الزواج المصري.. فرعوني المذاق والعادات

الكثير من العادات والتقاليد التي يمارسها المصريون اليوم تمثل صدى لممارسات الحضارة الفرعونية، والتي كانت بمثابة الوعاء الثقافي الذي لا يزال تأثيره ممتدا إلى الحاضر، ولعل أبرز تلك العادات طقوس الزواج وتقاليده، حيث كان للزواج في مصر القديمة الكثير من العادات المتشابهة مع عادات اليوم خاصة في صعيد مصر، منها على سبيل المثال إجراءات الزواج، وإقامة الأفراح والولائم، وشهدت هذه الاحتفالات عزف الموسيقى ولعب الرجال بالعصي “التحطيب” وإشعال البخور.
الاثنين 2016/01/04
الفرعوني مازال ماثلا في عادات المصريين

القاهرة - الزواج الفرعوني كانت له قواعد وأعراف لا تزال آثارهما متواجدة حتى الآن، كولي العروس والعقد والمهر والقائمة والمؤخر، وكانت السمة الأهم في الزواج عند المصريين القدامى هي تفضيل الزواج بين الأقارب والمعارف، ضمانا للمعرفة بالأصل وتقارب المستويات الاجتماعية وتزكية لصلات الرحم.

كان الزواج في مصر القديمة يتم على أساس عقد مكتوب، تكتب فيه حقوق الزوجة ومهرها ومعاشها، حيث يتم فيه الاتفاق على قيمة الصداق من الأوزان الفضية والأشياء العينية من قِبَل العريس، ويلتزم بإعالة العروس في حضوره وغيابه، ويقرّ بحق أبنائه منها في وراثته، وتعويض مناسب يدفعه إليها إذا انفصل عنها، على أن يتم ذلك بالتراضي وبشهادة الشهود.

وإذا لم تكن العروس من الأقارب أو المعارف، يشترط الأبوان بحسب ما ذكره الحكيم “بتاح حتب” أن تكون معروفة بين أهل بلدتها، ونصح الحكيم “عنخ شاشنقي” ولده قائلا له “احذر أن تتخذ فتاة سيئة الطبع زوجة، حتى لا تورث أبناءك تربية فاسدة”، كما نصح أبا البنات بقوله “تخير لابنتك زوجا عاقلا، ولا تلتمس لها زوجا ثريا”، وهو ما يتفق مع تقديس المصريين القدماء للحياة الزوجية، حيث يعتقدون بقوة وتبجيل بخصوصية العلاقة بين الشريكين، وهو ما وصل إلى دفن الزوجين بجوار بعضهما البعض في نفس المقبرة.

وغالبا ما يمهر الزوج زوجته بما يُسمى بـ”شبن سحمة”، أو “هبة البكر”، وهو صداق يتناسب مع مستواهما وعصرهما، سواء كان معجلا أو مؤجلا، وتدخل الزوجة بيت الزوجية بمنقولات مناسبة تُسمَّى “نكتون إرحمة” أو “نكتون سحمة”، تمثل أمتعتها أو جهازها الذي تحتفظ بملكيته الخاصة، ويحق لها استرداده إذا ما طلقها زوجها أو مات.

الزواج الفرعوني كانت له قواعد وأعراف لا تزال آثارها متواجدة حتى الآن، كولي العروس والعقد والمهر والقائمة والمؤخر

بعد الاتفاق على شروط الزواج تقدم دبلة الخطوبة المصنوعة من الذهب، والتي كان يطلق عليها “حلقة البعث”، وكانت ترتديها العروس في اليد اليُمنى وتُنقل بعد الزواج إلى اليد اليسرى كرمز لدوام العشرة والإخلاص، وتُكتب في بداية طقوس ومراسم الزواج قائمة بكل المنقولات التي تمّ تجهيز العروس بها قبل انتقالها إلى منزل الزوجية، تشمل كل ما أحضرته من حُلي وأدوات زينة وقلائد، ويُجرى عقد القران بصيغ الإيجاب والقبول، فيقول العريس لعروسه “اتخذتك زوجة”، وهي تقول “اتخذتك زوجا”، و تزين القاعة في الزفاف بزهور الياسمين، حيث كان يعتقد الفراعنة بأن زهر الجنة ورائحته هي رائحة الجنة، وكان يطلق على المكان الذي يجلس فيه العروسان اسم “الكوش”.

سن الزواج عند الفراعنة يبدأ من 15 عاما للرجل و12 عاما للفتاة، وتتم الطقوس بأن يؤدي الشاب القسم بالفرعون على مكيال محدد من الفضة والغلال اللتين يقدّمهما كمهر لعروسه مُتعهِّدًا بالإيفاء بكل الالتزامات الواجبة عليه نحو زوجته، وكانت طقوس الزواج تتمّ في المعبد، ويقوم الكاهن بتوثيق عقد الزواج بين طرفي العقد، العريس ووالد العروس، بحضور الشهود الذين يبدأ عددهم من 3 حتى 15 شاهداً، وكان يتم ذلك بعدم حضور العروس.

وبالرغم من تقديس المصريين القدامى للحياة الزوجية، فقد انتشر تعدُّد الزوجات بين الفراعنة والملوك بدرجة أكبر من العامة، حيث تزوج رمسيس الثاني من عدّة زوجات كانت أشهرهن نفرتاري، وتزوج خوفو أكثر من واحدة أيضا، أما أمنحتب الثالث فقد كان متزوّجا من تي، وحيلوخيبا الميتانية، وكذلك الأمير “مري رع” كان متزوجاً من ستّ زوجات، وتحتمس الثايى تزوّج من حتشبسوت وإيزة أم تحتمس الثالث.

عادات راسخة

وبنسبة ليست كبيرة كان الطلاق موجودا في مصر القديمة، في حالة استحالة استمرار الحياة الزوجية بين الزوجين، وكانت هذه الطريقة لإنهاء الخلافات وبالتبعية إنهاء الحياة الزوجية المشتركة بشكل معروف ومشروع، حيث كانت العصمة في يد الرجل، وكانت صيغة الطلاق تقول: “لقد هجرتك كزوجة لي، وإنني أفارقك وليس لي مطلب على الإطلاق، كما أبلغك أنه يحل لك أن تتّخذي لنفسك زوجا آخر متى شئت”.

ويقول نزيه سليمان، الخبير في علم المصريات، إن المصري القديم كان ينظر إلى الزواج على أنه رباط مقدس تشهده الناس ويشهد عليه الإله، فلابد من أن يكون الزواج على أساس اختيار صالح حتى يستطيع كلا الطرفين العناية بالآخر، وتوفير جو من الحب لتنعم الأسرة بالسعادة والاستقرار، موضحا أنه كان يفضل الزواج من الأقرباء وأهل البلدة الواحدة، وكان على الزوج أن يهيئ لزوجته منزلاً، ويكون مسؤولا عن مأكلها وملبسها، وألا يؤذيها بالضرب أو يخونها أو يتزوج عليها، أما الزوجة فكان عليها أن تطيع زوجها وتهيئ له الحياة السعيدة، وعليها أيضا أن تتحلى بالفضيلة وألا تخون زوجها، مؤكدا أن الزواج في مصر القديمة كان يقوم على الحب والتعاون والإخلاص؛ لذلك نجحوا المصريون في إنجاب أجيال حملت راية الحضارة وأنارت العالم بالعلم والمعرفة.

أما أحمد عامر، الباحث الأثري، فيوضح أن مصر القديمة لم تتمسك بالفوارق الطبقية والعرقية الحادة في شؤون الزواج والعلاقات الإنسانية، وإنما كان التمايز بين الأسر في المجتمع على أسس اعتبارية من اختلاف المستويات الثقافية والإمكانيات المادية أكثر مما سواهما، لافتا إلى أنه كان الأب نفسه هو الذي يتلقى طلب العريس للاقتران بابنته، وقد تكون له بعض التحفظات، مثل أن وقت زواجها لم يحن بعد، وأن تكون للمتقدم للزواج وظيفة مناسبة قبل أن تُزَفَّ إليه.

وتابع عامر: ولي أمر العروس كان ينوب عنها في إجراء عقد القران إلى ما قبل القرن السابع قبل الميلاد، ثم أُبيح للعروس أن تحضر العقد بنفسها، وكان الزواج المبكر مُستحَبا في أغلب الحالات، طالما توافرت له أركانه الأساسية، مشيرا إلى أنه لم يتضح في وثائق العصور الفرعونية ما ينص صراحة على طقوس دينية تصحب إجراءات الزواج في المعبد أو في المنزل.

12