الزهاوي الثائر والعلماني والمتمرد وضجيج المقهى

السبت 2016/02/20
فيلسوف وشاعر عراقي كان يكتب للمستقبل

بغداد - الزهاوي نتاج جيل خلّاق، خاض قبل أكثر من مئة عام معركتنا التي مازالت متواصلة حول معنى الحريّة والتجديد والإبداع والحداثة والثورة. لكن على محاميل فرديّة تشكّل في تضاداتها النخبة التي تقود وتحرّك المجتمع إلى التغيير المرتجى، وترسخ مرتكزات تواصل من بعدها الأجيال المقبلة رسم حياتها بشكل أمتن، وأكثر انقياداً للقانون والعلم والتطور. كان الزهاوي يكتب وينشر ويتحدّث بالعربية والفارسية والتركية والكردية والفرنسية.

لكن هذا المسعى، قبل أكثر من قرن من الزمن، ساق اضطرابا في العلاقة بين المثقف والسلطة، بين الـ”أنا” و”الآخر”، بين النخبة ورجال الدولة، بين الدين وطروحات المفكر والشاعر والصحافي. فكان من الطبيعي أن تنشأ المتناقضات المتشعبة، لأنها وليدة أصلا من توتر العلاقة بين الوعي والواقع، بين الطموح والمعوقات وحدث أن شاعت الخصومات والمساجلات والمقالب في مجالس مثقفي بغداد، والتي كان الزهاوي أبرز أقطابها، كان لوحده ممثلا ناصعا لأزمنة متداخلة وطموحات كبيرة، بنزعة صارمة من التجديد، تجديد غير متسق مع نكوصات الواقع.

الزهاوي ملتصق بالعلم وبتطوراته في بلدان الغرب، يكتب عنه ويوظفه حتى في قصائده، ليعمّم الفكر ويحث على ضرورة المعالجات الحديثة، خصوصا في ما يتعلق بالفقر والتطرّف الديني وحقوق المرأة، لكن تلك المرجعية العلمية لم تجعله يسلّم بمركزية الغرب، فلم يعترف بها. وكان مستنده في ذلك طروحات المعتزلة والمتصوفة وإخوان الصفا ومفكري الوطن العربي، لتمييز خصوصية المكان والزمان والمنجز.

هدية إلى المستقبل

ليس غريبا إذا أن يهدي الزهاوي كتابه “رباعيات الزهاوي” إلى المستقبل، فقد كتب “أهدي كتابي إلى الأجيال الآتية، الذين سيعيشون في بغداد، غير بغداد هذه. وأنا يومئذ تراب صامت”.

ولأنه موسوعي ومعرفي ومتمرد وساخط ومجدد وعلمي، كان لا يرى في أيّ شاعر شاعراً، إن لم يكن كذلك، على نسقه وسياقه. فكثر أعداؤه من الشعراء والنقاد ورجال الدولة. وكان الرصافي أبرزهم وأكثرهم قربا في مجالسهم اليومية، وكذلك عباس محمود العقّاد، حيث كانت سجالاتهم تدور على واجهات الصحف اليومية والمجالس الثقافية، وتمتد لتشمل الصحف الدمشقية والقاهرية وباقي الأقطار العربية.

مرجعيته العلمية تشكل عصبا أساسيا في شخصية الزهاوي مع أنها كادت تودي بحياته أكثر من مرة. لكنه بوعي نادر يهدي كتابه (رباعيات الزهاوي) إلى المستقبل، بالقول (أهدي كتابي إلى الأجيال الآتية، الذين سيعيشون في بغداد، غير بغداد هذه. وأنا يومئذ تراب صامت)

جميل صدقي بن محمد فيضي بن الأمير سليمان الزهاوي. يعود نسبه إلى أسرة بابان الكردية (شمال العراق). ولد في بغداد، ونشأ ودرس وتتلمذ فيها، على يد أبيه وعلماء العاصمة. عمل مدرسا في العام 1885. وعيّن عضوا في مجلس المعارف، ثم مديرا ً لمطبعة الولاية، ثم محررا في جريدة الزوراء، ثم عضو محكمة استئناف بغداد. غادر بعدها إلى إسطنبول، بدعوة من سلطانها عبدالحميد، باعتباره من أبرز شعراء العراق، فعمل أستاذا لمادة الفلسفة الإسلامية بدار الفنون بإسطنبول، لكنه سرعان ما هاجم السلطان بقصيدة أدخلته السجن، يقول في مطلعها “تأنّ في الظلم تخفيفا وتهوينا/فالظلم يقتلنا، والعدل يحيينا/يا مالكا أمر هذي الناس في يده/عامل برفق رعاياك المساكينا/ لهوتَ عنّا بما أوتيت من دعةٍ/فابيضّ وجهك، واسودّت ليالينا”.

لم يدم سجنه طويلاً. إذ أطلق سراحه وأعيد إلى بغداد، ليعمل أستاذا في مدرسة الحقوق، ثم انتخب عضوا في “مجلس المبعوثان” لغاية تأسيس الحكومة العراقية، فعيّن عضوا في مجلس الأعيان. كنيته الزهاوي نسبة إلى مدينة “زهاو” قرب خانقين، حيث هاجر جده وقتئذ إليها، وتزوج منها وأنجب والد جميل الذي انتقل إلى بغداد وعمل مفتيا دينيا لولايتها.

حرية المرأة

كتب الزهاوي مرات ٍعديدة يطالب فيها بحريّة المرأة، ومنحها حقوقها، وسن قوانين تنتشلها من سلطة الرجل والمجتمع وسلطة الدين. فثارت ضده موجة عارمة من التنديد والاستنكار، أدّت الى تحريض والي بغداد حسين ناظم باشا ضده. والذي حرّض بدوره رجال الدين ضد الزهاوي، فأصدروا فتاوى عديدة بزندقته وتكفيره. قادها محمد سعيد النقشبندي، مؤلف كتاب “السيف البارق في عنق المارق” . فغادر الزهاوي بغداد متخفيّاً، حتى استبدل والي بغداد بجمال باشا، ليعود إلى مدينته ثانية. قال في قصيدة يخاطب المرأة في ذلك الزمن “مزّقي يا ابنة العراق الحجابا/أسفري، فالحياة تبغي انقلابا/مزقيه واحرقيه بلا ريثٍ/فقد كان حارسا كذّابا”.

وقال عن رؤيته للمرأة وتطور المجتمع “فكل جنس له نقصٌ بمفردهِ/أما الحياة، فبالجنسين تكتملُ/أما العراق، ففيه الأمر مختلفٌ/ فقد ألمَّ بنصف الأمّة الشللُ”.

الزهاوي لم يتخل عن أفكاره يوماً، جريئا في مواقفه، ومتمردا على الحكّام، وعلى الأساليب الشعرية. وعرف عنه قوله إن القافية تعيق الاسترسال الشعري، وتحد من إمكانية القص والرويّ في القصيدة، وكان غير ملتزم ببحور الشعر وجزئياتها، الذي يعنيه إيصال الفكرة وجمالية التعبير فقط. ليمزج بنص واحد المعلومة والمبتغى والمسعى الشعري لأغراض فلسفية حينا، ونقدية أحيانا كثيرة.

وبالرغم من أن ّ السلطان عبدالحميد كان قد اعتقله كما أسلفت، وأودعه السجن بسبب القصيدة ذاتها، ولم يطلق سراحه إلا بعد شروط وتوسّطات عديدة من قبل رجال الدولة وبعض الأدباء، إلا أن الزهاوي قال في السلطان عبدالحميد بعد فترة من خروجه من السجن “فأيديك إن طالت، فلا تغتر بها/ فإنّ يد الأيام منهنَّ أطولُ”.

مقهى الزهاوي تعد منصة لمن لعبوا دورا ًكبيرا في مسار ومصير تاريخ العراق. كانت حناجرهم تهتف في المقهى، وسرعان ما تجول في شارع الرشيد، لتجوب كل شوارع بغداد

كيس الخردة الشهير

كان الزهاوي يأخذ “يوميته” من زوجته زكية مصباح، كل صباح. قبل الذهاب إلى المقهى التي سمّيت باسمه لاحقاً. وكان يحرص على أن تكون تلك اليومية فراطة (خردة بالعراقية)، وهي عبارة عن عملة معدنية تسمى “آنات”، تضعها له في كيس صغير، كي يسهل تعامله معها. ذلك لأن الزهاوي كان من أشهر العراقيين بدفع ثمن كؤوس الشاي عن الآخرين، وبالأخص من تلامذته ومريديه ومعجبيه. والذين كانوا يتوافدون يوميا إلى مجلسه، وكانت وما زالت عملية الدفع تلك تسمى في العراق بـ”الوير”، وهي عادة شعبية متوارثة، والمفردة مشتقة من كلمة “فرمك”، أي اعط أو ادفع، كما وردت في معجم الألفاظ، للبزركان.

كان الزهاوي مولعا بجمع كل أصناف أقلام الحبر (الباندان)، فسمع مرة بتوفر نوع جديد منها في المكتبات، فذهب مباشرة إلى السيدة زكيّة (زوجته) طالبا منها المبلغ كما يحدث مسبقا، فترددت زوجته عن الدفع هذه المرة، فصار الزهاوي يبكي ويصرخ ويتمتم، كالأطفال تماما، ويظل كذلك حتى تدفع له، ويشتري القلم.

تقول السيدة عائشة عبدالمحسن السعدون عنه، بأن الزهاوي كان يتبع نظاما غريبا في غذائه، فشهر كامل يأكل فيه الباميا فقط، وشهر للباذنجان، وشهر للكوسا، وهكذا. وصادف مرة أن الزهاوي والرصافي كانا يأكلان من صحن ثرود واحد، فوقه دجاجة محمّرة، وأثناء ذلك حدث أن مالت الدجاجة ناحية كف الزهاوي، فقال “عرف َ الخيرُ أهله، فتقدّمْ” فرد لحظتها الرصافي “كثر النبش تحتهُ، فتهدّمْ”.

سأله مرة سائل: من هو أنت؟ فأجاب “أنا سمّيت في صباي بالمجنون، لأنهم لم يألفوا حركاتي وطباعي، وفي شبابي سمّيت بالطائش لنزعتي إلى الطرب والفن، وفي رجولتي سمّيت بالجريء لمقاومتي الظلم والاستبداد والتخلّف، وفي شيخوختي يسمّوني بالزنديق لمجاهرتي بالآراء والأفكار الفلسفية. وأنا لو لم أكن شاعراً أو فيلسوفا، لاخترت أن أكون محامياً”. “يا زائرا هذه المقهى ترى عجبا/فيها من العلم والتاريخ فرسانا” كان اسمها مقهى “أمين أغا”، وهو مالكها وصاحبها ومديرها. قهوة تقع في بداية شارع الرشيد، من جهة باب المعظم، في منطقة الميدان. يعود تاريخها إلى ما قبل العام 1917 بسنوات. وقد أنشئت على شكل سقيفة أول الأمر. قبل افتتاح شارع الرشيد.

مقهى الزهاوي

لم يكن الزهاوي من جلّاسها، إنما كان مجلسه في مقهى الشط. ومساء في مقهى “رشيد حميد” في الباب الشرقي. اتصل به رئيس الحكومة نوري السعيد باشا يوما واتفقا أن يلتقيا، فسأل الزهاوي نوري السعيد: وين نلتقي؟ فأجابه: في مقهى أمين أغا. ولما حدث اللقاء، أعجب الزهاوي بالمقهى، وكانت عبارة عن بضعة مصطبات وكراس خشبية، وجهاز “فونغراف” يدار باليد، ومنذئذ اتخذ الزهاوي من تلك المقهى مقاما يوميا له، وتوافد من بعده عليها المريدون والمعجبون والتلامذة. كذلك الصحافيون والفنانون والنقّاد وغيرهم. وأصبحت مسرحا لمناظراته وخلافاته التي كان للزهاوي فيها، كلما احتدت، الكلمة الفصل. ومنذئذ صارت تعرف بمقهى الزهاوي.

شاعر الهند العظيم رابندرانات طاغور زار الزهاوي في بغداد، وحرصت أم كلثوم على لقائه، غير أنه لم يكن يتردد في مهاجمة أحد سواء كان من السلاطين أو الولاة والمتطرفين والشعراء

أصبحت مقهى الزهاوي تشهد سجالاته الفكرية والأدبية والوطنية، كما تشهد مماحكاته ومقالبه اليومية مع الرصافي ومع آخرين. وصارت منطلقا للكثير من المظاهرات الوطنية المطالبة بالاستقلال وبالدستور وبتحديث القوانين.

باتت المقهى ملاذا فكرياً وأدبيا وسياسيا لمختلف الآراء والتوجهات، ومنصة لمن لعبوا دورا كبيرا في مسار ومصير تاريخ العراق، وكانت حناجرهم التي تهتف في مقهى الزهاوي، سرعان ما تجول في شارع الرشيد، وتنضم إليها المزيد من الحشود، لتجوب كل شوارع بغداد.

كان من بين روّاد مقهى الزهاوي علي الوردي والرصافي (الذي اتخذ لاحقا مقهى قريبة أخرى مجلسا، بسبب صدامه اليومي مع الزهاوي)، ومحمد بهجت الأثري، وعلي الشرقي، والسيّاب، والجواهري، وآخرون. كما تعاقبت على ارتيادها أجيال من الأدباء والمفكرين، منهم عبدالرزاق السامرائي، كامل خميس، جميل الطائي، شفيق القيمقجي، أنور السامرائي (كاتب قصيدة يا زائر المقهى)، محمد مبارك، حكمت فرج، عبدالوهاب بلال، وسواهم. ومن الفنانين الذين عرفوا مقهى الزهاوي وكانوا من المداومين عليها، ناظم الغزالي، أعضاء فرقة الزبانية للتمثيل، حميد المحل، محمد القيسي، حامد الأطرقجي.

ومن رجالات الدولة فاضل الجمالي، عبدالمسيح وزير، عبدالكريم قاسم، نوري السعيد، عبدالرزاق عبدالوهاب، وآخرين. كما زار المقهى، وكتب عنها، مرشّح الرئاسة الأميركية وندل ويلكي في العام 1942 في كتابه “عالم واحد”.

طاغور في مقهى الزهاوي

يتداخل نشاط الزهاوي الحياتي في المقهى، بنشاطه الفكري، بالسياسي، بالرسمي، بالاجتماعي، ويصعب على المتتبع فصل هذا عن ذاك. وفي الوقت الذي كان فيه الشارع السياسي العراقي يغلي بالمظاهرات والاحتجاجات التي يقودها ويؤجّجها الشعراء والمثقفون، والتي غالبا ما تنطلق من مقهى الزهاوي، سعى الملك فيصل الأول (بخطوة ذكية) إلى محاولة تهدئة الغليان الشعبي، عبر تطييب نفوس نخبة المثقفين في البلاد، فدعا شاعر الهند العظيم طاغور إلى زيارة بغداد، حيث كان الأخير في زيارة إلى إيران، فلبّى طاغور الدعوة. ودخل العراق برا عبر خانقين، فاستقبله هناك الزهاوي والرصافي وفاضل الجمالي وعبدالمسيح وزير والأثيري، ومعهم وفد من أعيان البلاد، في 19 مايو 1932. وعند وصوله بغداد عبر محطة قطار شرقي بغداد، استقبله الملك فيصل الأول مع نخبة من أعلام بغداد، في السياسة والفكر.

وقد كان لزيارة طاغور لبغداد وقع خاص، وهو الذي سمّاه غاندي بـ”منارة الهند” و”شاعر الإنسانية”، فساهمت تلك الزيارة فعلا بتهدئة النفوس، لما له من مكانة خاصة في قلوب الأدباء والمفكرين، فزار مقهى الزهاوي. وهناك استمع (لأيام متتالية) إلى قصائد الشعراء، وإلى قضاياهم الفكرية والسياسية، كذلك الموسيقى والفنون المختلفة، وعند عودته إلى الهند، كتب عن بغداد، وعن نشاط مقهى الزهاوي وخصوصيتها.

وفي العام 1932 زارت سيدة الغناء العربي أم كلثوم بغداد، لتحيي عشر حفلات فيها ، فالتقت بالزهاوي، وزارت المقهى، واستمعت لمقامات الغناء العراقي، وأعجبت بها، وغنّت فيه من أغانيها الشهيرة. وفي حفلة افتتاحها الأولى بصالة كبيرة مخصصة لذلك، ألقى الزهاوي قصيدة فيها، قوطعت بالتصفيق الحاد أكثر من مرة، وعندما انتهى من القراءة، ذهب الزهاوي إلى حيث كانت تجلس أم كلثوم، وقبّلها من خدها، فعلا التصفيق والصفير ثانية.

14