السائح في وطنه

كانت زيارة الحدائق في دمشق وحلب أكثر ما كان يُمتعنا، لأنها كانت تملك طابعا مشرقيا رائعا تغلغلت فيه أشعة الشمس ما بين الأشجار والأزهار والزخارف الشرقية.
الجمعة 2018/04/06
هي الحياة التي لا تجد أي غرابة في تحويل الجراح إلى أقمار مُضاءة ومُضيئة بأوجاعها

على مدى سنوات قبل أن تسود أجواء الحروب في المنطقة، كنا نقوم برحلات أنا وشقيقتي إلى مدينتي حلب ودمشق لبضعة أيام نسترجع خلالها إحساس ما يعني أن يمرّ الوقت بوتيرة أبطأ، ولكي نسترجع نتفا من ذكريات طفولة أولى حين كنا نقوم بزيارة منزل جدي، لا سيما في فترات اشتداد نوبات التقاتل في بيروت، أذكر أن آخر مرة زرنا فيها حلب ودمشق كانت قبيل أن تندلع الحرب في سوريا.

آنذاك لفت نظرنا أننا كنا نتجوّل بين الشوارع وكأننا سائحتان من أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية لا تنتميان إلى هذه المنطقة لا من قريب ولا من بعيد، رغم كوننا من أبناء هذه المنطقة من العالم.

تأملنا في ذلك كثيرا وفي الإمحاء شبه الكلي للملامح المشرقية لمدينة عربية وعريقة كبيروت، مقابل محافظة المدن الأخرى كحلب ودمشق على ملامح العراقة الخاصة بها.

وتربينا على مقولة أن بيروت هي جوهرة المدن الشرق أوسطية/العربية، ولكننا لمسنا طغيان سمة أخرى، لا سيما في سنوات ما بعد الحرب اللبنانية وهي “أزمة الهوية” التي أثنى عليها عالم ما عاد يعير أي اهتمام للاختلاف، على اعتبار أنه نوع من العدائية تجاه الآخر، هذا على الأقل ما يروّج له منطق الديمقراطية الزائفة الحاضنة لكل الشعوب، تحديدا شعوب الدول النامية والعالم الثالث.

وأثناء زيارتنا الأخيرة كنا نتفرج بإعجاب شديد على العديد من المباني التراثية، مبان مأهولة بالسكان والدكاكين أو بالجهات الرسمية، ولم تكن مجرد أماكن للزيارة كالمتاحف أوالمحميات التي لا يُمكن الدخول إليها إلاّ بتصريحات من الجهات المسؤولة وبمواعيد مُحددة مرفقة بنشرات صُحفية مكتوبة باللغات الأجنبية، وكأن اللغة العربية باتت “رجسا من الشيطان”.

كانت زيارة الحدائق في دمشق وحلب أكثر ما كان يُمتعنا، لأنها كانت تملك طابعا مشرقيا رائعا تغلغلت فيه أشعة الشمس ما بين الأشجار والأزهار والزخارف الشرقية، رأينا  في تلك الحدائق عددا من المجسمات الفنية تمثّل شعراء وعلماء انتموا إلى هذه المنطقة من العالم، وكانت تفاصيل العديد من المقاهي مشرقية بحتة، واحتساء بعض المشروبات التي تقدّم هناك كمشروب “الكمون والليمون الحامض” بالقرب من نوافير ماء محاطة بأزهار وقناطر منسجمة مع معالم معاصرة أسّست وفق معايير هندسة مدنية، كانت مُتعة كبيرة للنظر وللقلب.

هذا التحوّل في ملامح المدينة، أو على الأقل عودة شيء من التوازن الثقافي ما بين الشرق والغرب وتمثّله في تفاصيل صغيرة ولكن بالغة الأثر لاقت استحسانا كبيرا في الوسط الشعبي

أعادني إلى هذه الزيارة الأخيرة التبدل التدريجي في ملامح بيروت بشكل عام إثر وفود أعداد كبيرة من السوريين إليها، افتتحوا مصالح دائمة لهم انتشرت في العديد من الشوارع والأحياء في بيروت وخارجها، ولا شك في أن السوريين ساهموا في إعادة  شذرات من المزاج الشرقي إلى بيروت، مزاج عمد البعض، عن غير قصد أو عن قصد، إلى محوه بمنهجية لافتة.

أما هذا التحوّل في ملامح المدينة، أو على الأقل عودة شيء من التوازن الثقافي ما بين الشرق والغرب وتمثّله في تفاصيل صغيرة ولكن بالغة الأثر لاقت استحسانا كبيرا في الوسط الشعبي.

أشار هذا التحوّل في المدينة إلى مدى التعطّش، فالارتواء من أجواء شرقية افتُقدت وشكّلت عند تجليها بالأمكنة العامة موجة من التأثّرات طالت اللبنانيين في حياتهم اليومية.

نذكر، على سبيل المثال من تلك المظاهر التي عادت إلى بيروت، لافتات المحلات المكتوبة باللغة العربية، وانتشار المأكولات العربية والمطاعم ذات الطابع الشامي والحلبي، وصعود نجم الحُلي ذات الطابع الشرقي ورواج التصاميم المشغولة بـ”الدقّ” والمُطعمة بالصدف.

وقد برع اللبنانيون في ابتكار تصاميم عصرية مُستوحاة منها وفيها نفحات شرقية رائعة لاقت إعجاب الجميع، كما عادت فرصة سماع أسماء عربية رائعة من قبيل فجر وإثار وقُصيّ وغيرها من الأسماء التي أطلقها العديد من المواطنين اللبنانيين على مواليدهم.

وقد تأخذنا هذه الظاهرة إلى هذا القول الشهير “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فهذه هي الحياة التي لا تجد أي غرابة  في تحويل الجراح إلى أقمار مُضاءة ومُضيئة بأوجاعها.

17