الزواج السري في مصر ملاذ من المنغصات الأسرية

المشاكل العائلية تدفع المتزوجين للبحث عن بيئة لتعويض الحرمان العاطفي.
الثلاثاء 2021/02/23
انشغال الزوجة بتربية الأبناء يدفع الزوج للبحث عن أخرى تعوضه عن العاطفة المفقودة

صار اللجوء إلى الزواج السري في مصر ملاذا للكثير من الشباب حديثي الزواج وذلك تعويضا عن الحرمان العاطفي والمتعة المفقودة في بيت الزوجية. ورغم أن الزواج السري موصوم دينيا إلا أن الأجيال الجديدة لم تعد تهتم بالرأي الديني في تشكيل علاقاتها وتفعل فقط ما يرضيها ويجعلها مستريحة نفسيا وجنسيا. ويجنب الارتباط السري بامرأة ثانية الرجل خسائر كثيرة، أهمها الحرمان من الأبناء ودفع النفقة الزوجية شهريا وضياع سكن الزوجية والالتزام بدفع المؤخرعند الطلاق.

ارتبط هاني (م) وهو اسم مستعار لشاب مصري قبل ست سنوات بفتاة جامعية لمدة عام واحد، وبعدها تقدم لخطبتها وتمت الزيجة، لكنه بعد عدة أشهر من الزواج شعر بعدم الارتياح العاطفي مع شريكة حياته في ظل الضغوط المالية والاختلاف في الطباع بينهما والشك المتواصل في تصرفاته من جانب زوجته والغيرة المبالغ فيها بسبب صداقاته مع فتيات في العمل.

ظل الشاب يفكر بشكل جاد في البحث عن امرأة أخرى تعوضه عن العاطفة التي يفتقدها مع زوجته لأنها صارت تنشغل بتربية ابنتهما وتهتم بعملها ولا تلبي له الكثير من احتياجاته، وبعد مشاورات مع بعض أصدقائه نصحوه بالزواج من أخرى عرفيّا مع البقاء مع زوجته الأولى، وأبلغوه بأنهم فعلوا ذلك ووجدوا أن نتيجة هذا القرار عملية وجيدة.

نفّذ هاني نصيحة الأصدقاء وتزوج من امرأة مطلقة تكبره بعشر سنوات، وتم الاتفاق بينهما على أن يكون الزواج مقتصرا على المتعة، بعيدا عن تحمل المسؤولية أو إنجاب أبناء، وصار يقضي نصف أيام الأسبوع مع الزوجة الأولى وباقي الأيام مع الثانية.

وقال الشاب لـ”العرب” إن الكثير من الشباب حديثي الزواج صاروا يلجأون إلى زيجات سرية لتعويض الحرمان العاطفي والمتعة المفقودة في بيت الزوجية مع تصاعد المشكلات وانشغال الزوجة بالأبناء والتعامل مع الرجل بندية ومحاصرته في كل تحركاته وحرمانه من السهر وتكوين علاقات مع أصدقاء وصديقات حتى يكون ملكا لها وحدها دون غيرها.

عادل بركات: اتساع دائرة الصمت الزوجي ساعد على تفشي الزواج السري

وتعتقد هذه الشريحة من المتزوجين أن الارتباط السري بامرأة ثانية يجنب الرجل خسائر كثيرة أهمّها الحرمان من الأبناء ودفع النفقة الزوجية شهريا وضياع سكن الزوجية والالتزام بدفع المؤخر عند الطلاق، وكل هذا لن يحدث إذا جرى الزواج عرفيا من أي فتاة أخرى توفر لها كل شيء حرم منه في بيت الزوجية مثل المتعة الجنسية والراحة النفسية والحرية الشخصية.

وحتى وقت قريب كانت المرأة تتزوج عرفيا لأسباب مقنعة مثل تجنب خسارة الولاية التعليمية على الأبناء وإسقاط الحضانة أو حرمانها من معاش الأب والأم إذا تزوجت رسميا، لكن الجديد في وجود فئة من النساء لا يمانعن في الزواج عرفيا من رجال متزوجين ليتبادل كلاهما الاستمتاع بالآخر دون قيود أو مسؤوليات أو روابط مصيرية مثل الأبناء.

ولا تمانع دينا محمد وهي فتاة في العقد الثالث أن تخوض تجربة الزواج العرفي بدافع المتعة فقط، لأن الارتباط الرسمي مليء بالمشكلات والمسؤوليات الجسيمة.

وقالت لـ”العرب” إن لديها صديقة تزوجت من شاب لديه بنتان، ويعيش حياة بائسة مع زوجته، وكان يبحث عن امرأة تعيد إليه ما يفتقده في منزل الزوجية ووافقت على الارتباط به.

وأضافت أن صديقتها مطلقة ولم تعد ترغب في الزواج بشكل رسمي، فهي لا تريد إنجاب أبناء أو تحمل مشقة الحياة مع رجل ينغص عليها حياتها مرة أخرى، وقبلت بالزواج العرفي لتكون حرة طليقة، باعتبار أن الارتباط المبني على المتعة المتبادلة بعيد عن القيود والتدخل في الحياة الشخصية.

وتقبل المرأة بالزواج العرفي دون معرفة أسرتها، حيث تخشى أغلب العائلات على بناتها من مخاطر الارتباط غير الرسمي، كما أن الزواج السري موصوم دينيا، وتعتبره المؤسسات الدينية “زنا”، لكن الأجيال الجديدة لم تعد تهتم بالرأي الديني في تشكيل علاقاتها وتفعل فقط ما يرضيها ويجعلها مستريحة نفسيا وجنسيا.

وتنظر الكثير من النساء إلى استسهال الرجال فكرة الزواج من امرأة ثانية للهروب من الأزمات الأسرية في بيت الزوجية كنوع من الأنانية الذكورية، لأن الرجل شريك أساسي في المشكلات الموجودة في المنزل، ولا يمكن أن تكون المرأة وحدها سببا في كل الصراعات الدائرة.

ويبرر بعض الرجال فكرة الارتباط السري من امرأة ثانية بأنها البديل الأكثر أمانا عن اللجوء إلى الانفصال الرسمي وهدم الكيان الأسري طالما أن المتعة موجودة حتى مع زوجة أخرى، فليس هناك مبرر مقنع للطلاق من الأولى مهما استمرت في نفس سلوكياتها وافتعلت أزمات وكثرت معها المشكلات لأنها في النهاية أم للأبناء.

السعي وراء الأوهام لتلبية الرغبات
السعي وراء الأوهام لتلبية الرغبات 

معضلة هذه الفئة من المتزوجين أنهم لا يرهقون أنفسهم عناء البحث عن علاقة قائمة على المودة والتراحم والتفاهم مع الزوجات.

واكتشفت “العرب” أن بعض الذين لجأوا إلى خيار الزواج السري لم يسبق لهم مصارحة شريكات حياتهم بالسلبيات والتصرفات البغيضة منهن كمحاولة لتغييرهن إلى الأفضل وإظهار التمسك بالبقاء معهن إلى آخر لحظة.

من هؤلاء رضا سعيد الذي كان يعود من عمله يوميا ليجد زوجته منهكة في عمل المنزل ولا تستعد لاستقباله بالشكل الذي يرضيه، وعندما يطلب منها السهر معه ترفض بدافع الإرهاق اليومي، لكنه لم يصارحها بأن تصرفاتها تثير غضبه، وبعد عامين فقط من الزواج لجأ إلى الارتباط السري بامرأة مطلقة قال عنها إنها “كانت توفر له كل سبل الراحة والمتعة”.

ورأى عادل بركات الباحث والمحاضر في العلاقات الأسرية أن انتشار ظاهرة ارتباط الرجال المتزوجين بنساء أخريات بشكل سري يعكس اتساع دائرة الخرس الزوجي الذي صار كبيرا داخل الأسر في الآونة الأخيرة، حيث ينطوي كل طرف على نفسه ولا يصارح شريك حياته بما يحب أو يكره، ومع تراكم الكبت والغضب يلجأ البعض إلى الراحة بعيدا عن بيت الزوجية.

وأشار لـ”العرب” إلى أن الصدام بين الزوجين لأسباب واهية وتافهة غالبا ما يكون مقدمة للخيانة الزوجية أو الزواج السري، وعدم الطلاق بين الأزواج المعروف عنهم كثرة الشجار والصدام لا يعني تمسك كليهما بالآخر، وقد يرضى الطرفان بالطلاق الصامت كصيغة مقبولة عائليا واجتماعيا، ولا يمكن حل هذه الإشكالية سوى بالمصارحة بين الزوجين وتقريب وجهات النظر والتحاور وتحمل سماع السلبيات.

وبغض النظر عن روايات ومبررات المتزوجين عرفيا، فإن الظاهرة كشفت النقاب عن معضلة كبرى صارت موجودة في أغلب بيوت الزوجية، وهي الإخفاق في معالجة الاختلاف في الطباع والسلوكيات وعدم تقبل أي طرف مصارحة شريك حياته بسلبياته، والأزمة الأكبر هي استسهال البحث عن المتعة والراحة خارج المنزل مع بقاء المشكلات الأساسية قائمة لأطول فترة ممكنة.

والواضح أن الكثير من الأزواج يبحثون عن حياة قائمة على الاستمتاع ليس أكثر، أي أن نظرتهم إلى المرأة جنسية بحتة ما يعكس الخلل في أسلوب التربية والجهل بقدسية العلاقة الزوجية وعدم الاعتراف بأنه من الطبيعي وجود منغصات وأزمات وخلافات، والهروب من هذه الدوامة إلى الزواج العرفي يبرهن على وجود خلل في بعض مقاييس الرجولة والشهامة.

 
21