الزواج من أجل الإنجاب يكشف تغير نظرة الفتيات للأسرة

المجتمع تعرّف على فكرة الزواج من أجل الإنجاب عبر الأفلام والمسلسلات التي كسرت حاجز الخوف ومنحت قطاعا من الفتيات يتسمن بالترف والهروب من مسؤوليات الزواج وأعبائه، فلا يردن منه سوى إنجاب طفل.
الثلاثاء 2019/01/22
الاختلاف بين الأجيال

خرجت فكرة الزواج المشروط بإنجاب الأطفال من دهاليز السينما والدراما إلى أرض الواقع لتكشف عن تغير أفكار الجيل الجديد من الفتيات عن الزواج، فلا يردن منه سوى اقتناص الأمومة فقط دون الدخول في علاقة دائمة تفرض عليهن نمطا من المسؤوليات الأسرية أو تقلل من حرياتهن الشخصية.

القاهرة - ظلت المجتمعات العربية محافظة على النسق الأسري بمفهومه المعتاد من زوج وزوجة وأطفال في ارتباط بعلاقة الشعور الواحد المترابط والمساعدة المتبادلة، والمساهمة معا في نشاط مادي وعقائدي واقتصادي في المجتمع، قبل أن يتعرض ذلك المفهوم للهجوم مع رواج متزايد لأفكار الأم العزباء والزواج المنتهي بالإنجاب.

وتتخذ بعض الفتيات من معدلات الطلاق المرتفعة في المجتمعات العربية ذريعة لانتقاد فكرة بناء الأسرة التقليدية التي تنتهي بامرأة تتولى مسؤولية تربية أبنائها بمفردها دون زوج، حيث يعتبرن الزواج المشروط بالإنجاب أفضل بتحديده المسبق لمسؤوليات الرجل والمرأة والسلاسة في الانتهاء دون الدخول في دعاوى قضائية حول الحضانة والنفقة.

ويضم المجتمع المصري نحو أربعة ملايين مطلقة، وبذلك تحتل مصر مرتبة متقدمة في معدلات الطلاق حيث تحفل المحاكم المختصة بمئات الآلاف من الدعاوى القضائية المتعلقة بتراخي الأزواج عن النفقة أو امتناع الأمهات عن الرؤية ونزاعات الحضانة.

وأمام محكمة الأسرة المصرية بحي 6 أكتوبر بالجيزة القريبة من القاهرة، يقف “فادي” ينتظر موعد النظر في دعوى نشوز أقامها ضد زوجته، أكد فيها أنها ارتبطت به لتحقيق حلم الأمومة فقط، وبعد حملها صارحته برفضها تأسيس أسرة بالمعنى الطبيعي ولا تريد البقاء مع رجل يلاحقها بطلباته، ولا تريد استكمال العلاقة.

وتلخص الدعوى جدلا حول الساعة البيولوجية وخشية الكثير من الفتيات أن يتقدم بهن العمر وتتضاءل فرص الإنجاب بعدها فيقررن الزواج من أجل أطفال ثم الطلاق والعيش بعد ذلك بحرية، والكثير منهن لا يبالين مقولة “فاتها قطار الزواج” فالأهم أن يظل قطار الإنجاب بالمحطة.

وتقول “مروة ع.”، معدة برنامج بإذاعة خاصة في مصر، إن الزواج بات مشروعا فاشلا بالنسبة لبعض الفتيات، طالما يمتلكن عملا، فلا داعي لأن تؤسس إحداهن أسرة بالمعنى التقليدي تتحمل فيها كل المتاعب، خدمة لرجل لا يشاركها الأعباء ويتحكم في قراراتها، لذلك فالحمل للزواج وسيلة أخلاقية مشروعة لإشباع رغبة الأمومة، وتجد السيدة من يقف بجوارها عندما تتقدم في العمر.

وتؤكد أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، سامية خضر، لـ“العرب” أن المجتمع تعرّف على فكرة الزواج من أجل الإنجاب عبر الأفلام والمسلسلات التي كسرت حاجز الخوف ومنحت قطاعا من الفتيات يتسمن بالترف والهروب من مسؤوليات الزواج وأعبائه، فلا يردن منه سوى إنجاب طفل.

كان فيلم “بشتري راجل” للفنانة نيللي كريم ومحمد ممدوح الذي تم عرضه منذ عامين أول من سلط الضوء على تلك الفكرة بإعلان شابة عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تطلب فيه متبرعا بحيواناته المنوية مقابل مبلغ مادي لتستطيع تحقيق حلمها في الأمومة بطريقة شرعية.

وأعاد المسلسل المصري “سابع جار” تقديم الفكرة ذاتها قبل عام بشخصية هالة التي تريد ابنا دون زواج لإصابتها بعقدة نفسية من أحوال أسرتها بتصرفات والدها محترف النصب وأمها السلبية التي ترفض تطليقه،  لتعرض على أحد مرؤوسيها في العمل الارتباط بزواج مشروط بحملها.

وتضيف مروة، أن “الزواج المنتهي بالإنجاب معادل للجوء المرأة الراغبة في الأمومة بالدول الغربية إلى بنوك الحيوانات المنوية التي تعطيها ميزة التحكم في شكل الجنين الذي تريده باختيار الصفات الوراثية للرجل، ولو كان الأمر مباحا لكنت قد لجأت إليه واخترت صفات وراثية أوروبية لأبنائي”.

مآرب المقبلات على الزواج المنتهي بالإنجاب متعددة، فبعضهن يحلمن بالأمومة، وأخريات يهربن من الفقر بزيجة تضمن لهن شقة

ويكشف خروج تلك الفكرة إلى أرض الواقع عن تغييرات عميقة حول مفهوم الأسرة لدى بعض الفتيات، اللاتي يتمسكن بأن تكون الأمومة عبر الزواج وليس خارجه انسجاما مع النسق الأخلاقي للمجتمع فقط، وحفاظا على سمعتهن بتحاشي الاتهام بالزنا أو وصم أبنائهن بالسفاح.

ولا يعطي القانون للمرأة حق تسجيل الابن باسمها حال حدوث حمل خارج الزواج ما يدفعها إلى رفع دعوى قضائية لإثبات نسبه تستغرق شهورا بالمحاكم وتكلفة مالية مرتفعة لإجراء تحليل الحمض النووي (دي.أن.أي) للأب، والذي يعد مكملا فقد لا يعتد بنتيجته القضاة، ويتم تسجيل الابن غير الشرعي رسميا باسم جدّه لأمه حتى يستطيع الحصول على حقوقه الصحية والتعليمية.

ويقول المحامي ومدير مركز القاهرة للدراسات الجنائية، أحمد مهران، إن الزواج بغرض الإنجاب بات مشكلة متكررة فمكتبه يتلقى عددا من الرجال يواجهون دعاوى تطليق وخلع بمجرد ولادة زوجاتهم في محاولة للحفاظ على حقوقهم المالية وسط منح القانون الحاضن حق الاحتفاظ بالمسكن.

وتحفل محاكم الأسرة بمصر بدعاوى قضائية تؤكد تنامي تلك الفكرة، مثل قضية أمام محكمة مصر القديمة حول زوجة رفعت دعوى خلع بعد عام من الزواج والإنجاب دون سبب وبعد انتهاء فترة العدة تزوجت عرفيا من حبيبها الأول في الشقة ذاتها، وآخر يتهم زوجته السابقة باحتراف الطلاق بعد الإنجاب واستيلائها على ثلاث وحدات سكنية.

ويوضح مهران لـ“العرب”، أن تكرار تلك الدعاوى القضائية سببه ارتفاع معدلات الفقر والعنوسة، فالمرأة حال طلاقها تحصل على حضانة الأطفال والوحدة السكنية ونفقة شهرية تتحدد وفقا لدخل الزوج حتى لو كانت عاملة أو ثرية، ما يجعل البعض يعتبر ذلك النمط من العلاقة مشروعا مربحا.

ووفقا لإحصائية لمكاتب تسوية النزاعات بمحاكم الأسرة بمصر، قدم نحو ستة آلاف رجل شكاوى خلال عام 2017 يتهمون فيها زوجاتهم بالتحايل على القانون لسلبهم.

وتشير سامية خضر لـ“العرب”، إلى أن الأطفال يدفعون ثمن التفكير المستوحى من المجتمعات الغربية ومصطلحات دخيلة كالأم العزباء (أو السنغل مازر)، والتقليد الثقافي الأعمى للخارج في نمط ثقافته أو حتى في الاقتناع بنمط حياته، كإشادة البعض بالعلاقة الكاملة بين الجنسين قبل الزواج، بما يمثل اختبارا لمدى قدرتهما على التعايش معا حال زواجهما مستقبلا.

وتتعدد مآرب المقبلات على الزواج المنتهي بالإنجاب بين نفسية واجتماعية واقتصادية، فالبعض منهن يعشن في صراع مع الوقت خوفا من زيارة لطبيب يتأكد إثرها فقدان حلم الأمومة نهائيا، وأخريات يهربن من الفقر بزيجة قد تستمر عاما تضمن لهن شقة ونفقة، وفريق ثالث لا يريد سوى دمية ناطقة يتلاعب بها وأن تحمل فقط لقب “أم”.

21