الزيتون شجرة مباركة تؤلف بين العائلات اللبنانية

الزيتون من الأشجار المعمّرة التي يصل عمرها إلى المئات من السنين، وفي لبنان صمدت الكثير من هذه الأشجار أمام أهوال الحرب والمناخ والإهمال، لكنها مازالت مصدر رزق للكثير من اللبنانيين، حيث أنها تجمع العائلات في كل موسم جني لينال كلّ نصيبه من زيتها حتى لو كان في آخر أصقاع الدنيا.
الثلاثاء 2015/11/17
زيتونة لا شرقية ولا غربية تسكن لبنان منذ قرون

بيروت- تنهمك العائلات اللبنانية عموما والجنوبية خصوصا بموسم جني الزيتون، وتتراوح المدة الزمنية التي تبدأ فيها عملية الجني بين منطقة وأخرى، حيث يبدأ أهل الساحل قبل أهل الجبل بمدة لا تتجاوز النصف شهر.

هذه الشجرة، ذات العناوين العدة، مباركة، وورد ذكرها في أكثر الكتب السماوية وهي ليست فقط للطعام من الزيت والزيتون بل كان زيتها يستعمل للإنارة قديما، وهي لا تزال حتى الآن شجرة مباركة في معناها ومبناها، وفي ثمرها وورقها وجذوعها، تزيّن الحقول والقصور.

وموسم جني الزيتون يكاد يكون عيدا قرويا في القرى والبلدات اللبنانية، فهو موسم لإعادة إحياء تقاليد وعادات قديمة ولجمع العائلات للاحتفاء بالأرض وكرمها الذي تغدقه على المهتمين بها.

رئيس بلدية باريش- قضاء صور، سامي عزالدين، وهو صاحب معصرة يقول “إن حكاية الزيتون من أجمل الحكايات التسلسلية التي نتعلم منها نظام الحياة ودقة الإدارة، لأن عملية الجني لا تكون بأساليب الفوضى، بل يجب أن تكون منظمة وهادئة كي تؤتي ثمارها لتجنى أفضل أنواع الزيت الذي بات مصدر العيش للكثيرين والجميع يستفيد منه.

موسم الزيتون دورة اقتصادية كاملة على المستوى المحلي والوطني، وهذه الدورة تحتاج إلى رعاية وعناية ودعم رسمي وأهلي، لكنها مع الأسف متروكة كغيرها من الزراعات اللبنانية لمصيرها المحتوم الذي يتلاعب به المناخ والأسواق التجارية في العرض والطلب والأهم التصدير، إذ أن الكثير من الجاليات اللبنانية في الخارج يصل إليها ما تحتاجه من مؤونة الزيت والزيتون وأحيانا يصل إلى أستراليا أبعد قارة في العالم، فالزيت اللبناني يصدر إلى الصين ويهدى لأنه من أجود أنواع زيت الزيتون الطبيعي”. ويضيف متحدثا إلى الوكالة اللبنانية للإعلام أن “المختبرات العالمية تشذب الزيت المنتج في بلادها، ولكنها لا تصل رغم كل ما تبذله إلى مستوى جودة الزيت اللبناني”.

والزيتونة كالأم، تعطي دون مقابل، وربما أحيانا بمقابل ضئيل. نكش الأرض حولها، تقليمها، ووضع بعض السماد قرب جذعها، وينتهي الأمر، وفي المدة المتبقية من الموسم يمعن الفلاح بالنظر إليها، يتأملها ويتأمل ألوانها الرمادية والفضية التي تشبه ألوان الصخور في ربوع لبنان.

وأكد المزارع محمد حسن خليل أن “شجرة الزيتون تفرض نفسها عليك وعلى العائلة، فهي صامدة على الرغم من جرفها وإحراقها من قبل العدو الإسرائيلي مرارا.

وهي عنوان للصمود في وجه الإهمال الاقتصادي كما أنها صامدة بوجه الأعداء، حيث أنها تجبر الفلاح والعائلة عموما على العودة إلى الأرض وإلى الحقل وإلى أيام الزوادة والشاي على الحطب والمسامرة في الحقول وتخلق نوعا من الألفة بين الناس، وهي ليست رمزا للسلام فقط بل هي رمز للمقاومة لمن لا يريد السلام”.

ويقول المزارع حسين أحمد عز الدين “لا تستطيع أن تهمل كروم الزيتون وإن كان الموسم قليلا، لأنه إذا ما تركت الزيتون عالقا بالشجرة تحت عنوان أن لا جدوى اقتصادية، تشعر بالذنب والإثم لأن زيتها وزيتونها مبارك”. وأكد حسين أن “الجيش اللبناني مشكور لأنه يشتري في كل عام المحصول من الكثير من المزارعين، ولو فعلت المؤسسات الحكومية مثل الجيش لكان الدعم مباشرا لهذه الزراعة”.

بدوره، أكد المزارع أحمد حرب أن “بركة موسم الجني تستلهم من معصرة الزيتون، بحيث يشاهد المزارع بنفسه المحصول وهو في طوره الأخير، فينزاح عن أكتافه تعب موسم كامل. إذ أن للزيت وعصره حكاية طويلة ومسلية في المعصرة تبدأ بتوضيب الزيتون وفرزه إلى الغسيل فالتنظيف والعصر وصب الزيت في الغالونات إلى يد المستهلك”.

وأضاف حرب أن “للزيت فوائد جمة، فهو يحسن جودة الأكل والطعام خصوصا أن اللبناني شغوف بأكل التبولة والكبة النيئة التي لا تكون إلا مع زيت الزيتون اللبناني الفاخر”. وتابع حرب، هي شجرة معمرة تزيّن الحقول وتحرس التلال وباتت تمثل مجد الدور والقصور، يستفاد من ورقها وحطبها وزيتونها وزيتها وجمالها.

20