخيرة لحزب البناء والتنمية هي الأولى بعد ثورة 30 يونيو 2013، وأتت نتائجها معبرة عن توجهه خلال الفترة المقبلة، وحملت النتائج في رأي المراقبين تحديا للحكومة والفرقاء السياسيين، خاصة وأن طارق الزمر، الذي عاد وقدم أوراق ترشيحه بعد اعتذار سابق، هارب إلى قطر ومتهم جنائيا ومطلوب قضائيا في القضية المعروفة إعلاميا بفض اعتصام رابعة العدوية.

واعتبر خبراء أمنيون فوز الزمر بفارق كبير عن منافسيْه الآخريْن على رئاسة الحزب جمال سمك وصلاح رجب إحراجا للحكومة، حيث قوبل تعاملها الإيجابي المرن مع الجماعة بانتخاب أحد المتشددين الذي مازال يواصل هجومه من الخارج على النظام الحالي، ويحرص على إبقاء الجماعة الإسلامية والحزب على توافق مع مسارات وخيارات جماعة الإخوان.

وأكد خبراء أن هذا التحول سوف يتطلب المزيد من الوقت والكثير من الصبر الإستراتيجي، وهو ضروري لضمان تحييد الجماعة وعزلها عن النشاطات العنيفة، والحيلولة دون عودة أعضائها في محافظات الصعيد للعمل السري تحت وطأة خطاب الشحن الديني لمختلف تنظيمات الإسلام السياسي والسلفية الجهادية على الساحة، خوفا من عودة شبح صدام فترة التسعينات.

من هنا سمحت الحكومة لحزب البناء والتنمية بتنظيم ندوات ومنتديات أدبية بالمحافظات، وممارسة بعض المحسوبين على الجماعة الدعوة بالمساجد، كما سهلت إجراءات جنازة عمر عبدالرحمن (الأب الروحي للجماعة) والتي حضرتها أعداد كبيرة من قيادات وأعضاء الجماعة من مختلف المحافظات.

الجماعة الإسلامية لم تكن تسعى لإحداث تغيير جذري أو تحول في مواقفها، خاصة في ما يتعلق بارتباطاتها بجماعة الإخوان

ويعتقد البعض من المتابعين أن خطوة الجماعة الإسلامية بإجراء انتخابات تجديدية شاملة تعد سعيا من جانبها للتجاوب مع رسائل الحكومة التي غلب عليها طابع الاحتواء أملا في أن تطوي الجماعة صفحة التحالف مع جماعة الإخوان، لتبدأ مرحلة جديدة تناسب المتغيرات الطارئة على أوضاع تيار الإسلام السياسي وما طرأ على المشهدين المحلي والإقليمي من تحولات، لكن فوز الزمر برئاسة الحزب مثل انحيازا من الجماعة الإسلامية إلى جماعة الإخوان.

ومعروف أن الزمر يحرص دائما على الإدلاء ببيانات مناصرة لمواقف الإخوان، في حين أظهر المرشحان المنافسان له مواقف وتصريحات أكثر مرونة، منها ما قاله جمال سمك الأمين العام للحزب “نحن في عباءة الأمة ولسنا في عباءة الإخوان”.

وكانت أصوات عديدة في الساحة السياسية والفكرية انتقدت هذا التوجه الاحتوائي من جانب الحكومة إزاء الجماعة الإسلامية والمصالحة التي تمت معها، وشددت على أنه لن ينجح في تغيير نهج الجماعة المتشدد.

وقال محمد جاد الزعبي الخبير في شؤون الحركات الإسلامية إنه ثمة انقسام داخل حزب البناء والتنمية، وأظهرت الانتخابات الأخيرة خارطة موازين القوى الحقيقية داخل الجماعة والحزب، فهناك غالبية تؤيد البقاء في تحالف الإخوان مقابل أقلية تناصر الاستقلالية والتطوير، ودلل على هذا الرأي بأن سمك الذي يتبنى إستراتيجية تطوير عمل الحزب بعيدا عن مسار التصادم مع الدولة لم يحصل إلا على أقل الأصوات.

وشدد في تصريح لـ”العرب” على ضعف التيار الداعي للاستقلال والانفصال عن جماعة الإخوان داخل الجماعة الإسلامية وحزبها، وأشار إلى جملة من الدوافع التي تجعل الجماعة حريصة على الظهور في فلك الإخوان، وأهمها إثبات عدم صحة تعرضها لضغوط من الدولة لتغيير مواقفها، والخوف من انقسام الجماعة خاصة وأن التيار الداعي للاستقلال ضعيف ولا يمتلك قدرات تمكنه من السيطرة على الجماعة وإدارة الحزب وتوفير مصادر دعم بديلة.

ولفت سياسيون إلى أن الجماعة الإسلامية لم تكن تسعى لإحداث تغيير في مواقفها السياسية، خاصة في ما يتعلق بارتباطاتها بجماعة الإخوان وتشابكاتها الإقليمية، وعللوا إجراء الجماعة انتخاباتها الأخيرة بمجرد الرغبة في الإبقاء على حزبها ولو كمجرد واجهة قانونية، في وقت تعلو فيه المطالبات بحظر الأحزاب الدينية.

القناعات الغالبة على الرأي العام المصري ترى أن الدولة منحت الأحزاب ذات المرجعية الدينية فرصا للتطوير دون الحصول على مردودات إيجابية في المقابل

وعلى جانب آخر، يدرك البعض من قيادات الجماعة الإسلامية أهمية عدم الاستمرار في مناصرة مواقف جماعة الإخوان في ظل الانقسامات الداخلية التي تعاني منها الجماعة، وظهور تيار بداخلهم يتبنى العنف بشكل معلن، لذلك ينادون بالاعتراف بالسلطة الحالية وبالاندماج التدريجي في المشهد السياسي.

ووجّه عبود الزمر (ابن عم طارق الزمر وزوج أخته) وأسامة حافظ القياديان بالجماعة انتقادات لمواقف الإخوان، ونادوا بضرورة إيجاد حل سياسي سلمي للأزمة الحالية في مصر، ووجدت هذه الأصوات تجاوبا داخل الجماعة الإسلامية، بعد هجوم إعلاميين محسوبين على الإخوان على قيادات من الجماعة الإسلامية، وبعد التفكك الذي أصاب ما كان يطلق عليه “تحالف دعم الشرعية”.

في حين ترى بعض قيادات الجماعة الإسلامية في الداخل ضرورة إبقاء الجماعة في حيز التفاهمات السياسية وأهمية الخروج من العزلة والانخراط في الاستحقاقات الانتخابية، وتعارض هذا التوجه قيادات الخارج التي تشدد على مواصلة الصدام مع الدولة والتحالف مع الإخوان.

وتستند الأصوات الرافضة للمصالحة مع الحكومة على رواية أن المواجهة واحدة ضد عموم التيار الإسلامي، وتبرز في رسائلها لأعضاء الجماعة بالداخل الكثير من مسوغات التصعيد، منها موت عصام دربالة رئيس مجلس شورى الجماعة السابق في السجن، وكانت الجماعة قد اتهمت أجهزة الأمن رسميا بالتسبب في وفاته.

ووصف خبراء في شؤون الحركات الإسلامية هذا التطور الذي أنتجته الانتخابات الأخيرة بالمخيب للآمال، وسوف يترتب عليه تغير في تعامل الدولة وأجهزتها الأمنية حيال الجماعة الإسلامية.

واعتمدت الإستراتيجية السابقة للحكومة على مسارين، أحدهما فتح منافذ العمل السياسي السلمي ومنح محفزات تدفع بالجماعة لإعلاء المصلحة الوطنية، والثاني استهداف رموز التصعيد داخل الجماعة وإقصاؤهم عن المشهد، ومنهم صفوت عبدالغني وعلاء أبوالنصر المحبوسيْن على ذمة قضايا تحريض.

الآن باتت محاولات إمساك قيادات الجماعة العصا من المنتصف بلا قيمة، مع مواصلة تجميد الأوضاع داخل الحزب وترسيخ تحكم قيادات الخارج في قراراته، وأيضا ما أوحت به الخطوة الأخيرة من إشارات سلبية بالنظر إلى تواجد طارق الزمر في دولة قطر التي هي على خلاف مع الحكومة المصرية.

علاوة على ذلك، فإن القناعات الغالبة على الرأي العام المصري ترى أن الدولة منحت الأحزاب ذات المرجعية الدينية فرصا للتطوير دون الحصول على مردودات إيجابية في المقابل، حيث كان المنتظر من الجماعة اختيار قيادات أكثر مرونة، تكون مقيمة داخل مصر لأن مثل هذه القيادات المرنة هي الأكثر إدراكا للتحديات التي تواجه الدولة.

واعتبر منتصر عمران العضو المنشق عن الجماعة الإسلامية، اختيار الزمر رئيسا للبناء والتنمية تحديا للحكومة، واستنكر أن يكون شخص هارب من دولة رئيسا لحزب بتلك الدولة، وألمح إلى أن أعضاء الجماعة بهذا الاختيار يصطفون مع الإخوان ضد الدولة، وأنه لا قيمة لما صدر عن المؤتمر العام من توصيات تدعو إلى الاصطفاف الوطني.

13