الزواج من السوريات في تركيا: استقرار وطاعة دون تكلفة

لم تعد معايير اختيار الزوجات من قبل الرجال الأتراك تخضع إلى منطق بناء الأسرة والاستقرار والحب وغيرها من الأعراف والقوانين المتفق عليها بخصوص الزواج داخل المجتمعات، بل إن ظاهرة إقبال الرجال الأتراك على الزواج من اللاجئات السوريات، عرّت النظرة النفعية للرجل التركي الذي يبحث عن مهر رخيص وزوجة مطيعة باحثة عن قشة نجاة من شظف الحياة.
الأربعاء 2015/10/14
زواج فيه منافع كثيرة

أنقرة- تشير البحوث السوسيولوجية إلى أن ظاهرة الزواج بين الأتراك والسوريين ليست جديدة ولم تنتظر مناسبة الأزمة السورية منذ أربع سنوات لكي تظهر، بل إن أصول الروابط الأسرية بين الأتراك والسوريين قديمة. ولكن ساهمت الحرب الدائرة في سوريا في إذكاء هذه الروابط ودعمت آلية الزواج. وقد كشفت هذه الظاهرة عن العديد من الهنات المجتمعية التركية، وأول تلك الهنات استغلال رغبة الرجال الأتراك في الزواج بالسوريات للعمل كوسيط بين العريسين.

ويفيد الصحفي التركي محمد داود أون المش أن أشخاصا يتقنون لغتين التركية والعربية يأخذون أجورا مقابل عملهم كـ”دلالة” (تقوم بالبحث عن عروس)، حيث يأخذون نسبة من المهر بعد إرشاد الأتراك للزواج من السوريات.

وقد تسبب هذه الظاهرة ـ أي زواج الأتراك من سوريات ـ إشكالات اجتماعية عميقة خاصة في مناطق التماس مع سوريا. وتشير الصحفية التركية زهراء كرمان إلى أنه عادة ما تتحدث الصحافة التركية عن ازدياد حالات الطلاق شرق تركيا، بسبب إقبال الأزواج الأتراك على البحث عن سورية والارتباط بها بطريقة الزواج العرفي، وهو ما يعد مخالفا للقانون التركي الذي يمنع تعدد الزوجات، فتلجأ الزوجة الأولى إلى المحاكم طالبة الطلاق.

وتقول شيماء غورساس، رئيسة اتحاد شؤون الأطفال والنساء بمحافظة كلس، جنوب تركيا، إن حالات الطلاق تضاعفت مع بدء المشكلة السورية بالتفاقم عسكريا وازدياد أعداد اللاجئين في تركيا، وهو ما تسبب في زيادة إقبال الأتراك على الزواج من اللاجئات السوريات بالمدينة، مما جعل التركيات يطلبن الطلاق. وتلفت غورساس إلى أن الوضع العائلي واقع تحت تهديد حقيقي وأن التركيات يعانين من مشكلة إقبال أزواجهن على الزواج من سوريات.

زواج الأتراك من اللاجئات السوريات كشف العديد من الهنات المجتمعية ورفع من نسب طلاقهم من التركيات

وبالإضافة إلى انخفاض تكاليف الزواج من السورية، نظرا للظرف الصعب الذي جعل أعدادا كثيرة منهن يلجأن إلى تركيا، فإن إغراءات أخرى قد تدفع الرجل التركي للزواج من السورية، إذ تؤكد الصحفية كرمان، أن بعض الأتراك يرون أن الزواج من سوريات أسهل وأوفر، بل إن باستطاعة الزوج التركي التعامل مع زوجته السورية وفق ما يريد لأن طبيعتها أكثر ليونة، “فهي تسمع كلام زوجها وتنفذ ما يريد عكس التركية التي تسير وراء قناعاتها الشخصية”.

وتشير كرمان إلى وجود أتراك يستغلون وضع السوريين الصعب بسبب الأزمة الدائرة في دمشق، لكنها تستدرك قائلة “القسم الأكبر من الأتراك يتزوجون عن قناعة وحب ونية صافية”. وتلفت إلى أن ضيق الحال وغياب المعيل للكثير من السوريات يدفعهن للموافقة على الزواج.

ومن بين المظاهر الأخرى للمشاكل الاجتماعية التي يخلفها زواج الأتراك من السوريات اللاجئات مع الأخذ بعين الاعتبار وقبل كل شيء سهولة الزواج، إذ تظن السوريات أن الزواج من تركي يحقق لهن استقرارا أكبر، مع أنه في غالب الأحيان لا يكون زواجا رسميا، وكثيرا ما يلجأ الأتراك للزواج بسوريات في حالات التعدد الزوجي، وهذه الحالة منتشرة بالجنوب التركي.

ومن ناحية أخرى فإن انخفاض تكاليف الزواج، بسبب عدم مطالبة السوريات بحفلة عرس يغري الأتراك للإقبال عليه، إذ أن قسما منهن يرغب بالستر فقط، ولأن مهر السورية يتراوح بين 1000 و1800 دولار وهو مهر أقل بكثير من مهر التركية. وترى كرمان أن زواج الأتراك من سوريات أو العكس يعود في أحد أسبابه إلى تجذر العلاقة بين الشعوب الشرقية التي فرقتها الحروب والمؤامرات، لتعود إلى لم شملها من جديد عبر رابط الزواج.

بعض الأتراك تشدهم طبيعة المرأة السورية فيقبلون على الزواج منها لأنها أكثر ليونة من المرأة التركية

وتعتقد بأن “التقارب الثقافي من أهم العوامل في إيجاد روح الوحدة والألفة بين الشعوب، فمن خلالهما تمتزج الثقافات وتأتلف القلوب وتنشأ علاقات القرابة والنسب، فتكون الشعوب كشعب واحد مرتبط بعلاقات متينة”.

ولئن كان الزواج مظهرا من مظاهر التقارب بين الشعوب والعيش المشترك، إلا أن شهادات حية تقول إن الزواج كان سببا من أسباب الانفصال والنفور أيضا، إذ يقول الشاب السوري اللاجئ في جنوب شرق تركيا صهيب حموي، إن هناك حالات زواج ناجحة وآخرى فاشلة، السبب الرئيسي في نجاح بعضها وفشل البعض الآخر هو المعيار الاجتماعي، فالبنت السورية والشاب التركي لغتهما مختلفة والعادات والتقاليد أيضا، وهو ما يعد من أبرز المشاكل التي تتسبب في فشل العلاقة الزوجية بينهما. ويرى حموي بأن هناك مشكلة في التعايش بين السورين والأتراك ومن الممكن أن يساهم الزواج في تقليصها أو إثارتها.

وعن عدد حالات زواج الأتراك بسوريات، لا توجد أرقام وإحصائيات دقيقة، إلا أن ناشطين سوريين يفيدون بأنه منذ العام 2012 تزوج ما يقرب من 5000 امرأة سورية من رجال أتراك، مشيرين إلى عدم وجود توثيق لحالات الزواج لأسباب يتعلّق بعضها بالقانون التركي.

وتتحدث الباحثة في المجال الاجتماعي السورية سلمى الدمشقية عن حالات زواج تتم دون تسجيل العقد بالمحكمة، مؤكدة أنها حالات كثيرة والأرقام بشأنها قليلة مع امتناع الأطراف المعنية عن التصريح بخصوص الموضوع. مشيرة إلى وجود هجرة بعد الزواج تكون باتجاه أوروبا لبدء حياة جديدة. وحسب الدمشقية فإن قانون الزواج من السوريات في تركيا يشجع الأتراك على الزواج منهن، وتفيد بأن هذا القانون هو عبارة عن عقد زواج يسجل قيمة المهر (بين 1000 و1800 دولار) باسم الزوجة السورية، وفي حالة الانفصال تأخذ الزوجة المهر، ولا يسمح للزوج برفض إعطائه، ويمنع الرجل التركي بعد الطلاق بواسطة المحكمة الزواج بسورية مرة أخرى منعا باتا.

12