الزمن الجميل لمن؟

الزمن الجميل فكرة نرددها حين نقارن قسرا هذا الواقع الذي نراه ونعيشه ونحن نقف على أطلال مدننا الخاوية من الإنسانية المحكومة بجيوش الفاسدين.
الخميس 2018/04/05
أم كلثوم ألهبت مشاعرنا

قد تبدو فكرة “الزمن الجميل” ضربا من خيال اليائسين وهروبا من الواقع الجديد، الخالي من لمسات إنسانية تجبُ المثل العراقي الذي يردده الجميع “محد يموت من الجوع” معنى عن تكافلية المجتمع الذي لا يقبل أن يرى فقيرا ولا معوزا، نسيا منسيا.

أو هي فكرة يرددها الذين وقفوا على قارعة أحداث جسام وهم يعانون من نكوص العودة إلى وراء لنصف قرن يوم كانت أصوات العرب من القاهرة تزف أنباء الانتصارات المتلاحقة، أو زغاريد الفلسطينيات والتونسيات وهنّ يرين صواريخ الحسين والعباس تسقط على إسرائيل، أو هو الزمن الذي غنى فيه عبدالحليم “أضرب” و”رجع النهار” و”صورة تحت الراية المنصورة”.

وألهبت أم كلثوم مشاعرنا بـ”أصبح عندي الآن بندقية” وغنى كورال التلفزيون العراقي مطلع الثمانينات “أحنه مشينا للحرب عاشق يدافع من أجل محبوبته”، كما غنت السيدة فيروز عددا من أغنياتها عن فلسطين السليبة “زهرة المدائن، سلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة، أنا لا أنساك فلسطين، القدس العتيقة، جسر العودة” التي رفعت مناسيب آمال العرب بأن كل شيء سيعود.

واكتشفنا ونحن ندخل القرن الواحد والعشرين محمّلين بعواطف فياضة مشبعة بالغناء والمشاعر الجياشة أنها لم تحرر الأوطان، ولم ترجع فلسطين، بل دخلنا في حروب طروادة أخرى أنستنا كل شيء، مستعيدين أمجاد داحس والغبراء والرايات السوداء، وأن الأوطان والتجارب الكبرى لا تبنى بالغناء والعواطف برغم قيمتها الوجدانية، بل بحسن التدبر والعمل الدؤوب ورفع إنتاجية الأفراد وترصين أداء الدولة، وخلق مؤسسات كفؤة تحول دون فقر الناس ولا تطردهم من وظائفهم، وتبعد عنهم شبح الصدام الإقليمي وأن السياسة هي فن الممكن، وعرفنا بأن التاريخ لا يعود إلى الوراء بسقوط الأنظمة، وتلاشي العنتريات في السياسة، وأن الاقتصاد هو المحرك الرئيس لعمل الدول ومستقبلها وأن الناس ممكن أن تموت من الجوع وتقتل بسبب الحاجة وأن الأغاني لا تطعم المهجّرين والمبعدين عن ديارهم وأن عصابات مثل داعش وأخواتها ممكن أن تحتل البلدان المستقلة بل هناك من يرحب بها ويدعمها ويعترف بوجودها برغم دمويتها وتشريعاتها الخرافية.

أي “زمن جميل” هذا الذي أدخلنا لقرن تخطت فيه دول العالم أزماتها وألبستنا مشكلاتها، وأهدرت أموالنا وانتهكت أعراض الناس بداعش ومثيلاته، ودمرت بلدان “الصمود والتصدي” وأصبح ذكر “زهرة المدائن” ضربا من الترجي والحلم بعيد المنال.

الزمن الجميل فكرة نرددها حين نقارن قسرا هذا الواقع الذي نراه ونعيشه ونحن نقف على أطلال مدننا الخاوية من الإنسانية المحكومة بجيوش الفاسدين من عصابات دولية عابرة للقارات ناهبة للبلدان رافعة لشعارات الحرية والديمقراطية رياء.

24