الزمن نيران نحن نضرمها

على ما يبدو لا أحد تستهويه مرحلة أرذل العمر، رغم أن مسار الحياة تصاعدي ومن المستحيل إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، مهما صرفنا من أموال طائلة لنبدو أصغر سنا، ولنحتفظ بنضارة الشباب.
الجمعة 2018/12/21
جرعة صحية من التواصل والوئام

يقول الشاعر الأميركي ديلمور شوارتز “الزمن نيران نحن نضرمها”، تعبير بلاغي في محله، فعلى مرّ التاريخ لم يطرح البشر فكرة إمكانية السيطرة على الزمن والتحكم في مساره، وكل ذلك له علاقة وطيدة بالعوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية المختلفة، التي تؤثر في رؤية المرء للزمن وسعيه الدؤوب إلى محاولة القفز على المراحل، وخاصة منها المتعلقة بالعمر. فعندما يكون صغيرا يتمنى أن يصبح كبيرا، وإذا ما بلغ أرذل العمر يعاوده الشوق والحنين إلى الطفولة والشباب، وفي جميع الأحوال، لا يوجد ما يمكن أن يساعده على إبطال مفعول الزمن.

رغم ذلك، فالسيل المنهمر من الدعاية حول إمكانية إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، قد فتح أبواب الأمل على مصراعيها للحالمين باستعادة الشباب، إذ كشفت إحدى الدراسات الحديثة أن سوق مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة قد ارتفع في العالم العربي إلى حوالي 300 بالمئة، بسبب شغف النساء والرجال بمنتجات التجميل ورغبتهم في درء ملامح الشيخوخة، فهنيئا لمنتجي هذه المستحضرات بأرباحهم الخيالية.

على ما يبدو لا أحد تستهويه مرحلة أرذل العمر، رغم أن مسار الحياة تصاعدي ومن المستحيل إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، مهما صرفنا من أموال طائلة لنبدو أصغر سنا، ولنحتفظ بنضارة الشباب.

صحيح أن لمرحلة الشباب جاذبيتها الخاصة نظرا لأنها تمثل أكثر مراحل العمر نشاطا وعنفوانا ولهوا، ولعل هذا ما يفسر انجذاب الكثيرين نحو تلك المرحلة بالذات، وهذا الميل يعد أمرا طبيعيا بداخل كل إنسان وأسبابه وجيهة، ومشاعر مثل هذه قد تلعب دورا رئيسيا في نوعية الحياة التي نحياها، وقد تحدث فارقا كبيرا في سعادتنا ورفاهيتنا، لكن من المؤسف أن إكسير الشباب لم يبتكر حتى الآن.

لكن ثمة أمرا آخر يدعو إلى التفاؤل في هذا السياق، فالإقرار بأن لكل مرحلة عمرية خصوصياتها وسلبياتها وإيجابياتها؛ وهو ما يعني -بإيجاز- أن التقدم في العمر ليس دائما نهاية المطاف، وخاصة إذا وضعنا تاريخ الميلاد جانبا، وتعاملنا مع الحياة برؤية تفاؤلية، ومع قليل من التمارين الرياضية، فإننا سنكفل التمتع بلياقة بدنية ونتجنب مخاطر الإصابة بمجموعة من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.

أما المراهم وعمليات التجميل، التي يدعي منتجوها أنها تكافح الشيخوخة، فإنها لا يمكن أن توقف العمر البيولوجي للبشر وتعيد الشباب والحيوية، بما يسمح في نهاية المطاف بوضع الزمن جانبا والحيلولة دون الكبر في السن.

ثمة قول شائع “العمر مجرد رقم”، لكن هذا الرقم قد لا يعني شيئا في مرحلة الشباب والطفولة، إلا أنه قد يكون أزمة طارئة في حياة الكثير من الكهول وكبار السن.

وقد شكت لي إحدى زميلاتي من والدها المسن، الذي انقلبت سلوكياته رأسا على عقب خاصة بعد وفاة زوجته، فأصبح يبالغ في زينته وهندامه، وفي يوم ما فوجئت به يدخل إلى البيت وقد اختفى شاربه المعتاد. كان ذلك أمرا بسيطا بالنسبة إليها، إلا أن أكثر ما يرعبها إصراره على إجراء عملية تجميل لشد بشرته وغرضه من ذلك، الزواج من ابنة الجيران التي لم تتجاوز الثلاثينات من عمرها في حين شارف هو على السبعين.

تبدو رغبة والدها في الزواج طبيعية، وهي أمرٌ يحدث في مختلف المجتمعات والثقافات، ولا يحتاج أي تفسيرٍ أو توضيحٍ، فلا أحد ينكر أن الوحدة مؤلمة، ومن المعروف أن الشعور بالوحدة أكثر شيوعا بين كبار السن، لكن الدافع للزواج قد يكون أيضا متعلقا بفقدان دعم الأبناء وانكفائهم على ذواتهم وانشغالهم بأبنائهم وأسرهم.

ويمكن تفسير هذه الحالة -من وجهة نظر علم النفس- كما لو كان هذا المسن يقول لمن حوله من أبنائه “لا بدّ أن تولوا اهتماما وتقديرا أكبر لسعادتي ومصلحتي”، بينما يرى الأبناء أنهم لا يتفقون معه في ذلك الأمر.

لكن ماذا عن جرعة صحية من التواصل والوئام ألن تجعله يتجاوز التعقيدات التي تكتنف حياته؟ والتي قد وصلت ذروتها بفقدانه شريكة حياته، ألن تطرد عنه الإحساس بالوحدة وتشعره أن حياته رحلة مبهجة! وفي نفس الوقت تعطي المثل والقدوة الحسنة في التكافل العائلي للنشء حتى يجدوا من يعتني بهم عند الكبر.

21