الزوجة المكسيكية: قصة حب تحت الوصاية الدولية

رواية أشبه بوثيقة تاريخية لأحداث جرت في فترة تحوّل مصر من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، وما شهدته هذه الحقبة من صراع بين الديمقراطية والدكتاتورية.
الأحد 2018/08/26
القاهرة.. في الخمسينات والستينات مسرح قصص حب ومغامرات إنسانية عميقة

تظل الرواية الجنس الأدبي المفتوح على كافة الأجناس الأدبية القريبة وغير القريبة، وقد أغرت هذه الخصيصة كُتَّاب الرواية الجديدة؛ لأن يجعلوا من الرواية عالما مفتوحا يضمّ تحت إهابه حقولا معرفية متعددة اجتماعية وتاريخية وإنثربولوجية وغيرها، فأضحت بهذا الرواية سجلا معرفيا وتاريخيا بعدما كانت مجرد حكاية للتسلية كما وصفت من ذي قبل.

في الرواية الصادرة حديثا للدكتور إيمان يحيى بعنوان “الزوجة المكسيكية“، دار الشروق 2018، نحن مع نص روائي أشبه بوثيقة تاريخية لأحداث جرت في فترة تحوّل مصر من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، وما شهدته هذه الحقبة من صراع بين الديمقراطية والدكتاتورية، وسقوط المثقف بين تأييد السلطة ومعارضتها، ليس فقط في مصر وإنما في العالم أجمع حيث الدعوات إلى السلام ونبذ العنف، وانهيار الشيوعية. وأيضا أمامنا نص سيري على مستوى سيرة الكتابة، عبر عرضه لسيرة رواية البيضاء التي كتبها يوسف إدريس، والتي تستحضر رواية الزوجة المكسيكية شخصياتها، وسياقاتها المختلفة، هذا من جانب، ومن جانب آخر تتوزع مقتطفات من سيرة يوسف إدريس نفسه، حيث تروي المسكوت والمخبوء عن / من حياة الأديب يوسف إدريس، فيقدم السّارد عبر الراوي الأنا تفاصيل عن حياة يوسف إدريس منذ تخرجه من كلية الطب وعمله في النشاط الطلابي، وانضمامه إلى اليسار، مرورا بزواجه من روث ابنة الرسام العالمي دييجو ريفيرا أهم فناني الجداريات في القرن العشرين، ويستعرض عبر حياته العملية كطبيب في ورش السكك الحديدية أحوال العمّال والاعتصامات، إضافة إلى الملاحقات الأمنية، والتخبط في اتخاذ القرارات من قبل الإدارة.

الشيء الأهم هو المراجعات الفكرية التي يظهرها يحيى عن ثورة يوليو وعن اليسار كما أنها مرآة حيّة للسياق الثقافي (بما يعرض من أفلام في السينما، وموضات بارزة في ذلك الوقت مثل شاي الشيخ الشريب، والدعايات للأفلام كما حدث لفيلم دهب لأنور وجدي وفيروز وغيرها) والسياسي الذي كان له أكبر الأثر في التكوين الثقافي والفكري لمعظم الكتاب وقتها؛ حيث صخب الحياة السياسية في مصر بما تضمنته من كبت الحريات، ومصادرة الآراء وحرية التعبير، ثم حملة الاعتقالات التي طالت الكثير من اليساريين. يأتي جزء من هذه السيرة على لسان روث، حيث تسرد عن الجوانب الداخلية التي لمستها في يحيى، وأهمها حبه للزعامة والقيادة، وغيرته عليها بسبب علاقاتها، والأخيرة بما تعكسه من صورة الرجل الشرقي السلبي التي تُظهره بضد ما يُنادي به من حرية وليبرالية وهي الإشكالية التي تعمق من أزمة المثقف نفسه، وكانت سببا لإنهاء هذه العلاقة، علاوة على حالة التوحد أثناء الكتابة، فيبدو وكأنه “يبني جدارا سميكا حول نفسه، يعزله (عنها) وعن الكون، أصوات مبهمة تصدر من داخله، … يبدو متضرعا متوسلا وكأنه يستجدي قوة خفية جبارة”.

 الكشف عن أسرار جديدة في حياة يوسف إدريس
 الكشف عن أسرار جديدة في حياة يوسف إدريس

سحر الشرق

في الرواية ثمة مراوحة بين زمانين، زمن كتابة رواية البيضاء بأحداثه التاريخية وسياقه الثقافي وهو زمن يعود تاريخيا إلى أزمة 1954 الشهيرة بأزمة الديمقراطية في مصر، وزمن حديث يعود إلى عام 2005 حيث الاحتجاجات والمظاهرات التي كانت بداية شرارة ثورة يناير 2011، وفيه يرجع إلى بداية اكتشاف قصة الزوجة المكسيكية عبر سامانثا طالبة الدكتور سامي الأستاذ بالجامعة الأميركية أثناء تكليفها بكتابة بحث عن رواية البيضاء ليوسف إدريس. وكذلك ثمة مراوحة بين حكايتين متداخلتين مع اختلاف زمنية حدوث كل حكاية. الحكاية الأولى؛ حكاية حقيقية لها واقعية مرجعية على مستوى الأحداث والتواريخ والأسماء، وهي تتعلّق بزواج الكاتب يوسف إدريس بروث ريفيرا. وهذه الحكاية تأتي مروية عبر أصوات الشخصيات الحقيقية، فيحيى طه الاسم المستعار ليوسف إدريس وهو بطل روايته البيضاء، يروي عن بداية لقائه بروث، وبالمثل هي تروي الحكاية من وجهة نظرها، وأحيانا تكون رؤيتها أكثر شمولية، على نحو ما روى يحيى باقتضاب، خروجها من البيت بعد أن لطمها على وجهها، ثم تأتي روث وتروي تفاصيل الحادثة التي جعلتها تخرج هائمة من البيت لا تلوي على شيء، بل وتزيد في رويها محلّلة شخصية يحيى، ومفسرة التكوين النفسي لشخصيته، وهي متسائلة “ما الذي حدث؛ كي يتحول يحيى الوديع الرومانسي إلى ذلك الوحش الكاسر؟”.

وتتداخل رواية “البيضاء” مع النص الجديد، أيضا، من خلال المقتطفات التي يصدّر بها بدايات الفصول، والتي تأخذ وظيفة جديدة في النص، حيث تتراسل مع أحداث الوحدات السردية، وتكاد تكون إضاءة للوحدة السردية التالية، وكاشفة لطبيعة العلاقة الشائكة التي يرويها الطرفان يحيى وروث عندما التقيا في صدفة عابرة أثناء اشتراكهما في مؤتمر فيينا من أجل السلام الذي حضره وفود وممثلون من مختلف أنحاء العالم. وهي مهندسة معمارية مهتمة بتخطيط المدن تقوم بالتدريس في معهد البوليتيك بمكسيكو سيتي، إلا أنها رافقت والدها الفنان العالمي، وهناك حدث اللقاء تحت الوصايا الدولية، وعادت معه إلى مصر لتعيش في شقة متواضعة. الحكاية الثانية وهي الحكاية المفتاح التي تنبش في الحكاية القديمة، ويستعيدها عبر قراءة جديدة لها. حيث حكاية الدكتور سامي الأستاذ بالجامعة الأميركية غير المتزوج والمنصرف إلى دروسه الجامعية وأبحاثه العلمية، ولم يخرج من الحياة بغير قصة حب فاشلة لصديقته صفاء التي أرتأت أن تصعد المصعد سريعا بزواجها من أستاذهما الذي يكبرها بثلاثين عاما، وبالفعل فتحت لها علاقتها به الأبواب المغلقة، فصارت صحافية لامعة بفضل نفوذه. وفي غمرة تدريسه للطلاب الأجانب تقتحم حياته الطالبة سامانثا المكسيكية، ذات الجذور المصرية، وهي أشبه بـ”شهرزاد عصرية موهوبة في الحكي” تركت مصر لكن “حنينها المتأخر لمصر من جهة، وعجزها عن مواجهة أهلها بعدما فعلته من ناحية أخرى، أفضيا إلى طريق وحيد في شيخوختها، طريق الحكايات المفروش بحنين الذكريات”.

تقتحم عالمه المنزوي، وتلقي بحممها وبراكينها، عندما يكلفها بدراسة رواية “البيضاء” ضمن مقرر الدراسة، فتخبره عن قصة الزوجة المكسيكية. ومن هذه الزاوية يأخذ السرد جانبا آخر، حيث تُدعم سامانثا ما أذاعته من سر عن هذه العلاقة للكاتب الكبير، بالمستندات والوثائق، وعبر هذه الجزئية تتعمق علاقة الأستاذ بالطالبة، فتطارده في أحلامه، بل وتتعقد العلاقة عندما تنضم إلى المعارضين من حركة كفاية وتخرج في مسيراتهم الاحتجاجية، وما يترتب على ذلك من مطاردة أمنية لها، حتى تُرحّل تماما عن القاهرة. ونصبح بإزاء حكايتي حب، أبطال القصة رجلان شرقيان وفتاتان غربيتان، في استعادة لعلاقة الشرق بالغرب، دون أن يكون الصراع أحد أطرافها كما كان في موسم الهجرة إلى الشمال، أو قنديل أم هاشم، وإنما سحر الشرق الذي جعل روث تقْبل بطلب يحيى الزواج منها في عربة ترام قديمة دون تفكير أو حساب لهذه الفروق التي لمّح لها بها والدها.

ومن هنا نجد براعة الكاتب في أن ينحا بهذه العلاقة بعيدا عن الصراع القديم الذي تجلّى في مرويات الرعيل الأول من الكُتّاب بدءا من رفاعة رافع الطهطاوي الذي وقع مفتونا بالغرب فأخذ يقارن بين الغرب والشرق، في “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، مرورا بطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقي الذي أوقع بطله أسيرا لهذا الصراع وكاد يفقد ذاته وأهله، إلى أن اهتدى إلى حالة التوفيق بين العلم الذي تحصل عليه من الغرب وتراثه الذي لا يستطيع أن ينفك عنه، وصولا إلى سهيل إدريس في الحي اللاتيني. فوفقا للمتغيرات الجديدة، التي أضحى فيها الغرب ملاذا بعد المرويات الجديدة، التي أفرزتها حالات اللجوء والهروب من جحيم الشرق، وهو ما كانت بداياته في “واحة الغروب” لبهاء طاهر 2006، حيث تحوّل الغربي إلى مُفتتن ومسحور بالشرق وغرائبه، ومع هذا الانحراف الواعي عن هذه العلاقة المتشابكة، تطل أزمة تقبل الشرقي لثقافة الآخر الغربي في انفتاحه وتحرره، هي الأزمة الحقيقية التي تواجه المثقف على وجه الخصوص، ولم يستطع أن يتخلّى فيها عن معتقداته الشرقية، حتى وإن بدا متفتحا ومتحضرا، إلا أنه ذات لحظة ستخرج هذه الأفكار وتتحكم في قراراته، على نحو ما حدث مع يحيى في علاقته بروث، فبعد خروج روث من البيت غاضبة، تلوح هذه الهواجس في ذهن يحيى بعدما يربط بين علاقات أبيها المتحرّر مع أخت زوجته فريدا كاهلو، والتي انتهت بالطلاق ثم زواجهما مرة ثانية. فكما يقول “لن، ولم يغادرني الفلاح القروي الذي يعيش تحت جلدي”.

مثلما كان ثمة تباين على مستوى الحكاية، وأيضا على مستوى الزمان، فثمة تباين ملحوظ على مستوى الراوة، فالراوية أشبه براوية أصوات، تتناوبها أصوات الشخصيات: سامي وسامانثا في مقاطع قليلة وهي تحلل شخصية الأستاذ، وأيضا يحيى وروث، وصوتا الأخيران يتطابقان مع الواقع المرجعي فيبدو الرَّوْي سيريّا بامتياز، يتقاطع مع الطفولة والنشأة وكذلك النشاط الطلابي والنضال السياسي مرورا بالسجن والاعتقال. فيروي كل صوت بالأنا عن نفسه وعن الآخر بالهو، وبالمثل تتوزّع الأماكن بين الداخل / القاهرة والإسكندريةـ والخارج / فيننا حيث تم اللقاء والزواج وفي المكسيك حيث تداعيات الطفولة والعائلة. ومن خلال المكانيين يقوم الراوي الأنا في فيينا حيث يعود على يحيى تارة وعلى روث تارة أخرى، بنقل أجواء الحرب والصراع بين المعسكرات على هذه الأرض، وفي نفس الوقت ينقل لنا علاقة الحب التي أخذت تتنامى عبر شوارع فينيا وحاراتها وأزقتها ومقاهيها وفنادقها. تسرد روث كثيرا عن حياتها مع يحيى في شقته بالسيدة زينب، ومطارحات الغرام، وجولاتهما السياحية في الأهرامات، ومشاهدة دور السينما، ثم الملل الذي أخذ يتسرب إلى حياتها، بعد شعورها بالفراغ وهي التي تعودت على “النشاط المتدفق، والعمل الدائب”. كما تتقاطع حياتها مع يحيى في القاهرة، عبر تدعيات مع حياتها في المكسيك، ونصائح الأب لها عن تداعيات هذه الزيجة.

الميتا سرد

صخب الحياة
صخب الحياة

 من الطرائق الجديدة التي يعتمدها الكاتب في روايته، الميتا سرد، أو قص القص وحكي الحكي ورواية الرواية كما وصفته ليندا هتشيون. فالراوي سامي لا يقف عند حكاية روث ويحيى وكيف تم زواجهما، وإنما يقدم لنا نصا تحقيقيا عن رواية “البيضاء” وطبعاتها المختلفة، وملابسات كتابتها وتاريخ نشرها، وأثرها الفادح الذي أحدثته على مستوى النقاد وأيضا على مستوى أصدقاء اليسار الذين اعتبروها ردة في أفكار زميل النضال والكفاح، وارتماء في معسكر السلطة. كما يستعرض الكاتب لشخصيات الرواية ومواقفها النضالية فكان يحيى بمثابة تغيير لمفهوم البطل الإيجابي وظهور البطل الإشكالي، بمفهوم لوسيان جولدمان. كما يعمل الكاتب عبر بحث وتحقيق من متابعة شخصيات الرواية ومطابقتها بواقعها المرجعي وزمنيتها عام 1954 المفعم بالاحباطات وتواري الحريات، عبر رحلة بحث واستكشاف عبر الإنترنت، وفي حوارات أحاديث يحيى / يوسف إدريس عن أعماله القصصية والروائية.

يغلب على الكثير من المقاطع السردية الغنائية خاصة في المنولوجات الاسترجاعية، والتداعيات التي يعود بها يحيى كثيرا إلى ماضيه وطفولته وعلاقته بروث بعدما تغادره، وبالمثل روث في استرجاعاتها لحياتها قبل علاقتها بحيى، ولكن لا تنزلق الرواية في غنائية ممجوجة بل على العكس، فثمة حوارات تكشف عن صراعات على مستوى الأفكار وأيضا على مستوى الوعي الثقافي، ومن أبرز هذه الحوارات التي تكشف الفجوة بين عقلية المثقف المستنير ومواقفه الفعلية، ما دار بين روث ويحيى إثر حالة الشّك في علاقتها بفؤاد صديقه الذي زارها في البيت، وتغلب عليها الدرامية حيث يعلو ويتصاعد الإيقاع الدرامي. هذا التنوّع جعل اللغة طيّعة تمزج بين الفصيحة والعامية، كما تم تضفير الكثير من عباراتها بمفردات أجنبية وشعبيّة محليّة، وهو ما له دلالته في تمثّل الرواية للواقع بكل مستجداته ومتغيراته التي جعلت اللغة الأجنبية تسري في الحوار وكأنها من نسيجه وليست دخيلة عليه، وهو ما يشير إلى دلالة ثانية تتعلق بمسألة الهوية وما يعتريها من انفصال وتغريب. حتى وإن جاءت العبارات من شخصيات غربية، إلا أنه صارت شائعة في الرواية العربية مؤخّرا.

من الأشياء التي تُؤاخذ على الرواية، الصورة التي بدا عليها الدكتور سامي، فعلى الرغم من أنه يعمل في “مجتمع مفتوح” بتعبير بوبر وهو الجامعة الأميركية إلا أنه وكأنه يعيش خارج أسوار هذه الجامعة، فهو دائما في حالة استغراب مما تفعله سامانثا وكذلك الطلاب خارج حديقة الجامعة، وكأنه شخص ريفي أو قروي أول مرة ينزل إلى المدينة وهي صورة لم تقنعنا بشخصيته حتى لو حاول المؤلف أن يُصوّره على أنه شخصية منطوية ومنعزلة عكس صديقه “حمدي” الذي انخرط في النضال وصارت صوره أيقونة تتردد في وسائل الإعلام، وبالمثال حالة الانفصال التي بدت عليها شخصية دكتور سامي عن واقعها وحالة الحراك التي صارت جزءا أساسيا من المشهد السياسي، أكدت سلبية واغتراب المثقف عن واقعه، وهي عكس الصورة التي أفرزتها نخب ثقافية كان لها الدور في تأجيج المشهد السياسي ويكفي على سبيل المثال ما قامت به حركة استقلال الجامعات التي واجهت سطوة الأمن في مواقف متعددة، علاوة على دور المثقفين البارز في الوقوف ضد الإخوان وهم في سدة الحكم.

12