الساحل الأفريقي.. الوجهة المثالية للإرهاب

يشهد الغرب الأفريقي صعودا كبيرا في نشاط التنظيمات الإرهابية التي استغلت ضعف دول المنطقة بسبب الصراعات الداخلية والحروب الإقليمية، وافتقادها للحد الأدنى من التنمية الاقتصادية وتردي أوضاع الأمن الإنساني. والواقع أن أفريقيا عرفت نقلة كبيرة في الفهم والتعاطي مع الفكر الإسلامي الذي يتفق المراقبون على أنه كان فكرا متصوفا، ثم انتقل في مرحلة لاحقة إلى خانة الإرهاب.
الأربعاء 2016/01/20
الأخطار تتصاعد

فرض حجم التحديات ومتغيراتها في دول ساحل الصحراء تحولا أساسيا في حجم الأخطار المتزايدة على شمال أفريقيا ودول شمال غرب أوروبا، حيث أصبح الإرهاب وانفلات الهجرة غير الشرعية وتهديد تأمين الحصول على المواد الأولية الجزء الظاهر من جبل الرمال المتحركة، لكن ذلك لا يبدو كافيا لتفسير تصاعد بؤر التوترات المتزايدة في منطقة شديدة الفقر، والتي تشترك دولها في وضعية اقتصادية واجتماعية متشابهة.

وتعد المنطقة، أيضا، من أكبر المناطق عرضة لعدم الاستقرار وتنامي ظاهرة التهريب وعمليات الاختطاف، وصعود النزاعات الإثنية والحركات الانفصالية، فضلا عن كونها أصبحت نقطة انطلاق للعديد من العمليات الانتحارية وتفاقم الصراعات المسلحة.

في مقدمة ما يجدر التنبه إليه، أنه ثمة حقيقة جغرافية وديموغرافية تجعل من دول الساحل الأفريقي بالأساس: بوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر وموريتانيا، ذات كثافة سكانية ضعيفة، حيث يعيش 66 مليون نسمة في خمس دول، وفي منطقة جغرافية شاسعة تبلغ 5 مليون كلم مربع)، مما يجعل هذه المنطقة تعاني من ضعف المراقبة.

وتبلغ نسبة الشباب في هذه المنطقة بين 45 و55 بالمئة، ولا تتعدى نسبة التمدرس 25 بالمئة؛ فيما يصل معدل الحياة إلى ما بين 55 و60 سنة، وينزل إلى 49 سنة في تشاد، ويصل معدل الخصوبة إلى ما بين 6-5 أطفال لكل امرأة.

ويتوقع أن يصل عدد السكان إلى 194 مليون نسمة في غضون عام 2050، ما سيجعل من الانفجار الديموغرافي قنبلة موقوتة؛ فمعدل الولادة المرتفع يشل الجهود الزراعية، ويدفع الشباب إلى الهجرة سواء نحو أوروبا أو نحو المدن. ويقابل هذا الوضع الاجتماعي، نمو اقتصادي لا تتعدّى نسبته الـ 2 بالمئة سنويا، كما أن عجز الموازنات يتراوح بين 4 و10 بالمئة من الناتج المحلي الخام.

الجماعات المتطرفة تظهر قدرا كبيرا من المناورة واستعادة المبادرة الميدانية وتجميع قواها من جديد

حصاد دامي

إذا كانت بوركينافاسو إلى أمد قريب بمنأى عن الإرهاب نسبيا، حيث تلعب دورا هاما في عملية بدرخان الفرنسية، وتشارك في المهمة الدولية لدعم مالي الأممية، فإن الهجوم العنيف الذي استهدف، ليلة الجمعة 16 يناير، فندق سبلونديد في قلب العاصمة واغادوغو، يشكل تحديا كبيرا للرئيس كابوري الذي فاز في الانتخابات الرئاسية في 29 نوفمبر 2015.

ويأتي الحادث في الوقت الذي تمر فيه البلاد بمرحلة انتقالية عصيبة على إثر إسقاط حكم الرئيس بليز كامباوري الذي استمر حكمه 27 عاما، واختطاف مسؤول روماني عن منجم المنغنيز في تامباو، إحدى مدن شمال البلاد، في 15 ابريل 2015، وهي عملية أعلن تنظيم المرابطون التابعة للقاعدة في المغرب الإسلامي مسؤوليتها عنها، كما قامت بعملية أخرى على الحدود المالية، ثم قامت باختطاف طبيب استرالي وزوجته يوم الجمعة الدامي.

ولا يختلف الوضع الهشّ كثيرا في مالي، حيث خلقت حالة الاضطراب المتزايدة في البلاد وتهاوي سلطة الدولة مساحة هامة تتحرّك فيها الجماعات الجهادية مستغلة ضعف الحكومة والجيش.

ففي نهاية 2012، عمدت إلى إقامة تحالف مؤقت مع الطوارق، خاصة مع حركة أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير الأزواد، والعديد من مقاتلي إيشومار الطوارق الراغبين في الانتقام من طوارق إمغاد العاملين في الجيش المالي للاستيلاء بالقوة على السلطة.

واستطاعت هذه الجموع الزحف نحو مدينة ليري في 26 يناير 2012، وفي مارس نحو كيدال، وتيساليت، وغاو، لينتهوا بالسيطرة على تمبوكتو، معلنين بذلك عن ميلاد “الأزواد الإسلامية” في 6 أبريل 2012.

وقد أدى هذا الخطر الداهم إلى هروب ثلثي السكان على إثر التنكيل الذي لحق بهم. كما عمد تنظيم القاعدة إلى هدم الزوايا وقبور شيوخ الصوفية البالغة عددها 300 في يونيو 2012، وقام أنصاره بإحراق المخطوطات، وتحريم لعبة كرة القدم، وتدخين السجائر، والموسيقى، وإلزام النساء بارتداء النقاب.

في المقابل، ساهم تشديد الحصار على التنظيمات الإرهابية عبرعملية سرفال في يناير 2013، في مقتل أبوزيد قائد كتيبة الفاتحين بالقرب من أغويلهوك بمعية أربعين من المتطرفين. غير أن بلمختار عمد إلى خلط الأوراق بالهجوم على مركب الغاز في عين أميناس الجزائرية، وإعلان حركة التوحيد والجهاد وتنظيم الموقعون بالدم تأسيس تنظيم المرابطون في أغسطس 2013.

غزوة الساحل الأفريقي

ويجمع هذا التنظيم حوالي 500 مقاتل، واستطاع تجنيد مقاتلين جدد ينتمون إلى بائل الپول وسونغاي، في ظرف وجيز، غير أنه لا يعرف على وجه اليقين زعيمه، وتحوم شكوك قوية حول عدنان خليفة أبو زيد أو بلمختار نفسه، فيما يتم تداول قائد ثالث يحمل اسم أبو بكر النصر، وهو مصري الجنسية.

وقام تنظيم المرابطون بعدة عمليات في ماي 2013 في أجدز ضد العسكريين، وفي أرليت ضد شركة أريفا، والهجوم على سجن في نيامي لإطلاق سراح 22 من أتباعه.

وبالرغم من الضربات الموجعة التي تلقاها الجهاديون ـ أكثر من 600 قتيل – على إثر عملية سرفال، إلا أنهم استطاعوا التأقلم، وهرب الكثير منهم إلى أوباري في ليبيا.

وبعد ذلك، تقلص عدد جنود فرنسا من 3500 إلى 1000، وانحسرت عملياتهم في تمشيط منطقة أدرار، ومتابعة الفلول الجهادية المختبئة، حيث دفع هذا الوضع إلى مصادقة مجلس الأمن في 25 أبريل على تأسيس قوات مهمة حفظ الاستقرار والمساعدة في تأمين الانتقال السياسي في مالي بواسطة قوات مدمجة متعددة التخصصات التابعة للأمم المتحدة، وبلغ حجم القوات 12600 عسكري. وبموازاة ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي تأسيس قوات مهامها الأساسية تكوين ستة فيالق مالية لتحسين أداء الجيش المالي.

ويلقي ضعف وهشاشة مالي بثقلهما على موريتانيا، التي بذلت جهودا كبيرة للخروج من وضعية السنوات العجاف (2012-2009) التي عرفت تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية والاختطافات للغربيين.

وما زالت موريتانيا موضوعة على لائحة البلدان التي لا ينصح الأجانب بزيارتها، رغم أنها نجحت نسبيا في التحكم في مراقبة حدودها الشرقية، وأصبح تنقل الجهاديين فيها صعبا، حيث تقلصت كثيرا مناطق عمليات الحركات الجهادية.

لكن، بسبب محيطها الجغرافي تبقى موريتانيا في مصاف الدول الملجأ للتنظيمات الجهادية، شأنها شأن النيجر التي تعاني من كماشة الفوضى في ليبيا، المتواجدة في شمال شرقها، وتنقل الجهاديين من أدرار مالي حول حدودها، وتهديد بوكو حرام في الجنوب، فضلا عن مشكلة النازحين الأجانب التي تتسبب في احتكاكات مع السكان، حيث تعتبر مناطق قرى بحيرة تشاد ومدينة ديفا التي تم فيها الهجوم على سجنها في 12 يوليو 2015 مهددة على الدوام، وخاصة بعد العملية التي أدت إلى مقتل 38 مدنيا في يونيو الماضي، كما أن آفاق الانتخابات الرئاسية في عام 2016 تخيم بظلها بعد ست سنوات من الانقلاب العسكري الذي قام به الرئيس إيسوفو، وفي ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي يتعرض لها البلد.

ورغم انخراط التشاد القوي في محاربة التنظيمات الإرهابية على مختلف الجبهات، إلا أنها أصبحت الهدف الأول لسائر التنظيمات، خاصة تنظيم بوكو حرام الذي قام بتنفيذ انفجارين في 15 يونيو 2015 أسفرا عن مقتل 33 مدنيا في العاصمة نجامينا، وقام بعملية تفجير أخرى في 28 يونيو من نفس السنة أسفرت عن مقتل 11 شخصا.

ورغم انتشار قوات الجيش التشادي على مجمل حدودها مع نيجيريا، وقيامها بتوجيه ضربات جوية في ولاية بورنو وفي شمال الكاميرون بالتعاون مع القوات النيجيرية والكاميرونية، إلا أن ذلك لم يمنع شيكاو من الاستيلاء على مدينة غامبرو مارس الماضي.

موريتانيا موضوعة على لائحة البلدان التي لا ينصح بزيارتها رغم أنها نجحت نسبيا في التحكم في مراقبة حدودها الشرقية

حصيلة ضعيفة وأخطار دائمة

يبدو واضحا أن العمليات الإرهابية قد انخفضت بين يونيو 2013 ويناير 2014 بفعل العمليات العسكرية الفرنسية في مالي، لكن ضعف الجماعات الجهادية يظل مؤقتا، أمام ما تؤكده عملياتها من قدرة على التأقلم مع الوضع الجديد أكثر من القوات النظامية؛ حيث تبحث هذه التنظيمات عن مناطق وعرة المسالك لتفادي الضغط العسكري. وبعد الانسحاب المؤقت للجنود الفرنسيين استفاد الجهاديون من المناطق الخالية؛ كما تعثرت مهام قوات الأمم المتحدة التي فقدت 43 عسكريا خلال عامين.

ويبدو أن الاستراتيجية المتبعة من طرف الجماعات الإرهابية تعتمد اليوم على المناوشة الدائمة، في طبيعتها ومهامها، حيث يميزها الهجوم ليلا عبر زرع قنابل مضادة للدبابات، وإطلاق صواريخ يدوية الصنع.وتظهر هذه الجماعات قدرا كبيرا من المناورة واستعادة المبادرة الميدانية وتجميع قواها من جديد. حيث بادرت بالهجوم على ثكنة نامبالا العسكرية أسفر عن مقتل 11 جنديا، ثم قامت بهجوم على تينينكو في 16 يناير، والذي أدى إلى مقتل جنديين مالييين، وهجومات أخرى كشفت قدرة كبيرة على التنسيق.

وهنا تكمن الخطورة التي بدأت تجعل من الساحل عرضة لتحديات أمنية وجيوسياسية، فيما تزيد هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي من حدة التوترات التي تساعد في تقارب الحركات الإرهابية والتنسيق في ما بينها، بالمقابل ما زالت دول المنطقة تنقصها استراتيجية تعاون شاملة، وإذا كانت الوضعية الإرهابية بين 2000 – 2010 منحسرة جغرافيا بين الجزائر وموريتانيا ومالي، فإنه خلال 2012 – 2015 شملت جنوب ليبيا، وشرق مالي، وشمال نيجيريا ووجود حوالي 3000 كلم من الحدود في النيجر دون مراقبة، حيث يتنقل الإرهابيون بين كيدال ومعبر سالفادور وبجوار الحدود الجزائرية الليبية، بكل حرية.

ويبدو جليا أن المسألة الحقيقية، وراء تصاعد ظاهرة الهجمات الإرهابية، والتي كان من أحدثها هجوم واغادوغو، الأسبوع الماضي، لا يمكن اختزالها في المسببات الاقتصادية والاجتماعية فقط، رغم أهميتها، فالمسألة تتعلّق بالأساس بالخطاب الديني وتحوّلاته، مستفيدا من المسببات السابق ذكرها؛ وقد تناولت “العرب” هذه الإشكالية، (نُشر في 2016/01/18، العدد: 10158، ص(7))، التي يؤكّد خبراء مختصون في الشأن الأفريقي أنها تتصدّر قائمة أسباب تحول المجتمعات الأفريقية، المعروف عنها اعتدالها، إلى مراكز تفريخ رئيسية للجماعات الجهادية. وتغييب هذا الجانب من الدراسات المعنية بالحركات الجهادية في أفريقيا ومواجهة التطرّف بها، يؤثّر سلبيا على مجريات الأمور، ويقف عقبة امام انتشال هذه المنطقة من خطر الإرهاب.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6