الزهايمر ينتشر بوتيرة متسارعة وسط تفاؤل حذر باكتشاف علاج نهائي له

هل تقدم الأبحاث الجديدة علاجا أم تنضم إلى سلسلة التجارب الفاشلة؟
الثلاثاء 2021/09/21
مرض يفتك بكبار السنّ

يحلّ اليوم العالمي لمرض الزهايمر الذي يوافق الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام حاملا معه مؤشرات سلبية عن سرعة انتشار المرض خاصة في الدول التي تشكو من الشيخوخة السكانية، وأخرى إيجابية تبشّر بقرب وصول الباحثين إلى اكتشاف علاج نهائي لهذا المرض الذي غيّر حياة الكثير من العائلات.

جنيف (سويسرا) – يُعدّ مرض الزهايمر نوعا من الخرف الأكثر شيوعا في العالم، من دون أن يكون له أيّ علاج يسمح بالشفاء منه أو اتّقاء الإصابة به. ويؤدّي هذا المرض إلى فقدان المريض الذاكرة والقدرة على التحليل فقدانا لا يمكن عكس مساره الذي يمتدّ عادة على عدّة سنوات.

ويشكّل الزهايمر وغيره من أمراض الخرف إحدى أكبر المشاكل المعاصرة في مجال الصحة العامة لأنّ مرضاه يفقدون استقلاليتهم، ما يشكّل عبئا نفسيا على العائلة وماليا على النظام الصحي.

وهي الحال خصوصا في البلدان التي تزداد فيها أعداد الكبار في السنّ، أي أبرز الدول المتقدّمة حيث ينتشر المرض على نطاق واسع بين من تخطّوا الخامسة والستين من العمر.

ويتميّز المرض الذي كان الطبيب الألماني ألويس الزهايمر أوّل من قام بتوصيفه في بداية القرن العشرين عن غيره من أنواع الخرف بازدواجية مساره.

فهو ناجم من جهة عن تشكّل لويحات بروتينات معروفة بأميلويد (نشوانيات) تضغط على الخلايا العصبية إلى أن تقضي عليها، ومن جهة أخرى عن نوع آخر من البروتين يُعرف بتاو يتكدّس عند مرضى الزهايمر إلى أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى موت الخلايا.

لكن ليس من المعلوم بعد ما هي العلاقة بين هاتين الظاهرتين. كما لا يعرف الخبراء بعد سبب نشوئهما. وبالرغم من عقود من الأبحاث، ما من علاج راهنا يسمح بالشفاء من المرض أو اتّقاء الإصابة به.

الصين أكبر المتضررين

مرض يشكل خطرا على الصين
مرض يشكل خطرا على الصين

تسجّل الصين ربع حالات الزهايمر المشخّصة في العالم مع عشرة ملايين مريض وأقلّ من مئتي سرير متوفّر لهم في المراكز المتخصّصة، رازحة تحت وطأة مرض ينتشر بوتيرة سريعة في أوساط سكان يتقدّمون في السنّ.

ويؤكّد واي شوتشاو طبيب الأمراض العصبية في الجامعة الطبية في غوانغدونغ (جنوب) أنه “ما من مشكلة أخرى في مجال الصحة العامة تشكّل تهديدا بهذه الخطورة في الصين”.

وفي ظلّ الازدياد السريع لأعداد المسنّين في البلد من المرتقب أن يرتفع عدد مرضى الزهايمر أربع مرّات ليصل إلى 40 مليونا بحلول 2050، بحسب دراسة صادرة عن كليّة لندن للنظافة الصحية والطبّ المداري.

ويقدّر التقرير أن تصل تكلفة تبعات المرض على الاقتصاد الصيني لوحده إلى ألف مليار دولار في السنة، بين التكاليف الطبية وفقدان الإنتاجية.

ويقول طبيب الأمراض العصبية “إنه المرض الذي يشهد أسرع نموّ في الصين ونحن لسنا مجهّزين كما ينبغي لمواجهته”. وعلى سبيل المقارنة، تضمّ الولايات المتحدة 6.2 مليون مريض يتوفّر لهم 73 ألف سرير في مراكز الرعاية الصحية المتخصّصة.

ويزداد الوضع تعقيدا في الصين في ظلّ التشخيص الذي غالبا ما يأتي متأخرا للمرض، كما هي حال الموسيقي السابق تشين شاوهوا البالغ 68 عاما. فلما بدأ يضيّع مفاتيحه أو محفظته نسب أقرباؤه أفعاله إلى طيشه.

وفي ظلّ عدم تشخيص الحالات في وقت مبكر، يبقى المرض سنوات طويلة من دون علاج أو متابعة، بحسب ما يصرّح هي ياو من المركز الوطني للأبحاث السريرية في أمراض الشيخوخة.

وأعلنت الحكومة العام الماضي عن خطّة عمل في مجال الصحّة للعام 2030 تنوي من خلالها تعميم تشخيص المرض على مستوى الأحياء السكنية. لكن البرنامج لا يتضمّن أي معلومات عن إنشاء مراكز صحية متخصّصة أو توفير تدريب خاص للأطباء.

وتكشف جمعية من المتطوعين أنها ساعدت في العثور على نحو 300 شخص مصاب بالزهايمر منذ العام 2016. ويقول سو شياو الذي يدير مركز عمليات البحث في حالات الطوارئ في جيوان في بكين “نتلقّى اتّصالات كلّ يوم تقريبا من أنحاء البلد كافة”.

تفاؤل حذر

بحوث في الطريق الصحيح
بحوث في الطريق الصحيح

وبعد نحو عشرين عاما من تعثر الجهود لعلاج الزهايمر، يبدي الباحثون تفاؤلا مشوبا بكثير من الحذر بعد إعلان الشركة الناشئة “أي.سي إيميون” التي تطور علاجا ضد هذا المرض بالاشتراك مع فرع لمجموعة الأدوية العملاقة السويسرية “روش” عن توصلها إلى “نتائج مشجعة” بخصوص مشروع دواء له.

وتعمل المجموعتان على تقييم فعالية ما توصلت إليه أبحاثهما بعدما أعلنتا في نهاية أغسطس عن نتائج أولية إيجابية ما زال يتعين نشرها بالتفصيل ومراجعتها بشكل مستقل.

وإن كان الإعلان مثيرا للاهتمام فلأن الجزيئة “سيمورينماب” موضع الأبحاث تتبع خيطا قلّما تم تقصيه في سياق البحث عن علاج لمرض الزهايمر، وهو مجال تتعاقب فيه المحاولات الفاشلة منذ نحو عشرين عاما.

ويتركز عمل هذه الجزيئة على القضاء على لويحات تشكلها بعض البروتينات المعروفة بـ”أميلويد بيتا” في دماغ المصابين، وهي واحد من العاملين الأساسيين لمرض الزهايمر إذ تضغط على الخلايا العصبية.

لكن هذا الخيط من الأبحاث قلّما أعطى نتائج حتى الآن، باستثناء علاج توصلت إليه شركة بايوجين المتخصصة في معالجة الأمراض العصبية، وأذنت به السلطات الصحية الأميركية هذا العام من غير أن يكون هناك إجماع حول فائدته العلاجية.

ويتركز اهتمام العديد من المختبرات منذ عدة سنوات على معالجة العامل الثاني المسبب لمرض الزهايمر وهو السلوك الشاذ لبروتينات أخرى تعرف ببروتينات “تاو” موجودة في الخلايا العصبية، حيث تتكتل لدى مرضى الزهايمر إلى أن تؤدي إلى موت الخلية.

المختبرات تركز على معالجة العامل الثاني المسبب لمرض الزهايمر، وهو السلوك الشاذ لبروتينات "تاو" الموجودة في الخلايا العصبية

وأعطي هذا العلاج لمدة عام تقريبا لمصابين في حالة متقدمة نسبيا من مرض الزهايمر. وفي نهاية المرحلة أفادت المجموعتان أن تراجع القدرات الإدراكية لدى الذين تلقوا العلاج كان أقل بالنصف تقريبا من الذين تلقوا دواء وهميا.

وهي أول مرة يتم فيها الإعلان عن مثل هذه النتيجة الإيجابية لمشروع علاج يستهدف بروتين “تاو” بعد سلسلة من التجارب الفاشلة من ضمنها مشروع آخر لمجموعة بايوجين هذه السنة.

لكن عالم البيولوجيا العصبية لوك بويه المتخصص في الأمراض المرتبطة ببروتينات “تاو” أكد ضرورة “لزوم الحذر الشديد، من الواضح أن هناك جانبا إعلاميا ورغبة في إصدار إعلان طنان”، ولو أنه “قد يكون هناك حقا أمر” إيجابي.

ولا تزال الأبحاث مجرد تجربة مبكرة في المرحلة الثانية ولا تشمل سوى عدد محدود من المرضى. ولتأكيد مفاعيل العلاج ينبغي الانتقال إلى المرحلة الثالثة مع احتمال إجراء الاختبار على الآلاف من الأشخاص.

ويوضح بويه مبررا تحفظه أن العديد من المشاريع التي تركزت على بروتينات “أميلويد بيتا” أعطت نتائج جيدة في المرحلة الثانية قبل أن تخيب الآمال في المرحلة التالية.

لكن السبب الأساسي لتحفظه هو أن نتائج عقار “سيمورينماب” تبقى متباينة. فالاختبارات الإدراكية أفضل لدى المرضى الذين تلقوا الدواء، لكن هناك تفاوت في ما يتعلق بالسلوك في الحياة الحقيقية، أو ما يعرف بتدهور القدرات الوظيفية. ولخصت عالمة البيولوجيا العصبية فلورنس كلافاغيرا الوضع بالقول “هذا واعد وبصراحة إيجابي، لكنه لم يصل إلى مستوى العلاج”.

وفي ما يتعلق بكيفية تفسير هذا التباين في النتائج، ذكرت كلافاغيرا على غرار “أي.سي إيميون” نظرية تقول إن تراجع القدرات الوظيفية يستغرق وقتا حتى تظهر مفاعيله، مشيرة إلى أنه قد يتم إحداث فرق بعد بضعة أشهر على ضوء تواصل التجارب للعلاج.

لكن ليس هناك في الوقت الحاضر ما يؤكد ذلك. وحتى لو أثبت علاج “سيمورينماب” فاعليته، من غير الواقعي أن نأمل بظهور علاج عجائبي يشفي بمفرده المصابين بالزهايمر.

17