"الزيارة" رواية تناقش الواقع الفلسطينيّ داخل صندوق خيباته

الاثنين 2014/06/16
العمصي تبحث في أسباب الصراع بين حاضر الفلسطينيين وماضيهم

لا تخفي البهرجات والزينة التي يمكن أن يحملها المكان حقائق شخصياته وتاريخها السري الذي تخفيه، فما يبدو للوهلة الأولى احتفالا بزيارة الجد قد ينتهي بأزمة يمكن لها أن تشتت العائلة وتفرّقها. تسرد البحرينية رنوة العمصي قصة أسرة قاربت أن تهدم كيانها قضايا الهوية، وذلك في عملها الروائي “الزيارة” دار الآداب- 2014، الذي أنجز في إطار محترف نجوى بركات في دورته الثانية 2013-2014 بالتعاون مع وزارة الثقافة في مملكة البحرين.

تفتتح العمصي “الزيارة” بتجهيزات لاستقبال القادم، القادم الغريب الذي يشبه أباها، الذي ينضوي أيضا تحت عمامة الغرباء، الغرباء هم الفلسطينيون والباقي مصريون، ثم نرى الأسرة تنتظر قدوم الجد من غزّة، ليعاد ترتيب ملامح البيت وأثاثه بما يتوافق مع هذا الزائر، الراوي طفلة في عمر الثامنة، ترسم ما يحدث بلغة طفولية بريئة خالية من الأحكام وقائمة على المقارنات بين الشخوص.

“سلام” هو اسم الطفلة، لا نكتشف اسمها إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية، فهي تبقى مهمشة، رغم أنها هي التي تقوم بالسرد، فنحن نرى عالم الكبار من وجهة نظرها التي لا تبتعد عن كونها صادقة إلى حدّ السذاجة.

الزائر الجديد هو جدّ سلام القادم من غزّة لزيارة ابنه الذي غادر غزة منذ خمسة عشر عاما ليتزوج من مصرية وينجب منها طفلين هما سلام وصلاح، لكن بعد فقدان أهله الأمل بعودته إلى غزة نرى أباه قادما لزيارته، مما يثير جلبة في الحي وفي المنزل احتفالا بهذا القادم الجديد.


أنا والآخر


الراوي طفلة في عمر الثامنة ترسم ما يحدث بلغة طفولية بريئة خالية من الأحكام وقائمة على المقارنات بين الشخوص

ترسم الرواية ملامح العلاقة مع الآخر، فالأب والأم من جنسيتين مختلفتين والزواج بينهما كان محط معارضة الأهل، إلا أن الأم قررت المخاطرة بكل شيء في سبيل من تحبه، بالإضافة إلى الآخر المتمثل بالاحتلال، فالأب -والد سلام- تمكن من إنقاذ ثروة والد زوجته وتأسيس تجارة رابحة، لنكتشف لاحقا أن هذه الثروة مصدرها استغلال والد الزوجة ليهود المنطقة ورغبتهم في الرحيل، حيث استولى على أملاكهم بعد أن كان أجيرا عند أحد التجار اليهود وأسس ثروته باستغلالهم، هذا الآخر له صورة مختلفة يحملها الجد، فالأخير هو الفلسطيني الذي لجأ إلى غزة هربا من العصابات الإسرائيلية، نرى الجدّ يشكك دائما في ثروة ابنه لنكتشف لاحقا، أن سبب مجيئه هو رغبته في أن يعود معه إلى غزة لاستعادة أرض أجداده، الجدّ يريد أن يسلم الابن الصندوق الذي يحوي صكوك ملكية أرضهم في فلسطين، هذه أمانة على الابن أن يحملها هي “إرث ومسؤولية، حملها جدك وحملتها أنا وستحملها أنت وتحمّلها لأبنائك، ليس لك فضل ولا خيار، هذا قدرك، كما كان قدرنا”. هنا نرى صراعا بين اثنين، الأسرة والبيت الجديد من جهة والتاريخ والأرض التي يجب أن تُحمل أمانتها من جهة ثانية.

الجد يريد أن يسلم الابن الصندوق الذي يحوي صكوك ملكية أرضهم في فلسطين، هذه أمانة على الابن أن يحملها

تتصعّد أحداث الرواية بصورة مفاجئة في اللحظات الأخيرة، حيث نرى الأب يتخذ قراره بعدم العودة إلى غزة، ليقعد في مواجهة مع أبيه -القادم من غزة- يتبادلان خلالها الاتهامات، فالابن لن يتخلى عن أسرته في مصر ولن يحمل هذا الهم الرمزي ولم يقتنع بالحجة السخيفة كما نراه ينعت أباه بالمهزوم الذي يريد أن يلقي حمل هزيمته على ابنه، كما ينعته بالجبان لأنه ترك أمه المقعدة وهرب إلى غزة، في حين أن الأب ينعت ابنه بالجبان والنذل، النذل الذي لن يعود للمطالبة بأرض أجداده التي سلبها المحتل، في النهاية، نرى الجد يرحل ليلا خفية، حاملا صندوق خيباته ليعود إلى أرضه وزراعته في غزّة.

خلال كل ذلك نرى سلام تلعب دور المتلصص فهي تسمع أحاديث والديها وشجارهما ورفض الأم الرحيل إلى غزة، كما نرى الصراع التاريخي بين الأجيال، بين ابن وأبيه في سبيل العودة إلى الوطن الأم، أما سلام الصغيرة التي لم تدرك بعد حجم الصراع تسرع بسذاجة وتكتب رسالة إلى صديقتها آية تقول لها إنها ذاهبة إلى غزّة.

ذاكرة الأماكن
للرواية فضاءين رئيسيين على ألسنة شخصياتها


الرواية تستدعي فضاءين رئيسيين على ألسنة شخصياتها، الأول وهو المتمثل في منزل الطفلة سلام الذي تروي تفاصيله والتغيرات التي حدثت فيه إلى جانب وصف لمشاهد من الحي ولتعاون الجميع استعدادا لاستقبال الزائر الجديد، الفضاء الآخر هو غزة في فلسطين التي يتمّ استدعاؤها على لسان الجدّ، لترسم صورة شعرية بالنسبة للفتاة ذات الثماني سنوات، حيث تصبح زيارة غزة حلما حيث تعد جدّها قبل رحيله بأنها ستسعى لتزور هذه الأرض التي لا تعرف منها سوى اسمها وما جهزته لها عماتها من ثياب.

هنا نرى أن السرد يلعب دوره في استحضار ما هو غائب أمام ما هو حاضر، أيهما أكثر تأثيرا؟ أيهما يستدعي التضحية أكثر..؟ والد سلام اتخذ قراره بالحفاظ على ما هو حاضر، أما ذاك الغياب الذي يستدعيه السرد فنراه قد تخلى عنه، بعد انتهاء زمن الرواية، وفي زمن جديد خارج زمن الحبكة ستقف سلام مجددا أمام هذا السؤال، هل أعود إلى غزة أم أبقى هنا حيث ولدت وتربيت..؟ هل سترث سلام خسارة جدّها التي رفضها أبوها، أم الأمر سيلقى على كاهل أخيها الرضيع صلاح؟

نرى أن الرواية إلى جانب اللغة الفصحى تتداخل فيها اللهجتان المصرية والفلسطينية كمعادلات مجازية لما ستمرّ به سلام مستقبلا، خيار مفصلي يتعلق بهويتها وانتمائها، فهي لم تفهم بعض الكلمات التي قالها جدّها، كما أنه عمل على زرع صور أقربائها في مخيّلتها عبر حديثه عنهم وتعريفها على صورهم التي يحتفظ بها لديه، الجدّ معادل رمزي عن فلسطين، التي ليست سوى مكان بعيد بالنسبة لسلام، ولا يعلم الطريق إليها سوى أبوها كما تقول في آخر الرواية، هل سيتكرر موقف سلام من أبيها، أم أنها ستنسى ما حصل بذاكرتها الطفولية؟ ويبقى حادث الزيارة بوصفه مغامرة شيّقة، يشبه مغامراتها لإخفاء الحلوى عن أمّها، ومحاولاتها تجنب التوبيخ والتصرف كالكبار.

14