الزواج يتشبث بما أنهته السياسة بين روسيا وتركيا

عادة ما يكون المهاجرون أكثر المتضررين من الأزمات بين الدول، وخاصة إذا كانت بين وطنهم الأصلي وبلد الاغتراب، هذا ما تعرضت له الكثير من الروسيات المقيمات في تركيا والمتزوجات من رجال أتراك، حيث تأثرت حياتهن الأسرية والاجتماعية بالمشاكل السياسية والدبلوماسية التي اندلعت مؤخرا بين البلدين، ووجدن أنفسهن مضطرات للتنظم في جمعيات، والانخراط في أنشطة مدنية تخول لهن التعاون من أجل إيجاد حلول لهذه الأوضاع، التي باتت تنغص عليهن حياتهن.
الأربعاء 2016/05/18
لا داعي للاهتمام كثيرا

أنقرة - قبل الصراع الحالي الذي تأجج بين تركيا وروسيا جراء الحرب الدائرة في سوريا، كانت تركيا تستقبل أكثر من 4 ملايين سائح روسي سنويا، ولكن لا يرجع جميعهم إلى روسيا فكثيرا ما تختار بعض الروسيات الاستقرار في تركيا. وبحسب الأرقام الرسمية فإن الحضور الروسي في تركيا تمثله النساء بشكل كبير مقارنة بالرجال.

وفي تصريح للموقع الإلكتروني الأميركي “ذي دايلي بيست”، قال البروفيسور فوغار إيمابالي من مؤسسة سيتا، وهي مؤسسة للبحوث الاجتماعية السياسية والاقتصادية “نحن نتحدث عن ظاهرة فريدة من نوعها فهناك حوالي 300 ألف من الزيجات بين الأتراك والروس، ومعظم المهاجرين الروس إلى تركيا هم من النساء. تقليديا، الرجال الأتراك يكرسون حياتهم لعائلاتهم، والنساء الروسيات يحبذن ذلك، خاصة عندما يتولى الرجال مسؤولية اتخاذ القرارات”.

ويرجع علماء الاجتماع رغبة الروسيات في الزواج من أتراك إلى بحثهن عن رجال بصفات مختلفة عن الرجال الروس؛ ففي روسيا غالبا ما تكون المرأة هي المسؤولة عن الأسرة، غير أن الكثير من النساء الروسيات يمقتن هذه الصورة التقليدية لدورهن في الأسرة والمجتمع، وهو ما جعلهن يحبذن تفويض المسؤوليات إلى الرجل. وقد تذهب بعض الزوجات الروسيات في تركيا إلى أبعد من ذلك، فقد دونت إحداهن على حسابها بإحدى منصات التواصل الاجتماعي “أنا لا أريد أن أقرر أيّ شيء، أريد فستانا”.

وقبل بضع سنوات، كانت الروسية فالنتينا أجيس في مهمة عمل بمنتجع سياحي تركي في مدينة أنطاليا، وذهبت إلى أحد المتاجر حيث التقت زوجها المستقبلي، وهو رجل أعمال من إسطنبول. تبدو فالنتينا نموذجا للمرأة الأنيقة الهادئة، كانت طويلة القامة وترتدي الكعب العالي، تقول إنها تعشق زوجها وتركيا، وإنها تركز كل حياتها على الاهتمام بطفلتها الصغيرة، ومشاريعها الخاصة في مجال التصوير الفوتوغرافي، بالإضافة إلى حضور الحفلات مع صديقاتها.

لاختلافات الثقافية تكون المتهم الأول وأكبر المتسببين في نهاية العلاقة بين الروسيات وأزواجهن الأتراك.

وتفيد أن الخلاف الحالي بين تركيا وروسيا يزعجها. إنها غاضبة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي منع سياحة الروس في تركيا، لكنها تعتقد أن ذلك لن يؤثر البتة على علاقتها بزوجها، ولا على زواجها بشكل عام. مضيفة “بغض النظر عما يحدث في السياسة، حياتنا الشخصية تبقى سعيدة. زوجي أنور منفتح على الثقافة الأوروبية بشكل كبير ويحترم مسيرتي كمصورة فوتوغرافية، وكحلاقة أيضا. لدينا اجتماعاتنا العائلية الأسبوعية، وأشعر أني حرة ومستقلة”.

لا محالة، ليست كل الأسر الروسية- التركية تتمتع بالانسجام. صرحت يلينا سميرنوفا، وهي محامية في إسطنبول، مشيرة إلى أن معظم المشاكل بين الأزواج الأتراك والزوجات الروسيات سببها أن عائلة الزوج تريد فرض التقاليد الإسلامية على الزوجة.

قبل عامين، افتتحت سميرنوفا مكتب محاماة في محاولة للمساعدة في حل الخلافات بين العائلات الروسية- التركية. منذ ذلك الحين مرت على مكتب المحامية أكثر من 20 حالة طلاق. تقول سميرنوفا إن “الأزواج كثيرا ما يطلبون من زوجاتهم الروسيات ارتداء الحجاب، واعتناق الإسلام فقط من أجل المحافظة على علاقات جيدة مع عائلاتهم، وعندما ترفض النساء الانصياع لذلك، غالبا ما تنتهي العلاقة بالطلاق، ولكن لا شيء يوقف الروسيات عن الزواج من الرجال الأتراك والأكراد وتحويل أنفسهم إلى مواطنين أتراك. أنا أنصح كل عملائي بالتفكير في أطفالهم أكثر من مرة قبل الطلاق، لأن الآباء غالبا ما يتكفلون بالأبناء، ويتركون زوجاتهم بلا شيء”.

إن مثل هذه التجارب تكشف أن الاختلافات الثقافية تكون المتهم الأول وأكبر المتسببين في نهاية العلاقة بين الروسيات وأزواجهن الأتراك.

من جانبها تقول يوليا ميت، وهي مدرسة لغات، متحدثة عن أبوي زوجها “بصراحة، أنا أحبهما. كلما ذهبت لزيارة والديْ زوجي، يتركانني على راحتي، ويتوليان رعاية طفليّ”. ونتيجة للتوترات الحالية بين تركيا وروسيا، فقدت ميت عقد عمل كان يجمعها بفريق من طلبة ماجستير إدارة الأعمال الذين كانوا يخططون لإنشاء متجر في تركيا العام المقبل، بما أن البرنامج تم إلغاؤه.

وتدرّس ميت الآن اللغة الروسية لخمسين طالبا من العائلات الروسية- التركية، كما تنظم دورات علم النفس لآباء وأمهات طلابها. وتقول إن “الكثير من الأمهات الروسيات في تركيا يعشن حالة من الاضطراب فهن يخشين اندلاع حرب بين البلدين”.

لدى كل من أليسا وجوناي طفلان، صبي وفتاة، كبرا وهما يتقنان اللغتين التركية والروسية. الأمر المقلق الوحيد الذي يلقي بظلاله على هذه الأسرة السعيدة؛ هو الأزمة السياسية بين البلدين. وهو ما يعني أن شركتهما السياحية التي تنظم رحلات لكبار الشخصيات لزيارة المواقع التاريخية التركية، والتي تعتمد إلى حد كبير على السياح الروس، تمر الآن بمأزق حقيقي.

12