الزواج العرفي علامة على تردي وضع المرأة في تونس وتراجع مكاسبها

تفاخر التونسيات بمجلة الأحوال الشخصية التي تضمن حقوق المرأة المدنية ويعتبرنها صمام الأمان الذي يحميهن من تعدد الزوجات ويضمن حقوقهن، كما أن القانون التونسي يجرم كل صيغ الزواج التي لا تستجيب للصيغ القانونية ومن بينها الزواج العرفي الذي ما لبث أن تغلغل بين مختلف فئات المجتمع.
الأحد 2016/07/17
مدافعات عن مكتسباتهن لا متخليات عنها لأجل عقد زواج عرفي

تونس- بلغ الزواج العرفي في تونس مستوى الظاهرة الاجتماعية الخطيرة، رغم أنه ليس وليد فترة ما بعد الثورة التونسية إذ يؤكد علماء الاجتماع أنه كان موجودا منذ ما قبل الثورة إلا أنه ظل طيّ الكتمان ولم يكن يثار كإحدى القضايا الاجتماعية البارزة.

صحيح أن ذلك يرجع لغياب حرية التعبير والتكتم الرسمي عن المشاكل الاجتماعية لكن السبب الأهم يكمن في أن حالات الزواج العرفي منذ الاستقلال لم تكن كثيرة ولم تنتشر انتشارا واسعا مثلما هو الحال بعد الثورة، وهو ما يؤكد ما عاشته مؤسسات الدولة من ضعف ووهن خاصة في فترة حكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة الإسلامية التي سمحت بظهور الفكر المتشدد الداعي والمؤيد للزواج العرفي، كما قابل انتشار الفكر السلفي وتزايد مؤيديه ارتفاع في نسب المتزوجات عرفيا.

الانتشار الواسع للزواج العرفي كأحد صيغ الزواج غير القانوني بات بارزا للأنظار رغم غياب إحصائيات رسمية تقدم نسبه الحقيقية نظرا لأنه يحاط بسرية تامة من قبل الطرفين والمحيطين بهم خوفا من التتبع القانوني، إلا أن التونسيين أصبحوا يسمعون ويرون عددا هاما من المتزوجين عرفيا الذين يعيشون بينهم أو يعلمون ببعض الحالات في وسائل الإعلام التي طرحت القضية بطرق مختلفة وهو ما خلق وعيا مجتمعيا بتسرب ظاهرة جديدة على المجتمع قد تنخر كيانه.

تطالعنا مؤسسات المجتمع المدني وبعض الدراسات الجامعية بأرقام متفاوتة لكنها تقدم صورة توضيحية عن حجم الظاهرة. وقد كشفت بعض الجمعيات التي تناولت الموضوع أن ظاهرة الزواج العرفي انتشرت في صفوف تلاميذ وتلميذات المعاهد الثانوية الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و19 سنة بعد أن استفحلت في صفوف طلبة الجامعات.

كما أظهرت دراسة اجتماعية أعدها مجموعة من الطلبة يدرسون في خمس كليات عام 2015 أن ظاهرة الزواج العرفي انتشرت بنسبة 37 بالمئة في صفوف السلفيين بصفة عامة وبنسبة 83 بالمئة في صفوف الطلبة السلفيين في الجامعات التونسية وبنسبة 23 بالمئة في صفوف الطلبة المتعاطفين معهم. ووفق نتائج الدراسة فإن حالات هذا الزواج تتراوح ما بين 650 و750 حالة في صفوف الطلبة وما بين 250 و350 حالة في صفوف غير الطلبة.

وبعيدا عن حجم الظاهرة حسابيا فإن الثابت أن الانعكاسات السلبية للزواج العرفي لا تقف عند هدم بنية المجتمع وثقافته أو عند المساس بمبادئ تكوين أسرة سليمة الأركان أو عند إنجاب أبناء لا يتمتعون بصفة الابن الشرعي ولا عند انتهاك الدستور بل تتجاوزها إلى ما يهم تغيير نمط معيشة معين وثقافة مجتمعية متجذرة في المجتمع التونسي بما فيها من عادات وتقاليد توارثها التونسيون وحرصت النساء على المحافظة عليها لأنها ترسخ قيمتهن ومكانتهن في المجتمع والأسرة.

الأزمات الاقتصادية التي يمر بها المجتمع التونسي والظروف الاجتماعية السيئة أدت إلى تراجع إقبال الشباب عموما على الزواج القانوني
هذا ما يحيلنا على صحة ما يتردد في تونس ما بعد الثورة وبعد صعود التيارات الإسلامية وما تبعها من تغلغل الفكر المتشدد بأن مكاسب المرأة التونسية في طريقها للتراجع ومكانتها في المجتمع باتت مهددة أكثر من أيّ وقت مضى ومن بين هذه التهديدات الزواج العرفي الذي يجردها من حقوقها الأسرية في مقابل الظفر بزوج.

من جانب آخر يشي انتشار الزواج العرفي في تونس إلى التردي المتواصل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وما ينتج عنه من ازدياد نسب بطالة الشباب التي تخلف عجزهم على الإقدام على الزواج الرسمي وتكوين أسرة وعدم قدرتهم على تحمل مسؤولياتها المادية ونفقاتها وهذه الظروف ازدادت صعوبة وقسوة بعد الثورة في ظل الاضطرابات السياسية والأمنية وتواتر العمليات الإرهابية التي ألحقت أضرارا جسيمة باقتصاد البلاد.

فالمشاكل الاجتماعية مثل الانحراف وانتشار العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج وتزايد أعداد المواليد غير الشرعيين إلى جانب ارتفاع حالات الأمهات العازبات وانتشار الأمية والتسرب المدرسي والفقر والتهميش وغيرها وفرت أرضية خصبة لغرس فكر جديد يوهم الشباب الأعزب العاجز عن الزواج والفتيات اللاتي تدركن صعوبة الزواج والفارات من الوقوع في العنوسة المتصاعدة في صفوفهن بأن الحل يكمن في الزواج العرفي ويشجعهم عليه بمقولات تستمد مشروعيتها من فتاوى دينية متطرفة تقر بأن الزواج العرفي حلال وصحيح شرعا وتحرضهم على ضرب المنظومة القانونية في البلاد التي تنظم الزواج.

هذا ولا نغفل عن الجانب الفكري والثقافي ذلك أن غياب أو ضعف الثقافة الدينية لدى مختلف فئات المجتمع من متعلمين أو أميين ن سهّل على مؤيدي التيارات السلفية والساعين لتغيير أسلوب العيش في المجتمع التونسي والراغبين منهم في تطبيق رؤيتهم للشريعة الإسلامية إقناع التونسيين بشرعية الزواج العرفي وتقديمه خاصة للفتيات على أنه حلال ويجنبهن الدخول في علاقات جنسية محرمة، وأنه قادر على تجنيبهن نظرة المجتمع القاسية على أنهن متحررات يربطن علاقات عاطفية محرمة وهو ما يوفر لهن راحة نفسية من خلال إيهامهن بأنهن سوف يتجنبن الوقوع في المحرمات وسيحافظن على دينهن وعلى علاقاتهن العاطفية في آن، كما يعلقن آمالا كبيرة على هذا الزواج لكونه قد يمثل خطوة أولى نحو الاستقرار والنجاة من العنوسة.

الأزمات الاقتصادية التي يمر بها المجتمع التونسي والظروف الاجتماعية السيئة أدت إلى تراجع إقبال الشباب عموما على الزواج القانوني، وليس هذا من باب التبرير للوقوع في زواج ممنوع قانونيا وشرعيا خاصة بالنسبة إلى المرأة لأنه يعد علامة على مزيد تردي وضع المرأة وتراجع مكاسبها وحقوقها الاجتماعية والأسرية، وهو دليل أيضا على فقدان الضوابط القانونية والاجتماعية لقيمتها لدى الفرد من حيث تقنينها للعلاقات بين الجنسين حيث لا يسمح بممارسة الجنس خارج إطار الزواج ولو بإباحة تقدمها بعض الفتاوى الدينية تحت عنوان الزواج العرفي.

هذه العوامل مجتمعة جعلت المرأة التونسية تنخرط في دائرة الزواج العرفي رغم أنه لا يستجيب للشروط القانونية والمدنية التي تضمن حقوقها كزوجة ما يجعلها الضحية الأولى له. فأغلب المتزوجات عرفيا يجدن أنفسهن في وضع قانوني واجتماعي أقل ما يوصف به أنه سيء بسبب تخلي الطرف الآخر عليهن أو عدم اعترافه بالأبناء (إن وجدوا). فهي من ناحية تصبح محل تتبع قانوني وتسلط عليها عقوبات جزائية ولا تجد سندا قانونيا يساعدها على ضمان كفالة الزوج بنفقاتها ونفقات الأبناء، ومن ناحية أخرى تقابل برفض مجتمعي وأسري لأن المجتمع يلومها أكثر من الرجل على قبولها بهذه الصيغة من الزواج الذي يظل مرفوضا مجتمعيا تجاوبا مع تقييم رجال الدين المعتدلين له حيث يعتبره أغلبهم محرما ويرونه زنا مغلفا بغطاء ديني.

وبعيدا عن التبريرات بتأخر سن الزواج أو بالعنوسة أو بالتدين وتبنّي فكر يؤمن بصحة صيغة الزواج العرفي ومهما كانت أعذار قبول الفتاة بالزواج العرفي فإنها تحط من قيمتها كمواطن وفرد له حقوق مدنية يضمنها له الشرع والقانون. الزواج العرفي يهدر حق المرأة في حياة زوجية كريمة تضمن لها أبسط الحقوق المادية والمعنوية وهي بذلك تساعد الآخر على استغلالها بشتى الطرق وتجعل نفسها في موضع دوني.

صحافية من تونس

20