الزمن يصطفى ويختار

حين غنت أم كلثوم "حبيب الشعب" لم تراهن على جماليات ستبقى، فهي تتداوى، وتنقذ نفسها من الانهيار، ولا تنافق زعيما مهزوما لم تفكر بعده في نقل الولاء إلى خلفه.
الجمعة 2018/08/17
أم كلثوم تعلمت الدرس

في قراءة الصحف والمجلات القديمة، ومشاهدة أفلام غادر البريق نجومها، ذكرى وعبرة، ودعوة للإتقان والصبر على المكاره والكارهين، والرهان على تجويد يمنح الأعمال عوامل البقاء، ويحصّنها ويصونها فلا تسقط في اختبار الزمن الذي يصطفى وفقا لقانون لا يُبقي إلا على الجوهر. ففي كل عصر محترفون لفنون الصخب، ينفقون بسخاء على ترويج بضاعة متواضعة، ويستخدمون أسلحة مشروعة وغير مشروعة، من الإلحاح بسيف الحياء، إلى النفوذ وإرهاب المنافسين، ثم ينهي موتهم صلاحية آثارهم، فيهدأ غبار المعارك المفتعلة، وينهض الزمن ويحسم ويقضي بالحق، ويضع كل شيء في مكانه، فيرفع من يشاء، ويذهب بمن يشاء إلى النسيان.

قسوة الزمن ربما تخلقها مصادفة سارة تحدث مرة واحدة. في عام 2000 قابلت الهادي آدم في بغداد، واعتبرته ضحية للقسوة السعيدة، وبطلتها أم كلثوم. ذكرت أمامه كلمتي "أغدا ألقاك" فأصابه وجوم، لم يغضب وينفعل، وإنما استدعى وجهه أثقالا ربما ذكّره بها من لا يتذكرون له إلا هذه القصيدة، ويعيدون الفضل في شيوعها إلى أم كلثوم التي مرت بتجارب حكم فيها الزمن في جلسة عاجلة، ولم ينتظر لكي يستبعدها، ويضمها إلى الأعمال قصيرة العمر، ومنها أغنية "حبيب الشعب" التي كتبها صالح جودت، ولحنها السنباطي، ردا على إعلان جمال عبدالناصر التنحي في 9 يونيو1967:

قم واسمعها من أعماقي فأنا الشعب/ ابق فأنت السد الواقي لمنى الشعب/ أنت الصبر على المقدور/ أنت الناصر والمنصور/ قم وادفعنا بعد النكسة/ وارفع هامة هذا الشعب.

 أغنية موجهة، أذيعت ليومين اثنين، وأدت الغرض منها. وتعلمت أم كلثوم الدرس، وهي تبدي رغبتها في غناء قصيدة لشاعر سوداني، وكان في الواجهة محمد الفيتوري. حكى لي الدكتور الطاهر أحمد مكي أن قصيدة الفيتوري كانت عن تحرير سيناء، وقالت أم كلثوم لمستشاريها إن سيناء ستتحرر غدا، بعد سنة أو عشر سنين، فهل أقدّم أغنية يسمعها الناس مؤقتا؟ وأعطوها قصيدة لمدرس سوداني مجهول، فتحمست لغنائها، وكانت "أغدا ألقاك".

حين غنت أم كلثوم "حبيب الشعب" لم تراهن على جماليات ستبقى، فهي تتداوى، وتنقذ نفسها من الانهيار، ولا تنافق زعيما مهزوما لم تفكر بعده في نقل الولاء إلى خلفه.

 أما عبدالحليم حافظ فقرأ اتجاه الريح بعد حرب أكتوبر 1973، وهداه ذكاؤه إلى تلمس "معالم الطريق" الساداتي. وكان صديقه كمال الطويل قد لحن أغنية "الباقي هو الشعب"، ورفضها عبدالحليم بحجة أن كاتبها سيد حجاب شيوعي، وغنتها عفاف راضي، وأذيعت مرتين ومنعت، ثم أعيدت إلى الحياة في زهوة ثورة 25 يناير 2011:

الباقي هو الشعب والباني هو الشعب/ ولا فيه قوة ولا فيه صعب/ يصدوا زحف الشعب

لا يتورط فنان حقيقي في الحماس لحالة سياسية قائمة، إلا إذا تمتع بوعي كاف يعصمه من تقديم بيانات فنية. ففي عام 1957 أخرج صلاح أبوسيف فيلم "الفتوة"، بطولة زكي رستم وتحية كاريوكا أمام فريد شوقي الذي تحمس، في العام نفسه، لإنتاج فيلم "بورسعيد" إخراج عزالدين ذوالفقار الذي شارك بالتمثيل مع حشد من النجوم.. فريد شوقي، شكري سرحان، رشدي أباظة، أحمد مظهر، هدى سلطان، ليلى فوزي وحسين رياض.

أبرز الفيلم بسالة شعب بورسعيد في التصدي للعدوان الثلاثي، وحماية النظام ورمزه الذي كان العدو يسميه "البكباشي". وذهب فريد شوقي إلى فتحي رضوان وزير الإرشاد (الثقافة والإعلام)، وتباهى بإنتاج فيلم "بورسعيد"، ففوجئ بالوزير يصارحه بما يليق بمثقف كبير: يا فريد، افخر بأنك قدمت فيلم "الفتوة"! وفي اختبار الزمن صمد "الفتوة"، وحجز مكانا بارزا في صدارة أهم عشرة أفلام مصرية، وضمِن "بورسعيد" عرضا سنويا في ذكرى العدوان.

14