الزوايا والمقامات الدينية في تونس تشكو إهمالا حكوميا متزايدا بعد الثورة

تراجع دور الطرق الصوفية لم يمنع سياسيّي تونس من محاولة جعلها خزانا انتخابيا.
الخميس 2020/11/26
الزوايا والمقامات الدينية في تونس تشكو إهمالا حكوميا متزايدا بعد الثورة

يطرح تراجع دور المقامات والزوايا الدينية في تونس بعد أحداث 2011 تساؤلات عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، خاصة أنه كان لهذه الهيئات الدينية دور بارز في حياة التونسيين، غير أنه تراجع على وقع التحولات التي طرأت على المشهد العام بالبلاد، كما تم استهداف هذه الطرق الصوفية من خلال حرق الزوايا وغيرها، وهو ما يشكل مدعاة للتساؤل عن مستقبلها لاسيما أنها تمثل وجهة السياسيين لاستقطاب الجمهور زمن الانتخابات.

تونس - شهدت الزوايا والمقامات الدينية في تونس كما غيرها من الهيئات، سواء الدينية أو السياسية، تحولات كبيرة في أعقاب ثورة الرابع عشر من يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق الراحل زين العابدين بن علي، وفتحت حقبة جديدة في تاريخ البلاد.

لكن هذه التحولات جاءت على شاكلة انتكاسات بالرغم من المكانة التي يوليها التونسيون للطرق الصوفية، فالزوايا والمقامات والقائمون عليها جرى التنكيل بهم من قبل العديد من المتطرفين الذين تزايدت أعدادهم بعد الثورة، ليعقب ذلك إهمالا حكوميا متزايدا أدى إلى غلق العديد من هذه الزوايا التي يبلغ عمر البعض منها الألف سنة.

وبالرغم من أن الحكومة الجديدة التي يرأسها هشام المشيشي، والتي تزامن توليها مقاليد السلطة مع حلول الذكرى العاشرة لاندلاع ثورة 14 يناير، جاءت لتؤكد أنها ’’حكومة الإنجاز‘‘ يبدو أنها ستبقي الوضع على حاله في ما يخص الطرق الصوفية التي يشكو القائمون عليها من تهميش متزايد.

ولم يمنع هذا التهميش بعض السياسيين في تونس من محاولة الاعتماد على المقامات والزوايا من أجل دغدغة مشاعر الناس خاصة زمن الانتخابات بغية تعزيز الخزان الانتخابي، وهو ما يرفضه ممثلو الطرق الصوفية بالرغم من التشديد في كل مرة على أنهم في حاجة إلى دعم كبير من الدولة في مواجهة التحديات، سواء الإدارية أو غيرها.

ضرر كبير

محمد عمران: النهضة راجعت مواقفها السابقة بعد إدراكها قوة الطرق الصوفية
محمد عمران: النهضة راجعت مواقفها السابقة بعد إدراكها قوة الطرق الصوفية

ألحقت الأحداث التي أعقبت ثورة 14 يناير 2011 في تونس أضرارا جسيمة بالطرق الصوفية التي استهدفت الحاضنات التي كانت ملاذ الذين يتبعونها على غرار الزوايا والمقامات الدينية التي تعرضت إلى الحرق من قبل متطرفين ومحاولات لتهميش دورها.

ويقول محمد عمران، وهو رئيس اتحاد الصوفية المغاربي في تونس، إننا ’’واجهنا صعوبات كبيرة منذ 2011، حيث شهدت البلاد خرابا كبيرا في هذه العشرية، لكن المهم أن الديمقراطية موجودة ومنفتحة على الجميع (..) بالنسبة إلى الزوايا، حُرقت أكثر من 71 زاوية لأولياء الله الصالحين لكننا قررنا خوض المواجهة منذ 2013 ضد السلفية وغيرها (..) لقد سعوا إلى محو كل ما هو تونسي وما يتصل بهويتنا، لكننا نجحنا في معركتنا ضدهم‘‘.

وكثيرا ما تُثير الطرق الصوفية جدلا في تونس بشأن علاقتها بالتدين الحقيقي، حيث يعتبرها البعض نوعا من أنواع الشرك بالله والشعوذة، وهو ما يستنكره في الواقع القائمون على هذه الطرق، والذين يرون أنها وسيلة للتقرب من الخالق.

وبالنسبة إلى العديد من الحركات الإسلامية في تونس فإن المقامات الدينية تعتبر شركا بالله بالرغم من ترفّع حركة النهضة، التي تُعد الحزب الرئيسي ذا المرجعية الإسلامية في البلاد، عن الدخول في الجدل الدائر منذ 2011 بشأن هذه الهيئات الدينية، والذي أخذ طابعا عنيفا بعد تدخل السلفيين الذين هاجموا العشرات من الزوايا والمقامات.

وحاولت حركة النهضة آنذاك (2011 – 2013) النأي بنفسها عن التجاذبات بالرغم من أنها تكن عداء كبيرا للطرق الصوفية، حيث أوضحت في وقت سابق على لسان عبدالحميد الجلاصي وهو قيادي إسلامي غادر البيت النهضوي مؤخرا، أن الحزب يندد بالاعتداءات التي طالت الزوايا رغم ’’الخلاف العقدي‘‘ بينهما.

لكن، لا تُعد المعارك التي خاضها الصوفيون في تونس ضد المتطرفين من السلفيين وغيرهم هي الوحيدة بعد الثورة، حيث يوضح القائمون عليها أن التحديات التي يواجهونها جسيمة.

وقال محمد عمران في تصريح لـ”العرب” إنه ’’إلى جانب التحديات التي واجهناها عندما شن علينا بعض المتطرفين حملاتهم، لدينا أيضا تعقيدات إدارية كبيرة في علاقة بالمقامات والزوايا والتظاهرات التي نقوم بها‘‘.

إلى جانب ذلك، تنتقد أوساط صوفية مساعي حركة النهضة للتحكم في قرارات وزارة الشؤون الدينية من خلال دخول أعضاء أو مقربين من جمعيات دينية على غرار جمعية الدعوة والإصلاح المثيرة للجدل والمقربة من الحركة الإسلامية، إلى الوزارة وعملها على منع الصوفيين من القيام بخطب في المساجد، علاوة على خنق هذه الطرق الصوفية ماليا.

شلل تام

كثيرا ما تُثير الطرق الصوفية جدلا بشأن علاقتها بالتدين الحقيقي، حيث يعتبرها البعض نوعا من أنواع الشرك بالله، وهو ما يستنكره القائمون عليها
كثيرا ما تُثير الطرق الصوفية جدلا بشأن علاقتها بالتدين الحقيقي، حيث يعتبرها البعض نوعا من أنواع الشرك بالله، وهو ما يستنكره القائمون عليها

من المدينة العتيقة الصاخبة في محافظة صفاقس جنوبي البلاد، يقول باسم السلامي وهو من المتصوفين التونسيين ’’لقد شهدت الطرق الصوفية بعد الثورة شللا تاما (..) منذ 2011 مثلا، لم تحتفل صفاقس التي تعد من أبرز المحافظات التي لها تقاليدها الصوفية الخاصة بها بالمولد النبوي الشريف أو غيره من التظاهرات‘‘.

ويُضيف السلامي في حديث لـ”العرب”، ’’أسباب ذلك واضحة للجميع؛ غياب الدولة (..) لقد تسبب ذلك في تعقيدات كبيرة وتسبب بإهمال الطرق الصوفية ناهيك عن عدم دفاعها عن الزوايا عندما تعرضت للهجمات والشيطنة‘‘ في إشارة إلى السجالات التي فُتحت بشأنها ودورها في المجتمع.

وفي مدينة صفاقس، توجد العشرات من الزوايا والمقامات الدينية، لكن مظاهر الاحتفال والتبرك باتت تغيب عنها في السنوات الأخيرة، وهو ما يثير حفيظة الكثيرين من أتباع الطرق الصوفية.

ومنذ أمد بعيد، كانت مظاهر الاحتفال لا تغيب عن مدن صفاقس، كما غيرها من المحافظات، حيث هناك العديد من التظاهرات التي تعدل عليها الطرق الصوفية ساعاتها على غرار ’’الخرجة‘‘ وهو مصطلح صوفي تونسي يُترجم زيارة دينية روحية يقوم بها المتصوفون سرعان ما أصبحت بمثابة فلكلور شعبي وسياحي جاذب.

كما توجد احتفالات خاصة بالمولد النبوي الشريف وهي عادة ما تكون احتفالات واسعة النطاق في تونس وتشمل المحافظات الكبرى والمعروفة تاريخيا بخلفيتها الدينية على غرار القيروان (وسط) والمعروفة بعاصمة الأغالبة وإقليم تونس الكبرى وصفاقس وغيرها.

لكن هذه الاحتفالات ’’سرعان ما فقدت بريقها (..) ليس هذا العام فحسب بسبب فايروس كوفيد – 19، لكن منذ الثورة تقريبا انتهت الاحتفالات بالمولد في صفاقس‘‘ كما يوضح باسم السلامي.

ويتابع المتصوف التونسي ’’إننا نأمل في أن يُفتح نقاش جدي بشأن الطرق الصوفية لأن ما نقوم به ليس حراما أو غيره، وحتى القرآن ذكر أولياء الله الصالحين في قوله تعالى؛ ‘ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون’‘‘.

ويؤكد أن ما يقومون به لا يعدو كونه تبركا بأولياء الله الصالحين وليس شركا بالله، وذلك في معرض رده على الانتقادات التي تطالهم بسبب أنشطتهم.

وبالنسبة إلى رئيس الاتحاد الصوفي المغاربي، محمد عمران، فإن المشكلة تبقى في التعقيدات التي تفرضها الإدارة التونسية في طريق عمل الزوايا ’’فهذه الهيئات موجودة لكن المشكلة في تعقيدات الإدارة (..) كل عمل ونشاط مرتبط بالإدارة‘‘.

ويتابع عمران ’’نحن لا ننفي أن الأبواب مفتوحة لنا، لكن هذا ليس كافيا (..) نحن نحتاج إلى استراتيجية كاملة لعمل الصوفيين، لأنه يجب ألّا ننسى أن الشعب التونسي محتاج لإعادة تصحيح بعض المفاهيم لأننا اليوم نخاف دخول الفكر الضال في غيابنا.. وبالفعل حدث ذلك مع انطلاق الثورة سواء في تونس أو في منطقة شمال أفريقيا والعالم العربي (..) ولكننا تصدّينا لهم (..) نحن على حق لأن مرجعيتنا صحيحة وهي عقيدة أشعرية في تونس وشمال أفريقيا‘‘.

وبالرغم من الحديث عن قنوات حوار وتواصل مع السلطات المعنية، غير أن مسألة تبعية هذه المقامات والزوايا في حد ذاتها ظلت نقطة شائكة، حيث لم تحسم الدولة التونسية بعد موقفها بشأن هذه الهيئات؛ فإما أن تُدرج في قائمة التراث الوطني وتصبح تابعة لوزارة الشؤون الثقافية أو تبقى كهيئات دينية تابعة لوزارة الشؤون الدينية، لكن الأمر لم يُحسم بعد.

وفي هذا الإطار، يوضح محمد عمران ’’إن لهذه النقطة الخلافية مرجعية تاريخية، عندما حصلت تونس على استقلالها عام 1956، ترك الاستعمار الفرنسي إرثه في علاقة بالمقامات والزوايا حيث تم إدراجها في قائمة التراث الوطني وبالتالي كانت تبعيتها لوزارة الثقافة‘‘.

وأضاف محدثنا ’’إذا، منطقيا وزارة الثقافة هي التي تعطي التراخيص للزوايا رغم أن لها خلفيات تاريخية، فزاوية سيدي محرز مثلا يبلغ عمرها أكثر من ألف سنة (..) لكن وزارة الشؤون الدينية بدأت تسترجع هذه الزوايا والمقامات التي لها مواقفها ودورها في الشؤون الاجتماعية، فمثلا في وقت سابق كانت الزوايا ملاذ عابري السبيل وغيرهم‘‘.

في قلب المعترك السياسي

الصوفية لم تغب منذ 2011 عن الجدل السياسي
الصوفية لم تغب منذ 2011 عن الجدل السياسي

بالرغم من أن دورها تعرض للتهميش مع اندلاع أحداث 2011، إلا أن الزوايا والمقامات الدينية ظلت ملاذ بعض السياسيين زمن الانتخابات في محاولة، على ما يبدو، لتعزيز الخزان الانتخابي لهم من خلال دغدغة مشاعر الناس.

ومن بين هؤلاء، نجد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي لم يصمت عندما تعرضت بعض هذه الهيئات للحرق، علاوة على المعارض اليساري حمة الهمامي ورئيس حزب قلب تونس نبيل القروي، وأخيرا راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية.

ولكن حماسة الباجي قائد السبسي خلال تجهيزه للترشح للانتخابات لم تُترجم بقرارات على أرض الواقع لفائدة هذه الهيئات الدينية بعد وصوله إلى رئاسة البلاد في العام 2014 بعد سباق انتخابي برلماني ورئاسي محموم بينه وبين الإسلاميين.

ويقول محمد عمران ’’المرحوم الباجي قائد السبسي ساندنا في 2013 وفي أحلك فتراتنا عندما تعهد بعدم المساس بالزوايا، وتحدث عن إيمانه بسيدي بلحسن الشاذلي، لذلك خيرنا مساندته خاصة أننا متوجسون من النهضة ومن السلفية وغيرها وقتها (..) نحن دائما في حاجة إلى سند من الدولة ضد ما نتعرض له من تشويه ومغالطات من قبل الفكر ‘الضال’‘‘.

ويوضح ’’نحن نستقطب شريحة واسعة من التونسيين (..) 80 في المئة من التونسيين على الأقل يؤمنون بالصوفية، لذلك على السياسيين أخذ ذلك بعين الاعتبار، ويبدو أنهم أدركوا ذلك أخيرا، لكننا سنبقى حريصين على أن تكون الزوايا والمقامات بمنأى عن الصراعات السياسية‘‘.

ويضرب عمران مثلا رئيس حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي، عندما قرر أخيرا زيارة زاوية ’’سيدي بولبابة‘‘ قائلا ’’مثلا حركة النهضة تراجعت عن مواقفها السابقة بعد إدراكها حجم شعبية الطرق الصوفية وقوتها‘‘.

وبالرغم من أنهم يفضلون عدم دخول الساحة السياسية، إلّا أن ممثلي هذه الهيئات يشددون على أهمية مواقفهم في علاقة ببعض المسائل على غرار تدريب الأئمة التونسيين على قيم التسامح والاعتدال.

ومؤخرا، أثار اعتزام الكويت بناء مركز لتدريب الأئمة التونسيين، الذي أعلن عنه وزير الشؤون الدينية التونسي أحمد عظوم، جدلا واسعا في تونس خاصة أنه تزامن مع عودة استقطاب الشباب التونسي.

وفي هذا الصدد يقول محمد عمران ’’نحن نرفض هذا رفضا قطعيا (..) كان من الأجدى على السلطات أن تنهض بدور جامعة الزيتونة‘‘.

ويختم بأن اتحاد الصوفية المغاربي لن يصمت على ذلك وسيحاول فتح جسور التواصل مع وزارة الشؤون الدينية لبحث ذلك وإبداء رأيه في مسألة تدريب الأئمة التونسيين الذين هم ليسوا في حاجة أصلا لذلك لأن خطابهم الديني ’’شهد تطورا لافتا‘‘ على حد وصفه.

13