الساحة اللبنانية منصة خلفية للصراع السياسي الإقليمي

ما يزال لبنان يعيش فراغا سياسيا بسبب شغور منصب رئاسة الجمهورية منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشيل سليمان في 25 مايو 2014 بسبب فشل مجلس النواب في انتخاب رئيس جديد للبلاد، وبسبب تواصل تضارب رؤى الفرقاء اللبنانيين المرتبطة بتداعيات وتأثيرات اللاعبين الإقليميين في هذا الملف. وفي هذا الإطار كان اللقاء مع عبدالغني عماد أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية على هامش مؤتمر الإسكندرية الأخير والذي أكد فيه استحالة أن تتمكن إيران من بسط نفوذها الكامل في لبنان أو سوريا أو العراق، نافيا أن تكون لداعش أي حاضنة اجتماعية أو أمنية في لبنان.
الاثنين 2016/01/18
تعدد الرايات يغيب رئيس لبنان

أكد عبدالغني عماد رئيس المركز الثقافي للدراسات والحوار في لبنان، وأستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، أن الوضع في لبنان متأثر جدا بتداعيات ما يجري في الإقليم ككل، وأن أبرز التأثيرات ما يتعلق بملف رئاسة الجمهورية الذي لا يزال معلقا، فلبنان ممنوع أن ينتخب ويختار رئيس جمهورية إلا بتوافق جميع الأطراف اللبنانية، وحيث أن توافق جميع الأطراف غير ممكن إلا بتوافق إقليمي، وهو غير متوفر حاليا، لذا يبقى الفراغ الدستوري في رأس الجمهورية مستمرا للسنة الثانية على التوالي.

ورأى عبدالغني عماد في حوار معه على هامش مؤتمر صناعة التطرف الذي نظمته مكتبة الإسكندرية مؤخرا، أن هذا الفراغ الدستوري في رئاسة الجمهورية ينعكس بطبيعة الحال على الوضع الاقتصادي والأمني والسياسي ككل، وقال “إن الخوف كل الخوف من أن ينتقل هذا الفراغ الدستوري والأمني والسياسي إلى تداعيات أمنية على الساحة اللبنانية. مضيفا “أن ما يمنع انتقال الخلافات السياسية وتحولها إلى صراعات أمنية على أرض الواقع بين الفرقاء أن هناك ــ كما يبدو ــ توافقا بين مؤيدي المحور السوري الإيراني الروسي بقيادة حزب الله ومجموعة 8 آذار، ومؤيدي المبادرة العربية والفريق العربي بقيادة السعودية ومجموعة 14 آذار، على إبقاء الساحة اللبنانية منصة خلفية للصراع السياسي فقط دون أن يتحول إلى صراع أمني، ويبدو أن هذا الأمر مستمر رغم محاولات بعض التنظيمات المتطرفة اختراقه من خلال عمليات أمنية هنا أو هناك.

التداعيات الإقليمية

أكد الباحث اللبناني أن تداعيات المشهد الإقليمي ألقت بظلالها بشكل كبير على المسرح اللبناني وهي لا تزال تعطل انتخاب الرئيس وإمكانية تشكيل حكومة جديدة، كما عطلت انتخابات المجلس النيابي في المرحلة السابقة. والانقسام في لبنان هو انقسام على أساس، أن فريقا وجد نفسه يناصر المشروع الإيراني، وفريقا آخر وقف بقوة ضد المشروع الإيراني وضد التدخل في الشأن السوري عسكريا، وخاصة تدخل حزب الله الذي دخل دون قرار من الحكومة اللبنانية ودون موافقة الشعب اللبناني. وقال عبدالغني عماد أن “أبرز تداعيات تدخل حزب الله في سوريا أنه عمق الشرخ الطائفي المذهبي في لبنان، فتدخله كان بمثابة فرض أمر واقع قامت به ميليشيا دون موافقة الحكومة والجيش والمؤسسات الشرعية.

تدخل حزب الله في سوريا عمق الشرخ الطائفي في لبنان، فتدخله كان بمثابة فرض أمر واقع قامت به ميليشيا دون موافقة الحكومة
كما أن هناك فريقا أساسيا اعتبر هذا التدخل مخالفا لوجود لبنان وللميثاق الوطني، لكن حزب الله يعتبر أن دخوله جزء من التزامه بمشروع المقاومة ودعمه لنظام بشار الأسد جزء من دعمه لمشروع المقاومة، ولا أدري أي مقاومة هذه التي أدت إلى تدمير نصف سوريا. وأضاف “رغم محاولات حزب الله الترويج لتدخله العسكري إلى جانب نظام بشار الأسد، بكونه خطاب الدفاع عن المقاومة، إلا أنه لا يجد قبولا لذلك في الشارع اللبناني وبين شرائح واسعة إسلامية ومسيحية وليست فقط إسلامية على الصعيد السني، هناك أيضا شرائح مسيحية كبيرة ترفض تدخله”.

وحول توقعاته لتموقع حزب الله في ضوء مجريات المحيط الإقليمي قال “إن حزب الله مكون سياسي واجتماعي رئيسي يمثل الشريحة الكبرى في الطائفة الشيعية، لكن المشكلة أنه مرتبط بتحالف استراتيجي مع إيران، فعلى مستوى رسمه لسياسته على المستوى اللبناني ينطلق من مصالحه الاستراتيجية المرتبطة أساسا بإيران، وذلك انطلاقا من التزامه الأيديولوجي بنظرية ولاية الفقيه. وأضاف أن موازين القوى الحالية التي ينطلق منها حزب الله مرتبطة بالحلف الإقليمي الذي ينتسب إليه وهو الحلف الإيراني الروسي السوري، وبالتالي فإن الحزب يترجم عمليا ممارساته وسلوكه على الساحتين اللبنانية والسورية هذا التوازن الاستراتيجي الذي تعكسه هذه التحالفات. فمن الناحية العسكرية مثلا لم يذهب حزب الله إلى سوريا كفريق لبناني وإنما كفريق إيراني يجسد السياسة الإقليمية لطهران في المنطقة، وحال حصول تسوية للملف السوري سيكون لحزب الله موقع ومكان في هذه التسوية.

حزب الله

وأكد عبدالغني عماد أنه لا يمكن الحديث عن استهداف إيران للبنان وكذا سوريا والعراق عمليا. فلا يمكن لحزب الله أن يحكم لبنان وحده، وهو البلد الذي يتكون من طوائف كبرى وتحكمه قوى وتوازنات مذهبية وطائفية. وواقع الحال أنه يمكن أن يكون شريكا فاعلا في الحكم، بل أن حزب الله يحتاج إلى شركاء معه أيضا، ولهذا كان تحالفه مع ميشال عون رئيس تكتل التيار الوطني الحر، وترشيحه له لرئاسة الجمهورية، هذا الحلف الاستراتيجي بين الحزب وشريحة كبير من المسيحيين برئاسة عون إنما يؤكد أنه لا يستطيع حكم لبنان وحده.

عبد الغني عماد: تنظيم الدولة الإسلامية في لبنان لا يزال الطرف الأضعف لأنه يتحرك بسرية مطلقة ضمن خلايا معزولة، وليس له هامش اجتماعي أو أمني واسع

ولفت إلى أن حزب الله سعى إلى اختراق الساحة السنية وإقامة تحالف مع شريحة سياسية ممثلة للشارع السني لكنه لم يوفق بهذا حتى الآن، لأن الشارع السني له ممثلون كثر. ورغم تحالف الحزب مع ميشال عون إلا أن الشارع المسيحي منقسم ما بين عون وسمير جعجع والكتائب اللبنانية وغيرها، وبالتالي لا يستطع فريق لبناني أن يحكم لبنان مهما بلغت قوته العسكرية والسياسية،

وقال عبدالغني إن الفكرة الرائجة حول رغبة إيران في مد نفوذها على كل لبنان وكذا العراق وسوريا أمر لم يعد مطروحا، لأن موازين القوى اليوم لا تسمح بذلك، وكل ما تسعى له إيران حاليا هو تحسين شروط التسوية والتفاوض.

وأشار إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية في لبنان لا يزال الطرف الأضعف لأنه يتحرك بسرية مطلقة ضمن خلايا معزولة، وليس له هامش اجتماعي أو أمني واسع ينطلق منه للتحرك، وبالتالي فهو لا يشكل خطرا حقيقيا على الأرض، وقال “في البداية حظي تنظيم الدولة بجاذبية ما استقطبت بعض الهوامش السنية في مناطق محاذية للبنان، لكن الآن لم يعد الأمر كذلك، لقد تغيرت النظرة إليه نتيجة ما ارتكبه من جرائم في كل من سوريا والعراق”.

وأوضح الباحث اللبناني أن التطرف يتأسس على وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وعليه تبنى نظرية التعصب “الدوغمائي” المغلقة بطوابقها اللامتناهية، بحيث يصبح من الصعب على صاحبه أن يتفاعل مع أفكار غيره، أو يتجاوز أفكاره لأنه يعتبرها قطعية ونهائية، هكذا تنشأ حالة التمركز على الذات، والتغذية على مرجعية ثقافية أحادية، والتي تتحول إلى منهجية في التفكير والسلوك، وتقود صاحبها إلى الخضوع لسلطة الجماعة التي ينتمي إليها وإلى سلب وعيه الفردي، وتؤدي إلى توليد ميل خفي إلى إقصاء الآخر ويمهد للقبول باستخدام العنف في التعامل معه.

وشدد عبدالغني عماد على أن مواجهة التطرف لا بد أن تكون سياسية وتنموية قبل أن تكون أمنية فقط، دون أن نقلل من أهمية البعد الثقافي والفكري المساعد في هذا المجال، وتتمثل في ترسيخ قيم الديمقراطية وثقافة التعددية والمساءلة والمحاسبة، وقيم المواطنة ودولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية، أما الدولة التسلطية فهي الحاضنة والمولدة للفساد والتخلف والتطرف، وجالبة لكل أنواع التدخلات الأجنبية، فالطغاة كانوا على مدى التاريخ جسرا للغزاة وحلفاء طبيعيين لهم، وهما معا الوصفة السريعة لصعود الغلاة في كل مكان.

6