السؤال المطروح على قادة الغرب: من هو عدوكم داعش أم الإسلام؟

لا يمكن لحكومات أوروبية كثيرة أن تنكر بأن الإسلاميين كانوا إلى الماضي القريب ورقات ضغط في أيديها ضد دول عديدة في العالمين العربي والإسلامي، ومن هذا المعطى لا يمكن أن نأخذ على محمل الجد التصريحات النارية من بعض القادة في مسألة الحزم في مكافحة الإرهاب إلى درجة مساواة الإسلام بالإرهاب استجداء للشعبوية، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة ليس أقلها تقوية الإرهاب في حد ذاته.
الجمعة 2017/09/08
هل يقتنع كل قادة أوروبا بأن هؤلاء المسلمين ضد الإرهاب

بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 29 أغسطس الماضي أن “مكافحة الإرهاب الإسلامي تتصدر أولويَّات سياستنا الخارجية.. نعم أنا أتكلم بالتحديد عن إرهاب إسلامي، وأنا أتحمَّل تماما مسؤولية استخدام هذا التعبير”، يكون الخطاب السياسي الفرنسي يشي بواحد من اثنين؛ إما تميّزه عن الخطاب الغربي العام، الذي ظلَّ في كل حوادث الإرهاب التي شهدها العالم يفصل بين الدين الإسلامي وبين الأعمال الإرهابية، بما في ذلك خطاب ماكرون أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، وإما أن الرئيس الفرنسي يمهّد لتغير الخطاب الأوروبي العام لجهة توصيف الإرهاب الذي تقوم به الجماعات الإرهابية المسلمة، واعتباره نتاج دين يُنظّر لذلك ويدعو إليه، انطلاقا من ميراث ديني قديم رسَّخته مبررات الحروب الصليبية.

وبغض النظر عن مستقبل هذا النوع من الخطاب، فإننا نجد أنفسنا اليوم على المستوى العالمي نتّجِه إلى وضع لم نشهده حتى في مرحلة الشك والارتباك واهتزاز العلاقة بين المسلمين والغرب، أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ذلك أن العبارة التي وظّفها الرئيس ماكرون، مع تأكيده عنها وإعلانه تحمّل مسؤولية استخدامها، تتجاوز العمل الدموي للجماعات الإرهابية إلى المنظومة الفكرية والرؤية الأيديولوجية بل إلى النصوص الدينية من حيث تأسيسها لتلك الأفعال.

هذا يعني أن الحرب على الإرهاب في المستقبل المنظور ستكون حربا تقليدية، تعود بذاكرة البشرية قرونا إلى الوراء، وإن بدت معاصرة، كما أنها ستكون بحثا وتقصيا وتطويعا وليّا للنص الديني من أجل دفعه نحو تفسير أو تبرير ما يحدث، وقد تكون المطالب الغربية، بصيـغ مختلفـة، هي التخلـي عن ذلك التفسير حتى نتمكـن من التعايـش والبـقاء قي مرحلـة أولـى، ثم الاعتراف بشراكتـنا مع دول العالـم في محاربة الإرهاب في مرحلة ثانية.

العبارة التي وظفها الرئيس ماكرون تتجاوز العمل الدموي للجماعات الإرهابية إلى المنظومة الفكرية والرؤية الأيديولوجية

يبدو أن توصيف الرئيس الفرنسي لإجرام الجماعات المنتمية للمسلمين، سواء أكانت نبتا محليّا خالصا أو زرعا غربيا بحكم الهجرة والميلاد وأيضا التحاق الشباب الغربي ومنهم الفرنسي، يحظى بقبول ولو مبدئي، على غير العادة، من الدول الغربية وحتى الدول الإسلامية، وإن لم يتم الإعلان عن ذلك، ونستند هنا إلى عدم رفض لما جاء في كلمة الرئيس الفرنسي من المؤسسات الرسمية حتّى الآن، وما أُثير في الإعلام بدا محتشما وهزيلا من ناحية الخطاب، على خلاف تصريحات سابقة لقادة غربيين لم تكن بوضوح ماكرون.

وعلى خلفية ما سبق يمكن القول إننا ندخل مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تؤسس عن غير قصد للإرهاب، ذلك لأن القول بوجود “الإرهاب الإسلامي” يختلف عن الوعي السابق بفصل الإسلام عن الإجرام، على غرار ما رأينا في تصريحات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وغيره من القادة الغربيين بمن فيهم الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند، حيث ظل الفصل خلال كل المراحل السابقة بين الإرهاب من حيث هو فعل إجرامي سواء أكان فرديا أو جماعيا، وبين الإسلام من حيث هو دين رحمة وتسامح لكل العالمين، الأمر الذي أفشل مشروع بثّ الكراهية والعداوة بين الأمم تحت مبرر ديني.

ويرى بعض المراقبين أن ماكرون أراد إلهاء الرأي العام الفرنسي بقضية الأمن، بعد تراجع شعبيته مقارنة مع تلك التي كان يحظى بها خلال فوزه بالانتخابات الرئاسية في مايو الماضي، بقضية تمثل هاجسا للفرنسيين في السنوات الأخيرة، ومن هنا اعتبر أن مكافحة “الإرهاب الإسلامي” ستكون في صلب الدبلوماسية الفرنسية، و”أن داعش هو عدونا”، وعلى هذا الأساس يرى “أن عودة السلام والاستقرار إلى العراق وسوريا هي أولوية حيويّة لفرنسا”.

ما سبق ذكره يعني أن ماكرون يشنُّ حربا على الإرهاب على ثلاثة مسارات، الأول: أمني في الداخل، والثاني: عسكري في الخارج كما هو الأمر في العراق وليبيا، والثالث: دبلوماسي كما هو الحال في لبنان اليوم وغدا في سوريا، وكل هذا لأجل تحقيق ثلاثة محاور أساسيَّة في العمل الدبلوماسي، وهي “الأمن والاستقلال وتأثير فرنسا في العالم”، وذلك لتحقيق هدفين في نظره، الأول: استعادة مكانة فرنسا بين الأمم، والثاني: قدرتها على إسماع صوتها انطلاقا من قاعدة أساسيَّة بالنسبة إلى الرئيس ماكرون، وهي على حدّ قوله “أن أمن الفرنسيين هو مبرر وجود دبلوماسيتنا، هذه الضرورة جوهرية، وعلينا الاستجابة لها من دون تهاون”.

الجماعات الإرهابية تحرف النصوص وتطرح تفسيرها الخاص، ولن يؤثر أي تصنيف على مواقفها بل سيساعدها على تجنيد المزيد

ومن غير الواضح بعد كيفية تعامل ماكرون مع سياسة فرنسا تجاه الجماعات الإرهابية، حيث أنها ساندتها بإيواء قيادات كانت على دراية بخطورتها، وتوفير الدعم المادي خلال سنوات الدم في الجزائر، وكانت توظفها استخباراتيا وتستعملها أوراق ضغط على الدولة الجزائرية، ولم تتعامل معها بتحفظ ومراقبة إلا بعد أن قامت جماعات إرهابية جزائرية بتفجيرات متفرقة داخل فرنسا، وبأخرى في الجزائر مسّت المصالح الفرنسية بشكل مباشر، وقد كان الكثيرُ من عناصر النخبة الفرنسية ضد هذا التعاطي الرسمي مع تلك الجماعات، وقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية صواب رؤاهم، فمعظم العمليات الإرهابية التي شهدتها فرنسا بما فيها تلك التي كانت بتوجيه وإشراف داعش هي من فعل جماعات إرهاب الألفية الثانية الذي عاشته الجزائر.

ومن ناحية أخرى سيواجه ماكرون مشكلة عويصة عجز الرؤساء السابقون عن حلها، وتتعلق بالتحاق مواطنين فرنسيين بالجماعات الإرهابية، والتورط معهم في أعمال دموية داخل فرنسا وخارجها، ما يعني وجود خلفية ذات طابع محلي، سياسية واجتماعية واقتصادية، تقف وراء الأعمال الإرهابية وتكرّس ضعف المؤسسات الأمنية الغربية عموما والفرنسية خصوصا أمام التجنيد الإرهابي.

ومهما يكن، فإن تصنيف ماكرون للإرهاب وتسميته بالإسلامي، وهو في ذلك يستند إلى ما ذهب إليه عدد من الباحثين الغربيين خاصة بعد أحداث 11سبتمبر، إلى أن النصوص الإسلامية تحرّض على العنف وأن الطريقة الوحيدة لوقف هذا النوع من الإرهاب هي تعديل النصوص الإسلامية حيث أمكن أو تعديل تفاسيرها على الأقل يواجه ثلاث عقبات، الأولى وهي أن تعديل النصوص أو تغيير تفسيراتها لا يمكن أن يتحقق ليس فقط لأن الكتب السماوية بطبيعتها ترفض هذا، وإنما لأن الجماعات الإرهابيّة تحرف النصوص وتطرح تفسيرها الخاص لها، ولن يؤثر أي تصنيف على مواقفها، بل إن ذلك سيساعدها على تثبيت مواقفها، وتجنيد المزيد من العناصر في إطار الدفاع عن الدين.

العقبة الثانية، أن الإرهاب تقوم به جماعات غير مُسلمة أيضا، وهي سابقة عن ظاهرة ما بات يعرف بـ”الإرهاب الإسلامي”، وقد ظهرت في سبعينات القرن الماضي في أوروبا ودول أميركا اللاتينية، وهذا ينفي المسؤولية الكاملة للجماعات المسلمة عن ظاهرة الإرهاب العالمي.

العقبة الثالثة، تتعلق بالنّسبة المشاركة أو المؤيدة للأعمال الإرهابية في العالم مقارنة بالعدد الإجمالي للمسلمين، وكل الدلائل تشير هنا إلى أن النص الديني مختلف لجهة التأكيد على منظومة القيم عن الأطر التنظيرية والاجتهادات والتفاسير التي تستند عليها الجماعات الإرهابية وتروّج لها، ناهيك على أن تلك الجماعات تمثّل خطرا على المسلمين أكثر من غيرهم.

وعلى خلفية العوامل السابقة، يصبح تصنيف الرئيس ماكرون للإرهاب مدخلا ومبررا لحروب مقبلة، وهو يخدم الجماعات الإرهابية ويوسع من دائرة نفوذها داخل العالم الإسلامي، ناهيك عن إدخالنا من جديد في أتون حروب أصوليات قد يطول مداها، مستنهضة التاريخ الدموي بين أتباع الكتب السماوية في الماضي البعيد والقريب.

13