الزن فلسفة العبور من عالم الألم إلى عالم النيرفانا

الأحد 2014/07/06
الزن: الوعي بالذات في ماوراء الكلمات

أدرك الغرب بعد سيطرة العلاقات المادية والاستهلاك على حياته، أن فلسفته التي قام على أساسها مشروع حداثته، قد غالت كثيرا في تبجيل العقل عندما جعلت منه معيارا وأساسا للوجود الإنساني، فحاول العديد من الباحثين والدارسين والمستشرقين الغربيين البحث عن قيم وفلسفات أخرى، يمكنها أن تخفف من وطأة الحضارة المادية التي بات يعيشها، من خلال الانفتاح على فلسفات الحكمة والروح والتأمل، التي يعدّ الشرق موطنها الحقيقي، حيث يعيد التوازن إلى حياته المختلة. من هنا بدأ التعرف إلى فلسفات الشرق القديمة كالبوذية بمسمياتها المتعددة والكونفوشيوسية والطاوية، وما تحمله من تعاليم وقيم ومبادئ، وتدعو إليه من تسامح ومحبة ووعي للذات واحترام الطبيعة.

من تلك الفلسفات التي حظيت باهتمام ملحوظ من قبل الباحثين والدارسين الغربيين كانت فلسفة الزن. كتاب “فلسفة الزن: رحلة في عالم الحكمة للكاتب” لجان لوك تولا- بريس واحد من الكتب التي حاولت تقديم تعريف كامل وحقيقي بهذه الفلسفة، وما قامت عليه من مبادئ وأسس، إلى جانب ما شهدته من تفرعات واستنساخات بأسماء عديدة في بلدان الشرق الأقصى وأرخبيل اليابان. الكتاب قامت بترجمته ثريا إقبال وصدر ضمن منشورات مشروع كلمة بأبو ظبي.


الثنائيات الضدية


قبل الحديث عما آلت إليه حال هذه الفلسفة في الغرب بعد شيوع استعمالها هناك، لا بد من الإشارة إلى جانب هام على مستوى العلاقة بين مبادئ هذه الفلسفات بتفرعاتها الكثيرة، وديانات الشرق الأدنى نفسه كالمانوية والزرادشتية، التي قامت على الثنائيات المتقابلة أو الضدِّية، كالنور والظلام والخير والشر والحب والكراهية، لتعود وتشكل أرضية للفلسفات الغربية الحديثة، التي حافظت على مرجعيّاتها المسيحية. إن هذا التمايز الجدير بالتفكر والبحث، يكشف عن سياق ثقافي وتاريخي مختلف ومتميز، من حيث النظرة إلى الوجود والإدراك الفطري له وللعالم وعلاقة الإنسان بهما، وما تقوم عليه العقيدة الروحية من أسس وقواعد واشتراطات للوصول إلى خلاص الإنسان، وتحرره من الألم.


فلسفة للاستهلاك


استخدم الغرب كلمة الزن بعد شيوعها هناك كوسيلة للدعاية والترويج، ما أدى إلى فقدانها لمعناها الصحيح، وإفراغها من قيمتها الحقيقية. الكاتب يستعرض تلك التشوهات التي لحقت بمصطلح الزن عبر شبكات المعلنين حتى أضحت مرادفا لمعنى ريلاكس وكول عند ترويجهم لخدماتهم البنكية أو أدوات التجميل أو السيارات، ثم توسع هذا الاستعمال ليشمل الأزياء والتصميم والترويج لأدوات المطبخ. تصحيحا لمعنى هذا المفهوم يقوم الباحث أولا بتعريف كلمة الزن بأنها تعني التأمل والتبصر مؤكدا في نفس الوقت على أنها تعود بأصولها إلى الهند، ومنها انتشرت في بلدان الشرق الأقصى تحت مسميات مختلفة، لكن محطتها الأهم كانت في اليابان حيث ازدهرت هناك كثيرا، واكتسبت زخما لا مثيل له، بعد أن أعطتها روح اليابان ثراء واسعا ومبهرا على مستوى علم الجمال والفن.

إن هذه الممارسة البوذية الماهايانية كما أصبحت تسميتها هناك قد أخذت تدعو إلى الوعي بالذات، من خلال التلقين والتعليم عبر ما وراء الكلمات، من قلب الشيخ إلى قلب المريد. ورغم ما تتسم به تجربة الزن من مفارقة وتعقيد إلا أنها لا تحمل أي غموض، فهي تبدأ من حيث نكون. إن معرفة النفس هي القاعدة الأولى، التي يمكن أن تقود الإنسان إلى السلام الداخلي في هذه الفلسفة، وهي في الشرط لا تختلف عن فلسفة سقراط، التي جعلت منها المبدأ الأول أو الحقيقة الأولى.

لكن الزن تضيف اشتراطات أخرى على المريد منها احترام الطبيعة التي عملت الحداثة الغربية على تدميرها، وكذلك احترام الكائنات الحية والتخلص من المادة والرغبات والبحث عن النجاح والإعجاب، والتجرد من النرجسية، ذلك أن البوذية تنظر إلى الحياة على أنها نهر مضطرب تجرف مياهه العكرة مزيجا من العواطف والأوهام والجهالة. الكاتب يقف هنا عند مسألة مهمة في الفكر البوذي هي أن التحرر من تلك الأفكار السابقة لا يؤدي حكما إلى الوصول للفهم الصحيح. لذلك يمتنع شيخ الزن عن شرح جوهر الطريق الموصل، لأن طريقة بوذا هي دراسة الإنسان لنفسه التي تعني نسيان الإنسان لنفسه.

الحقائق الأربع النبيلة التي تمثل جوهر البوذية


أصول الزن


يعيد الباحث جان لوك أصول الزن إلى تعاليم بوذا غوتاما، الذي تحيط به مجموعة من الأساطير والعجائب. واسمه الحقيقي هو سيدهارتا غوتاما أو ساكيا موني الذي ينتمي إلى عشيرة ساكيا، التي كانت تنتشر في سفوح جبال همالايا في الشمال الشرقي للهند. تخلى غوتاما عن مملكته وهجر الحياة الدنيا إلى حياة الزهد شديد القسوة، ثم وجد أن هذه الحياة لا تختلف عن الحياة الدنيا، فاختار طريق الاعتدال. تحت شجرة تين أدرك بالفطرة الحقيقة، وبعد سبعة أيام توصل إلى الصحوة التي جعلت منه بوذا أي الصاحي. على خلاف الديانات السماوية فإن بوذا ليس نبيا ولا ابن الله، بل هو مجرد رجل توصل إلى الهدف الأسمى عبر التأمل، فكانت تعاليمه تقوم على أن الحب والتآزر والتسامح تعين الإنسان على اتباع طريق المعرفة، وبالتالي التخلص من الألم. لم تكن ولادة هذا المذهب خارج سياقه التاريخي والثقافي والروحي الذي كان سائدا، كما هو الحال لما كانت عليه الحال قبل ولادات الديانات والمذاهب الأخرى، إذ كانت الهند في تلك الفترة قد شهدت نشاطا دينيا استمد حيويته من الغليان الفكري الذي شكل بداية للتحولات الكبرى، التي عرفتها الهند عندما بدأ العديد من الحكماء هناك بالتخلي عن ترانيم الفيدا المقدسة وعن البراهمية الأحادية.


الحقائق الأربع


يستعرض الباحث لوك الحقائق الأربع النبيلة التي تمثل جوهر البوذية كما بلغها بوذا في خطبته الأولى، وهي حقيقة الألم، وحقيقة أصل الألم، وحقيقة وقف الألم، ثم أخيرا حقيقة الطريق المؤدي لوقف الألم. أما مفهوم الألم فهو ينتج عن مجموعة من الأسباب دون أن يكون بمثابة مبدأ مطلق ومحدد سلفا. تتحدد مصائر الكائن الإنساني وفقا لعوامل يتعين عليه أن يبحث عنها في أفعاله الماضية والحاضرة وفي حيواته السابقة ( تقمصاته) باعتباره نتاجا لهذه الأعمال، ولا يمكنه أن ينجو أو يتحرر منها، سواء كانت سلبا أو إيجابا ما دامت تؤثر في حياته. يسمى قانون الفعل بـ”كرما” وهو يعني العلاقة بين السبب والنتيجة، وليس القدر. هنا يظهر افتراقها الآخر عن الديانات التوحيدية.

الرغبة والتعطش للوجود عند البوذيين تخضع لدورة ولادات متجددة وفيض كرمي طالما بقي أسير أوهامهن ما يشكل مصدرا للألم. على خلاف ذلك فإن الغاية الكبرى للوصول إلى النيرفانا التي تعني حالة الفراغ القصوى هو إفناء الرغبات وأسبابها.

تعبر الحقيقة النبيلة الثانية عن أصل الألم المتمثل في الرغبة والجهل في معرفة الألم وكيفية القضاء عليه. وهكذا فإن الجشع وحب النفوذ وقلة السيطرة على النفس والمتعة الجنسية والخوف من الموت ورفض قانون الكرما، هي من أسباب العذاب. ويضيف الباحث أن النفس أو الأنا هي تجميع مركب لعناصر. الحقيقة النبيلة الثالثة تتمثل في فناء الألم الحاضر، في فناء الرغبة والجهل، وهذا الفناء لا يعني قمع الرغبة أو كبحها لأنه يصبح مصدرا آخرا للألم. لذلك يجب التخلص من التصورات الخاطئة والقضاء على التسلط الذهني وعلى مصادر الانغلاق. والحقيقة النبيلة الرابعة هي الطريق التي تقودنا إلى وقف الألم وخلق نظام حياتي وطريقة عيش وتفكير من خلال عبور عالم الألم إلى عالم النيرفانا.


البوذية وطوائفها


يعتبر التأمل والانضباط والتربية الأخلاقية القائمة على قواعد محددة منها عدم القتل أو الاستيلاء على خيرات الآخرين وعدم اتباع أهواء النفس وعدم الكذب أو السكر، هي القواعد الأساسية لحدوث التحول، ولذلك فهي تجربة ذاتية وتحقق ذاتي يقوم به الفرد.

لكن البوذية بعد موت بوذا عرفت تعددا كبيرا في الطوائف تبعا لتعدد التأويلات التي تمت لمواعظه وللتقاليد المحلية لكل منطقة، فالهينايانا اعتمدت على رهبان سيلان الذين ظلوا قرونا يجمعون المجاميع الثلاثة لتعاليم بوذا، بينما الماهيانا أو المركبة الكبرى فتمثل التيار الإصلاحي الذي ظهر مع بداية العصر المسيحي، ويقوم على المودة والرحمة، في حين أن مذهب الفجريانا أو مركبة الماس وهو الفرع الباطني من الماهيانية، فيقوم على إيلاء الأهمية الأولى للطقوس السحرية وسلطة الشيخ المربي. وقد استمدت أهم تمارينها الذهنية والجسدية من اليوغا.

تحمل الزن في لغات البلاد التي انتشرت فيها أسماء مختلفة، فهي في الياباني تعني “الزن” وفي التيبت تدعى “سامتين” وفي فيتنام “تين” وفي الصينية “شان” وفي الكورية “صون”، لكن انتشار اسم الزن في الغرب جاء من خلال اليابان التي أصبحت هي الأرض المختارة لهذه المدرسة في التأمل. لقد جاءت الزن كما يكشف الباحث من خلال مسار طويل من الفكر البوذي نحو الشرق الأقصى، وقد اغتنت عبر تاريخها الطويل من عناصر خارجية مختلفة عن الفكر الهندي، ولذلك لم تتخذ الزن شكلها الراهن لو لم تصل إلى الصين وتحمل اسم “الشان” هناك.

13