الزمن الموحش: سكاكين داعش وقوانينها تذبح الحاضر والمستقبل

مآلات الربيع العربي متناقضة تماما مع شعاراته وأسباب اندلاعه. هذه خلاصة ما توصل إليه كل المراقبين والمتابعين للشأن العربي منذ اندلاع ما سمي إعلاميا بـ”ربيع الثورات العربية”. إذ لم تتوان الساحات عن الازدحام بالشباب المتظاهر للمطالبة بالتحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ورفع سقف المطالب إلى حدود إسقاط الأنظمة والتأسيس لأخرى أكثر استجابة لأسئلة الواقع، لكن المآلات لم تكن سوى تعاظم للحركات الإسلامية التي كانت تحت التراب وكثافة غير مسبوقة للحركات المسلحة بعد تطعيمها بأفراد وخطط وعتاد لتحويل وجهة ذلك الربيع إلى فصل للغيوم.
الأربعاء 2015/11/11
ضرر عميق سببه داعش للبنى الاجتماعية والسياسية والأمنية في كامل المنطقة العربية

أفرزت الفترة القلقة والمضطربة التي أعقبت تداعي الأنظمة ومن ثم سقوطها انتعاشاً غير مسبوق في التسويق لحركات إسلامية كانت محظورة أو ملغاة بشكل كلي، وقد حرصت تلك الحركات على تصوير نفسها على أنها ضحية وحيدة لكل الاستبداد الذي كان حاصلاً إبان حقبة الأنظمة الشمولية، فأتقنت لعب دور الضحية بشكل مبالغ فيه، وطرحت نفسها منقذاً لهذه الأمة من ويلاتها، فهي الوحيدة القادرة على إعادة الأمة إلى جادة الصواب والنهوض بها من جديد.

وقد انتشر الدعاة السلفيون والمتشددون الذين يمتلك أغلبهم تجربة جهادية لا يستهان بها في أفغانستان والعراق، ومناطق أخرى في العالم، ليبشروا الناس بقرب الخلاص، وليدعوهم إلى الدخول في الإسلام، إذ قال أحد الخطباء في يوم جمعة على منبر أحد المساجد في مصر حرفيا “إن على الناس أن يدخلوا في الإسلام كي تستعيد الأمة كرامتها”، وهذه العبارات المشفوعة بأحاديث وأقوال انتخبت بإتقان لتؤدي الغاية منها داعبت أحلام البسطاء، والفقراء الذين أملوا أنفسهم بأن تنتهي معاناتهم فعلاً حين يعم العدل والخير في ظل غياب شبه كلي للصوت الآخر، الذي أخفي أو اختفى طوعياً لعدم قدرته على التواصل مع العامة بسبب الانقطاع الطويل الذي كانت الأنظمة الحاكمة سبباً رئيساً فيه دون أدنى شك.

وقد استمرت هذه الحالة وقتاً لا بأس به إلى أن اصطدمت برفض شعبي كما حدث في تونس ومصر، وبفوضى مؤلمة كما حدث في ليبيا التي تشير الوقائع إلى أن الحالة فيها قد تتطور إلى ما هو أسوأ إن لم تتم السيطرة على الأمور، وإعادة ليبيا إلى أصحابها، وخاصة بعد أن وقعت أجزاء منها في يد تنظيم داعش الذي فرض قوانينه وسن شرائعه الخاصة، وربط ليبيا بدولة الخلافة القائمة هناك في الشرق العربي، موزعة بين سوريا والعراق، والتي رفعت شعاراً لها “باقية وتتمدد”.

مراجعة شعارات الثورات العربية توحي بغياب الشعارات الإسلامية لأن كل المطالب رفعت من أجل التحرر والعدالة الاجتماعية

إذ يعيش أهل الدولة الإسلامية في زمن مختلف تماماً عن الزمن الذي نعيش فيه، وتقهقرت الحالة الاجتماعية والثقافية بل وحتى الصحية سنوات، وربما عقوداً، وباتت دولة الخلافة التي أعلن عن قيامها الخليفة إبراهيم البدري المعروف بأبي بكر البغدادي في 29 يونيو عام 2014، والذي وضع لنفسه نسباً يوصله إلى آل بيت النبي محمد، ودعا الناس إلى مبايعته واعداً بإخضاع الشرق والغرب. ومن معالم اختلاف الأزمان وأنماط العيش وطرق التفكير، كيفية توظيف النساء في تسيير الشؤون اليومية للتنظيم، والتكليفات التي تقوم النسوة المنتميات لداعش بتنفيذها. إذ يسير التنظيم الإرهابي في بعض مناطق نفوذه دوريات نسائية، تكون مهمتها معاقبة النساء والفتيات اللواتي لا يلتزمن بـ”اللباس الشرعي” الذي فرضه التنظيم في مناطق سيطرته.

وتقوم ما تعرف بكتيبة الخنساء في مدينة الرقة التي يعتبرها التنظيم عاصمته بمهمة “العض”، إذ تحمل نساء الكتيبة “العضاضة” وهي قطعة حديدية ذات أسنان مدببة تشبه فخ الصياد، توضع على صدور النساء ومن ثم الضغط بقوة مسببة جروحاً عميقة.

وقد حدد تنظيم داعش اللباس الشرعي بالنسبة إلى المرأة بدرع أسود سميك، و حذر النساء من كشف عيونهن، أو إظهار زينتهن، كما منع منعاً باتاً لبس الأحذية ذات الكعب العالي. وأي مخالفة تستوجب العقوبة، وتكون على الأغلب الجلد في حضور ولي الأمر، أو على مرأى من العامة في إحدى الساحات.

كما تقوم نساء داعش اللواتي يتبعن لجهاز الحسبة، الذي ينظر إليه أهالي المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم في سوريا تحديداً على أنه جهاز مخابرات لا يختلف كثيراً عن أجهزة مخابرات النظام فهو يراقب، ويعتقل، وينفذ أحكام الإعدام. وتقوم النساء أيضا بدور الخاطبات، فهن يعرضن على الفتيات الزواج من “الأخوة المهاجرين” والمقصود بهم هنا عناصر تنظيم داعش الوافدين من خارج سوريا، وهم في الأغلب جاؤوا من بلاد المغرب العربي أو من شبه الجزيرة العربية، أو من أوروبا، وقد تم تزويج الكثير من الفتيات لأولئك المهاجرين من خلال ممارسة الضغوط على الأهالي، وطبعاً يلعب الترويع والتهديد دوراً كبيراً في إتمام عمليات الزواج.

وحشية داعش التي صنعتها دعايته وضعت المناطق التي يسيطر عليها أمام خيار البقاء والتذلل أو الهروب وعذاب اللجوء
وقد فضل الكثيرون النزوح إلى خارج سوريا أو إلى مناطق غير خاضعة لسيطرة داعش كي لا يكونوا مضطرين لتزويج بناتهم بتلك الطريقة، ما زاد عملية العبث الديمغرافي التي بدأها نظام دمشق من خلال قصفه المناطق الثائرة عليه، وستكون انعكاسات هذه العملية على البنية الاجتماعية في سوريا كارثية في المستقبل، نتيجة انزياح مجتمعات بأكملها وإحلال مجتمعات بديلة، هي عبارة عن خليط غير متجانس، وغير متوافق قوامه مهاجرون وأنصار، وفق التسمية الداعشية، التي تقابلها تسمية النازحين لأولئك المهجّرين الذين سكنوا في مناطق سيطرة النظام.

وفي الخلاصة، يمكن استعارة مشهد لا يخلو من الفنتازيا تضمنه فيلم “تومبكتو.. لحن الطيور” للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو تحرّم فيه الجماعة الإسلامية التي فرضت سيطرتها على مدينة تومبكتو في مالي لعب كرة القدم، فيبتكر الأولاد طريقة جديدة للعب. إنهم يتخيلون كرة في أذهانهم ويلعبون بالهواء.

أكثر من هذا يحدث في دولة داعش الموزعة بين سوريا والعراق والتي وصلت راياتها السوداء إلى ليبيا، فلم تعد هناك طفولة ولا أطفال.

13