الزواج حلم صعب المنال بين شباب الموصل

خبراء يتفقون على أن أسباب العزوف عن الزواج في العراق تتمثل في ارتفاع نسبة الفقر وتفشّي البطالة، وانخفاض مستوى دخل الشباب.
الجمعة 2018/05/18
من تقدم بها العمر قلت فرصها

الموصل (العراق) – تعيش الشابة العراقية خلود الحاصلة على شهادة جامعية مع عائلتها في انتظار “فارس الأحلام” مثل حال الآلاف من الفتيات في مدينة الموصل بشمال العراق، التي تعرضت لدمار شبه كامل خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها لثلاث سنوات.

تقول خلود (24 عاما) التي أكملت دراستها في جامعة الموصل قبل عامين، وهي تضع حجابا بنيّا يغطي رأسها بالكامل، “لم أجد زوجا ولا عملا، وأقضي يوميا كل الوقت في أعمال البيت الروتينية”.

وتضيف بحزن رغم ابتسامتها، “أختي الكبرى عمرها 37 عاما تزوجت وهي في الثامنة عشرة ولديها الآن أربعة أطفال، أنا في الرابعة والعشرين والفرص متاحة أمامي، لكن الفرص أقل بالنسبة إلى أختي الأكبر مني والبالغة 29 عاما”.

كانت الموصل قبل أن يتخذها الدواعش عاصمة لما يسمى بدولة “الخلافة”، معروفة بتقاليد محافظة ومتشددة. وكان من النادر أن تبقى فيها شابات في العشرينات من دون زواج أو خطوبة.

واليوم، بعد خروج المدينة من معارك ضارية مدمرة استمرت تسعة أشهر، بدأت حركة إعادة بناء خجولة إلا أن المهمة كبيرة، فقد دمرت المعارك 21500 مبنى بالكامل أو جزئيا، على ما تفيد به السلطات العراقية.

لم يعد بمقدور الشباب تأمين ما يكفي من المال لتغطية متطلبات الأسرة ولا حتى ما يغطي تكاليف المهر وحفلة الزواج.

كذلك لا تستطيع الفتيات حتى الحاصلات منهن على شهادات جامعية، تقديم المساعدة لتغطية ما تحتاجه الأسرة لأنهن عاطلات عن العمل في غالبيتهن.

ويتفق الخبراء على أن أسباب العزوف عن الزواج في كل العراق تتمثل أساسا في ارتفاع نسبة الفقر وتفشّي البطالة، وكذلك انخفاض مستوى دخل الشباب الذي يجعله غير قادر على توفير مستلزمات إقامة أسرة وتحمل المسؤوليات المادية الجديدة.

يقول مؤمن عبدالله، إنه “يحلم بالزواج”، لكن رغم بلوغه الثامنة والثلاثين من العمر، مازال يعيش في “بيت الأهل مع سبعة أفراد” ولا يكفي دخله المحدود من عمله كسائق سيارة أجرة إلا للمساهمة في إيجار المنزل.

يتحدث هذا الشاب بحزن وخيبة أمل واضحة وهو يجلس في مقهى مزدحم بشباب يحلمون بمستقبل زاهر، قائلا “حصلت على شهادة في الاقتصاد منذ أعوام، لكن هذا لم يساعدني على تحقيق حلمي” بالزواج.

لم يعد بمقدور الشباب تأمين ما يكفي من المال لتغطية متطلبات الأسرة ولا حتى ما يغطي تكاليف المهر وحفلة الزواج

وتقول إشراف إسماعيل وهي من كوادر الرعاية الاجتماعية للمرأة، إن “البطالة وتوقف صرف الرواتب لفترة طويلة حالا دون تحقيق رغبة الكثير من الشباب في الزواج وبناء أسرة”. من أجل معالجة هذه المشكلة الاجتماعية، بادرت النائبة في البرلمان عن محافظة نينوى جميلة العبيدي بتقديم مقترح لقانون غير مسبوق إلى مجلس النواب.

وقالت العبيدي، إنها تسعى لسن قانون “يخصص خمسة ملايين دينار (حوالي أربعة آلاف دولار) لكل رجل يرغب في الزواج فضلا عن مليون دينار (حوالي 800 دولار) عندما عن كل طفل يرزق به”.

وفرضت العبيدي في مشروع القانون الذي لم يقر بعد لكن دعمه حتى الآن 70 نائبا، شرطا واحدا هو أن تكون الزوجة “تجاوزت العمر التقليدي للزواج أو مطلقة أو أرملة فقدت زوجها جراء الحرب ضد الإرهاب”.

وفي حال إقرار هذا القانون، قد يتحقق حلم ريم (38 عاما) التي قالت، “لا أعتقد أني سأتزوج بعدما تقدم بي العمر، عندما

كنت صغيرة رفضت شبانا كثيرين تقدموا لخطبتي على أمل إكمال الدراسة والعثور على فارس الأحلام، إلا أن الفرصة اليوم أصبحت نادرة”.

الحالة الأمنية غير المستقرة في البلاد جعلت الشباب يخافون الزواج والإنجاب في ظل مستقبل مجهول، لذلك يفضل البعض الزواج من امرأة تساهم في اقتصاد البيت، وهو ما لم يكن يفضله أغلب العراقيين في السابق.

وترى الباحثة الاجتماعية مناف خالد (32 عاما)، أنه بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة “يفضل الكثير من الرجال الزواج من امرأة تعمل لتساعد في تغطية مصروف البيت”.

عوامل نفسية واجتماعية منها الخوف والرهبة من الزواج بسبب حالات الطلاق والخلافات والعنف الذي يعيشه العديد من الشباب والفتيات في منازلهم، وفقدانهم المحبة والمودة والاستقرار الأسر تجعل الشباب يعزف عن خوض التجربة.

ويرى المختصون في علم الاجتماع، أن هناك سلة من الحلول للتشجيع على الزواج وإعادة الأمل إلى الذين فقدوه في تأسيس أسرة، منها تيسير الزواج وخفض المهور وتقليل الطلبات قدر الإمكان، وبعث صناديق زواج لدعم الشباب المقبلين على الزواج ماديا.

إقامة حفلات الزواج الجماعي من الحلول التي يقترحها الباحثون ما يخفض المصاريف بالنسبة للشباب المقبل على الزواج، مؤكدين على أن الزواج الجماعي يحد من ظاهرة تأخير الزواج بين الشباب.

وبهدف دعم الزواج وتشجيع الشباب على هذه الخطوة، تعهدت بعض المنظمات المحلية بتغطية النفقات الأساسية في إطار زيجات جماعية.

وتولى حميد زبار (45 عاما) الذي يدير إحدى هذه المنظمات، جمع تبرعات لتنظيم حفلة زواج جماعي لعشرة أزواج أقيمت في قاعة احتفالات بالموصل في حضور المئات من المدعوين.

بين هؤلاء الأزواج، محمد سامي الذي يعمل حدادا بأجر يومي (27 عاما) يكفيه بالكاد لتأمين ضروريات الحياة. ويبدو محمد سعيدا رغم عدم تمكنه من شراء بدلة له أو فستان الزفاف لزوجة المستقبل.

20