"الزينبية الشيوعية" تشغل مواقع التواصل الاجتماعي

نقاش عام على الشبكات الاجتماعية اللبنانية على خلفية نشر صورة لفتاة لبنانية ترتدي التشادور وتحمل علم الحزب الشيوعي اللبناني في مشهد اعتبره معلقون يعكس التناقض.
الخميس 2016/09/22
شيوعية متدينة

نجحت صورة فتاة ترتدي التشادور وتحمل علم الحزب الشيوعي اللبناني في احتلال صدارة وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان مؤخرا.

والتقطت الصورة الأسبوع الماضي بمناسبة إحياء ذكرى جبهة المقاومة الوطنية في العاصمة اللبنانية بيروت. نظر إليها البعض على أنها مفارقة ساخرة، واعتبرها آخرون تعبيرا عن واقع الانتماء الشيوعي لهذه الفتاة التي لم تستطع الخروج من عباءة أسرتها ومحيطها.

دخلت النساء على خط التعليق على الصورة ودافعن بقوة عن حق الصبية في التعبير عن رأيها بالشكل الذي تريده وبالطريقة التي تراها مناسبة، واصفات المعترضين بجماعة فوبيا الحجاب.

ولئن أكد البعض أن والدها عضو قديم في الحزب الشيوعي فإن هويّة الفتاة صاحبة الصورة لم تتضح بعد، كما لم تتم معرفة الطريقة التي خرجت بها هذه الفتاة إلى العلن.

وأطلق معلّقون ساخرون من الفتاة ألقابا على غرار “الزينبية الحمراء” و’الزينبية الشيوعية”. ورحب البعض من المنتسبين إلى الحزب الشيوعي بالفتاة باعتبار أن الشيوعية هي “تحرر من القيود والتقاليد” فـ”لا أهمية للزي أبدا”. في مقابل ذلك اعتبر معلقون أن “التشادور، قبل أن يكون لباسا ، هو رمز أيديولوجي وديني لفئة معينة”.

وسخر بعضهم قائلا “كان ينبغي حضور فتاة ترتدي النقاب”… وبحث البعض الآخر عن “مندوبة عن دولة داعش أيضا ليكتمل المشهد”، فيما شبه آخرون الأمر بصور الفتيات “المثيرات” نصيرات حزب الله اللاتي يحضرن الاجتماعات العامة رافعات أعلامه بسراويل الجينز الضيقة وأوشام أسفل الظهر، إضافة إلى أقراط الأنف والسرة وغيرها في مشهد صارخ التناقض.

اللافت أن معظم الضجة التي أثارتها الفتاة ركزت أساسا على المفارقة الشكلية الظاهرة في الصورة، ولم تلتفت إلى الوقائع والتطورات التي جعلتها تبدو أكثر من عادية وطبيعية. كل هذا يعني أن الجمهور اللبناني الذي يتلقى الصور ويعلق عليها، لا يزال ينطلق في تقييماته وتعليقاته من اعتقادات تؤمن بوجود صيغ ثابتة ونهائية للأحزاب والتيارات وللسياسة وحتى للوضع الاجتماعي.

الضجة ركزت على المفارقة الشكلية في الصورة، ولم تلتفت إلى الوقائع التي جعلتها تبدو أكثر من عادية

بناء على ذلك فإن الشيوعية هي حالة تتناقض جذريا مع التشادور، ولا يمكن الجمع بينهما دون أن يكون الأمر غريبا ومستهجنا، مع العلم أن الحزب الشيوعي بات يردد أفكارا تشادورية الهوى ويمارس سياسة إلهية منذ فترة طويلة.

وفي هذا السياق نشر البعض من المعلقين صورا تظهر هذا الجانب؛ كصورة لأحد سائقي التاكسي كتب على زجاج سيارته “الجناح الإسلامي للحزب الشيوعي، يا عمّال العالم صلوا على النبي”.. فالشيوعي يخرج من مقر الحزب ليذهب إلى الجامع، ويترك اجتماع الخلية ليؤدي صلاة العشاء ويستقطع الخمس والزكاة من مبلغ اشتراك الحزب، أما الجنة فهي التطبيق الحقيقي للمجتمع الشيوعي الذي كان يحلم به كارل ماركس.

واستبدل الشعار المشهور: يا عمال العالم اتحدوا!…. بـ“عمال العالم صلوا على النبي”. ويتذكّر المعلقون بطرافة يوم أقيم قداس وجناز على راحة نفس الزعيم السوفييتي جوزف ستالين عام 1953 في البعض من قرى البقاع، فأصبحت هذه القرى تُعرف بـ“موسكو البقاع”.

ويبدو أن النقاش الذي عكسته صورة “الزينبية الشيوعية” يوحي بأن ما يسيطر على المناخ العام في لبنان هو الماضوية بكل تجلياتها، وأن اللحظة لا تزال غير آيلة للمثول في الوجدان العام بوصفها ما يجب التعامل معه، وإنما بوصفها مجرد صدى لماض لا يمضي أبدا ويتكرر بصيغ لا تعرف التجدد ولا التطور. لا يمكن إذن إدراج ردة الفعل على هذه الصورة في سياق التفاعل مع حدث حي؛ إنها تفاعل ميت مع حدث ميت، وليس الاستغراب الذي قوبلت به سوى جزء من حالة انكفاء الفاعلية الاجتماعية والسياسية.

يمكن أن يقال في هذا الصدد إن صورا شديدة القسوة من قبيل صورة أكياس النفايات التي تحتل الجسر البحري بالقرب من السيتي مول في منطقة الدورة، استدعت مجموعة من التعليقات الساخرة في الوقت الذي يفترض أنها دلالة على مأساة عميقة وخطيرة. العنوان الذي تعبر عنه ردود الفعل اللبنانية على الصور التي تخرج من قلب الواقع اللبناني يشي بأن اليأس بات ناظما عاما للسلوك وردود الأفعال.

تتساوى في جحيم اليأس المتناقضات ويصبح من غير الممكن فرزها والتفاعل معها؛ ففي قاع بئر اليأس الذي لا قرار له لا شيء يتفاعل. هكذا يمكن أن يكون مشهد الفتاة التشادورية التي ترفع العلم الشيوعي مفارقة، مثار اهتمام بالغ واستجلابا لنقاش عام، في حين تقيم جل ردود الأفعال على مشهد النفايات التي تحتل الأماكن العامة في قلب سخرية مسحوبة العصب، لا تحيل إلى النقد والاحتجاج بل إلى القبول والرضوخ.

يعلق اللبنانيون على الصور التي تعكس واقعهم كما لو كانوا علماء آثار، وكأن ما يعانونه ليس من صناعتهم وليسوا مسؤولين عن انتشاره وشيوعه. هكذا يتناقض التشادور مع علم الحزب الشيوعي ولا تتناقض صورة أكوام النفايات الشاهقة مع لبنان السياحي ومع منظر السماء الذي لا مثيل له في الوجود. وحده اليأس يمكن أن يجمع بين هذه الكتل الصماء من التناقضات ويصبها في قالب موحد متجانس.

ما نشهده حاليا من تعليقات على صور يفرزها الواقع اللبناني لا يقول إن هناك حراكا ما بقدر ما يؤكد أن هناك صمتا مطبقا يعبّر عن يأس مقيت.

19