الزواج والمثلية الجنسية: كيف يتعامل بابا الفاتيكان مع ما بعد الحداثة

لم تكتف تصريحات البابا الأخيرة بالوقوف عند إبداء موقفه من مسألة النوع الاجتماعي وتأثيرها السلبي على الزواج، بالرغم من تضارب التعريفات المتعلقة بهذا المفهوم، بل ركز البابا فرنسيس الأول أيضا على المثلية الجنسية وقال إنها استعمار أيديولوجي بالرغم من الأخذ والرد اللذين يشوبان هذا الموضوع. وفي كل الحالات، تعكس تصريحات البابا الموقف الديني من الحداثة وما بعدها، وهذا ما يعيد طرح أسئلة عديدة حول وضعية الإنسان في نمط اقتصادي واجتماعي كالذي نعيشه اليوم.
الاثنين 2016/10/03
شعبية تسمح للبابا بإقناع المترددين

تبليسي – يظهر من تتبع الخطاب الذي يعتمده بابا الفاتيكان فرنسيس الأول أنه يميل بشكل واضح إلى خيارات إستراتيجية طبعت الثقافة في أميركا اللاتينية، فرنسيس الأول هو كاردينال أرجنتيني ترعرع في وسط يغلب عليه الطابع الاجتماعي بشكل عام في أميركا الجنوبية وخاصة الأرجنتين.

وقد أثر ذلك في منطق تفكير البابا (جورج ماريو بيرغوليو) ما جعله دائم الحساسية إزاء الظواهر الاجتماعية الجديدة التي بدأت في اكتساح المجتمعات في أوروبا وغيرها من عزوف عن الزواج ومثلية جنسية (وهي ظاهرة قديمة لكنها تأخذ زخما أكبر في الفترة الحالية) وغيرهما من الظواهر الأخرى.

وقد حذر البابا فرنسيس السبت من “حرب عالمية” على الزواج التقليدي والأسرة قائلا إنهما يتعرضان لحرب بسبب الطلاق ونظرية النوع الاجتماعي. وجاء تعليق البابا ردا على سؤال خلال اجتماع مع الطائفة الكاثوليكية الصغيرة بمناسبة زيارته الأخيرة لجورجيا. ورد البابا على سؤال سيدة بشأن تدريس نظرية النوع في المدارس قائلا “ذكرت عدوا كبيرا للزواج: نظرية النوع الاجتماعي”. ولم يقدم البابا المزيد من التوضيح.

النوع الاجتماعي

تتبنى نظرية النوع الاجتماعي مقولة أن الشخص لئن كان من الناحية البيولوجية ذكرا أو أنثى فإن له الحق في تعريف نفسه اجتمــاعيا على أنه ذكر أو أنثى أو الإثنين معا.

أعاد بابا الفاتيكان الجدل الديني إلى المجال السياسي والفضاء العام في العالم المسيحي وأعاد صياغة الأسئلة بطريقة أعمق

لكن في سياق تضارب التعريفات للنوع الاجتماعي وفق الخطوط العامة لسياسات الدول الثقافية والاجتماعية، فإن تعريفا آخر كان قد أدرج في لوائح الأمم المتحدة يقول إن “النوع الاجتماعي هو مقاربة اجتماعية للوظيفة التي لدى الرجل والمرأة في المجتمع تقوم بتوزيع الأدوار بين الجنسين حسب مقتضيات المحيط الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي تفرضه بيئة ثقافية وشعبية ما في العالم”، وقد تم تبني هذه المقاربة منذ أواخر تسعينات القرن الماضي خاصة في دول أوروبية.

النقاش الذي احتدم بين الكنيسة والدولة حول هذه المقاربات الجديدة لم يفرضه أي طرف منهما في تاريخ المجال الحضاري الغربي الحديث، بل إن التطور السريع للطرق الإدارية وأنماط العمل وتقسيمه وكيفية التعامل مع الوظيفة في شكلها ما بعد الحداثي هي التي فرضت الكيفية التي يجب أن يكون عليها دور كل نوع اجتماعي أي دور كل من الرجل والمرأة في ما يتعلق بالأسرة والزواج والتصرف المالي العائلي وما إلى ذلك من التدبير اليومي للإنسان ما بعد الحداثي.

ويناقش البعض من المتخصصين في مجال العلوم الاجتماعية ما يطرحه بابا الفاتيكان من موقف متحفظ إزاء مقاربة النوع الاجتماعي بالقول إن “البابا ينظر إلى حياة الإنسان اليوم من زاوية ضيقة جدا وهي الزاوية الدينية ولا يعلم البابا كيف أن المرأة اليوم هي إنسان كامل ومندمج في المنظومات الاقتصادية بطريقة لا يوجد فيها أي تمييز بينها وبين الرجل” وذلك حسب الباحث الفرنسي في علم الاجتماع آلان سورال.

القول إن البابا ينظر إلى مسألة تحرير المرأة والنوع الاجتماعي من زاوية نظر دينية بحتة له ما يبرره في الخطاب البابوي.

ولئن كان ذلك الخطاب يميل إلى الانتصار للمتضررين من الأزمات الاجتماعية وللطبقات المسحوقة فإن وجهة نظره عادة ما تكون حذرة في ما يتعلق بالتطور الاجتماعي للجنسين والأدوار الموكولة إلى كل منهما في علاقة بنمط الإنتاج الاقتصادي العالمي.

أثرت ظاهرة العمل بشكل عام على الزواج في كل المجتمعات تقريبا ـ خاصة الغربية منها ـ بشكل لفت انتباه الفاتيكان ودفع المجتمع المقدس إلى شبه معاداة لتطور المجتمعات الحتمي.

وقال البابا في جورجيا “اليوم تشن حرب عالمية لتدمير مؤسسة الزواج، ليس بالأسلحة ولكن بالأفكار، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا ضد الاستعمار الأيديولوجي”.

كان البابا استخدم في السابق تعبير “الاستعمار الأيديولوجي” لإدانة ما سماه محاولات من الدول الغنية لربط مساعدات التنمية بقبول سياسات اجتماعية مثل تلك التي تسمح بزواج المثليين ومنع الحمل. ويبدي البابا قبولا للمثليين بدرجة أكبر من أسلافه لكنه يعترض على زواجهم. وقال البابا “إن الزواج هو أجمل شيء خلقه الله” مضيفا أن الكتاب المقدس قال إن الله خلق الرجل والمرأة ليشكلا جسدا واحدا. وفي الإجابة ذاتها قال البابا إن القبول المتنامي للطلاق يمثل تهديدا آخر للأسرة.

وتعد إشكالية المثلية الجنسية في سياقها المجتمعي الحالي مسألة تثير جدلا حتى في المجتمعات الغربية والولايات المتحدة الأميركية لما للأمر من اختيارات تبدو غير مطابقة للطبيعة البشرية على الإطلاق.

نظرية النوع الاجتماعي تقول إن الشخص، سواء أكان ذكرا أم أنثى، لديه الحق في تعريف نفسه اجتماعيا بشكل آخر

وفي هذا السياق، يمكن التأكيد على أن البابا فرنسيس الأول يعد من أبرز أعداء المثلية في صورة تقنينها والسماح لأن تكون مبدأ للزواج بين شخصين من الجنس نفسه. وللبابا فرنسيس تاريخ في هذا الصراع منذ أن كان كاردينالا في الأرجنتين، وقد عرف بذلك.

تاريخ من المعارضة

وصرح البابا فرنسيس (الكاردينال بيرغوليو) بأنه “يجب ألا نكون سذجا، هذه ليست فقط معركة سياسية، إنها محاولة للقضاء على مشيئة الله”. بهذه الكلمات عبر الكاردينال الذي أصبح بابا الفاتيكان سنة 2013، عن رأيه سنة 2010 فيما كان النقاش حول مشروع قانون زواج مثليي الجنس يبلغ أشده في الأرجنتين، حتى أنه تحدث عن “حرب ضد الله” لوصف دعم حكومة كريستينا كيرشنر لهذا التدبير، ما أدّى إلى غضب الرئيسة الأرجنتينية التي شبهت أقواله بأقوال “العصور الوسطى ومحاكم التفتيش”.

وبعد المصادقة على القانون، واصل الكاردينال بيرغوليو نضاله متبعاً استراتيجية مختلفة. ففي الواقع نقل ساندرو ماجيستر أحد أعضاء الكنيسة الأرجنتينية المقربين من بيرغوليو على مدونته المكرسة للأسئلة الكنسية، أن بيرغوليو اتخذ قرار الوقوف ضد القانون بالتوجه مباشرة إلى أعضاء الكنيسة بدلا من التهجم على السلطات.

وهكذا، كتب الكاردينال رسالتين موجهاً الأولى إلى راهبات أربعة أديرة كرملية في بوينس آيرس، والثانية إلى أحد المسؤولين عن العلمانية الكاثوليكية في جمهورية الأرجنتين.

وأوضح ساندرو ماجيستر أنه كانت لهذه الحركة تداعيات أكثر أهمية على الحياة السياسية في الأرجنتين. ففي حين أن الكاردينال بيرغوليو كان غائباً بالطبع عن البرلمان، إلا أنه اعتبر الخصم الرئيسي للمدافعين عن حق المثليين في الزواج والتبني. ويدخل هذا في سياق حذر البابا من عدم الدخول في جدل ديني اجتماعي تحت سقف المؤسسات السياسية لبلاده أو لأي دولة أخرى عندما أصبح بابا للفاتيكان وبهذه الكيفية، تكون تصريحات البابا عند الزيارات الرسمية أقرب إلى التصريحات الدبلوماسية لكن حربه الحقيقية يقوم بها في الفاتيكان أو لدى زياراته الميدانية للكنائس والأحياء في الدول التي يزورها.

لكن هذا لا يعفي فرنسيس الأول من أنه أعاد الجدل الديني الاجتماعي إلى المجال السياسي والفضاء العام في العالم المسيحي الأمر الذي أعاد طرح أسئلة أعمق من المسألة العلمانية بل إن النقاش اليوم تحول إلى التساؤل عن طبيعة المجتمع الخدماتي ما بعد الحداثي وطرح سؤال الأخلاق والطبيعة والدين وإنسانية الإنسان بعيدا عن منطق الدين.

7