الزوجة الأولى.. "بيدي لا بيد غيري"

الثلاثاء 2013/10/22
الانكسار النفسي قد يؤدي إلى ردود فعل سلوكية عدوانية

القاهرة- أعلنت بعض الزوجات شعار "بيدي لا بيد غيري"، ليقبلن القيام بمهمة "الخاطبة"، وترشيح امرأة أخرى لأزواجهم، كي تصبح ضرتها، وتتعامل معها كصديقة حميمة.. هل يمكن أن تقوم الزوجة بدور الخاطبة؟ هل يمكن أن تبحث عن زوجة لزوجها؟ قد ترضخ المرأة لهذا الوضع بسبب معاناتها من عدم القدرة على الإنجاب، أو لأسباب أخرى؛ وقد يتم هذا الأمر في ظروف عادية.

تقول ع. أ. ربة منزل: تزوجت ابن عمي منذ أكثر من 11 عاما، ولكن بعد زواجنا بعامين، أصبحت حياتي كالجحيم، بسبب حرماني من نعمة الإنجاب، وكنت أراه يحترق شوقا كي يكون له أبناء، وفي البداية اعتقدت أن الأمر مجرد اختبار، لكنه كان قاسيا وعرفت أن أخواته يضغطن عليه ليتزوج من أخرى، لكنه رفض بشدة وحتى أمي فاتحتني في هذا الأمر، وطلبت مني أن أدفعه للزواج من أخرى، لكن كبريائي منعني، وعندما عرضت عليه الأمر، وجدته أيضا يرفض بشدة، فأشفقت عليه وامتلكت شجاعتي وجرأتي وطلبت منه أن يتزوج، ورغم رفضه وتردده لكنه في نهاية الأمر وافق بشرط أن أخطبها له وأختارها.

وتحكي "حسنية م." (موظفة)، قصة أختها قائلة: تزوجت أختي من مهندس يتقي الله فيها، وقد أثمرت تجربة زواجهما عن ثلاثة أبناء كانوا متفوقين في التعليم، حتى تعرض شقيقه إلى حادث سيارة ففارق الحياة وترك زوجة وابنتين تولى زوج أختي رعايتهن، لكن الموقف كان محرجا بالنسبة إليه، خاصة تردده عليهن، والذي لم يكن يتم إلا بحضور أختي وأحيانا بمعية أبنائهما، وذات يوم فوجئنا بأختي تخبرنا بأنها اتفقت مع زوجها على أن يتزوج زوجة أخيه، ليحافظ على ابنتيه ويرعاهما دون حرج؛ خاصة بعد أن تقدم للزواج منها كثيرون، لأنها مازالت جميلة وعلى درجة عالية من الأخلاق، ونزل علينا هذا الخبر بشيء من الدهشة، خاصة أن أختي لم تشك من مشكلات مع زوجها، وعندما فاتحتها في هذا الأمر وتحدثت معها، أخبرتني أنها هيأت نفسها لذلك منذ فترة وأخبرتني أنها أحيانا تكون حزينة، لمجرد تفكيرها أن زوجة أخرى ستشاركها زوجها، لكن ذلك لم يلازمها طويلا بعد أن عاهدها زوجها على أن تكون الأولوية لها، وأقنعها بأن تتحدث مع ضرتها، التي ينوي الزواج بها لمصلحة ابنتي أخيه، قبل الشروع في مراسم وإجراءات الزواج، وأن تحدد ما تراه من شروط ومطالب.

أما "هناء س." (ربة منزل) فتقول: تزوجت منذ أكثر من 27 عاما، من أحد الأثرياء في الريف بطريقة تقليدية، فقد كانت تربطه علاقة تجارية بوالدي، واكتشفت بعد زواجي منه أن زواجنا بلا روح، وأسفرت هذه الزيجة عن فتاتين، ورأيت بعد ذلك علاقتي بزوجي وأهله -خاصة والدته وأخته- تزداد سوءا؛ لأنهم كانوا يطمعون في أن أنجب الولد، وحملت مرتين ثالثة ورابعة وأنجبت طفلتين أخريين، ورغم أن زوجي فاتحني في أمر زواجه من أخرى، وهو ما كنت أتوقعه بين الحين والآخر فقد شعرت بانكسار؛ وتزوج سريعا وبمرور الأيام حملت زوجته الثانية، وأنجبت طفلتين أيضا وكنت في أشد حالات الفرح ليس في ضرتي، لكن في أهل زوجي، الذين قرروا أن يتزوج للمرة الثالثة، وهنا بدأ حوار ومناقشات جادة مع ضرتي وناقشنا الأمر، واجتمعنا بزوجي وبعد شد وجذب، اقتنعنا بأن زواجه لإنجاب الولد لا مفر منه، فاشترطنا عليه أن نختار له زوجته الثالثة، وهو ما حدث فعلا واخترنا فتاة طيبة، واتفقنا نحن الثلاثة على زوجي وأهله، وألا يسود علاقتنا أي كراهية وهو ما أثار دهشته، وكان يردد دائما أنه لا يشعر بارتياح لعلاقتنا الهادئة. وعلى جانب آخر، يقول عادل أحمد (محاسب): هناك حالات محددة فقط لا يجب أن يسمح أي رجل لنفسه بالزواج من أخرى ما دامت زوجته الأولى على ذمته؛ لأنه إذا فعل ذلك انقلبت حياته رأسا على عقب، حتى بافتراض أن علاقة الزوجتين كانت طيبة فإن الأمر له مسؤوليات نفسية ومادية كبيرة، وإذا كانت هناك حالات تقبل فيها الزوجة وجود ضرة لها، وتقوم بترشيحها لزوجها، وتسعى إلى إتمام هذه الزيجة، فإن الزوج يظل قلقا ومندهشا، لأن هذا الوضع كالنار تحت الرماد، ولا يخرج عن مجرد مظهر وشكل خارجي، لعلاقات مستحيلة وهدوء ما قبل العاصفة، وأية مشكلات تحدث بين الضرتين ستأخذ أبعادا خطيرة.

المشكلات بين الضرتين إنذار خطر

وعن البعد النفسي لهذه الظاهرة، يقول الدكتور أكرم محمود، أستاذ علم النفس: يسعى كل إنسان وخاصة المرأة، إلى وجود حالة من السلام النفسي، سواء على المستوى الداخلي بينه وبين ذاته، أو خارجي في علاقته مع الآخرين، لكن قد يحدث وتهتز هذه الحالة بفعل مؤثر خارجي، وهو تماما ما ينشأ عندما ترى الزوجة الأولى رغبة زوجها، أو لظروف قهرية معينة ضرورة زواجه من أخرى، وفي ظل هذا الوضع، ينشأ داخلها نوع من الصراع النفسي يخلق حالة تنافر، حتى لو تم الزواج عن طريقها "خاطبة" ومحاولة التعايش معها؛ لأنها في هذا الوضع تحاول أن تسعى لإيجاد نوع من الدعم النفسي، أو منطق لقبول هذه "الضرّة" في حياتها وتشاركها زوجها، عملا بمبدإ قبول الإكراه والإجبار في أضيق الحدود، رغم تسليمنا بأن كل زوجة مهما كانت لديها غريزة حب التملك، التي تنسحب على ارتباطها بزوجها، لكنها تقر بمبدإ التنازل عن هذه الملكية وهيمنتها السيكولوجية عليه لصالح أخرى تنازعها فيه تحت ضغط نفسي رهيب، قد يكون سببه الشعور بنقص معين، كالمرض أو عدم القدرة على الإنجاب، أو تقاليد معينة، ورغم حالة السلام النفسي بين الزوجتين، فإن الأولى قد يتولد لديها على المدى الطويل رد فعل معاكس وسلبي، من خلال إحساسها الداخلي المكبوت، بنوع من الانكسار النفسي، الذي قد يؤدي إلى إصابتها بعد فترة معينة بالكبت والإحباط، وقد يؤدي على مدى بعيد إلى ردود فعل سلوكية عدوانية.

ويوضح الدكتور مهدي القصاص (أستاذ علم الاجتماع) المردود الاجتماعي لهذه الظاهرة بقوله: لكل فرد داخل الأسرة دور اجتماعي محدد، سواء بالحقوق أو الواجبات، وقد يتحول هذا الدور إلى حالة من الصراع الاجتماعي، إذا تعرض للتهديد باختراقه، وهو ما يحدث غالبا عندما تشعر أي زوجة بوجود ضرة في حياة زوجها؛ لأنها ترى تهديدا خطيرا لحالة السلام الأسري والاجتماعي التي تحياها؛ وفي بعض الحالات قد تقبل الزوجة بأخرى في حياة زوجها، بل قد تخطب له وتتعامل مع ضرتها بنوع من العلاقات والسلوك الاجتماعي الهادئ، بدافع أنه حالة من الاستثناء الاجتماعي خلقتها عوامل وظروف محددة وقهرية، وهي هنا تنظر للظاهرة من منظور "ما لا يدرك كله لا يترك كله" أي أنها لن تترك زوجها يتزوج دون إرادتها، وفي نفس الوقت لا تتركه لأخرى، رغم أنها تشعر بنوع من الحرج الاجتماعي، وهي تقبل هذا الازدواج الاجتماعي ظاهريا، لتتجنب المشكلات والمحافظة على كيان وسلامة الأسرة، خاصة في ظل وجود أبناء تخشى عليهم من الانهيار.

21