الساخر والمهرج والأبله.. أقنعة الكاتب في نقد الواقع

الأحد 2014/01/26
عين الروائي تلاحظ الأبله وترصد العالم من خلال عينيه

كان من بين النتائج التي توصل إليها الباحث شاكر عبد الحميد في كتابه “الفكاهة والضحك؛ رؤية جديدة”، خصوصا حين وجّه فيه الاهتمام صوب دراسة الضحك عند الناقد الأدبي الروسي “ميخائيل باختين”(1895- 1975)، نتيجة مفادها “أن علم نفس الضحك لدى باختين هو أقرب ما يكون إلى علم اجتماع الضحك وعلم أنثروبولوجيا الضحك أيضا، حيث يرى باختين أن بدايات الثقافات الإنسانية لم تشهد تمييزا أو فصلا حادا بين مستويات هذه الثقافة الشعبية ومستوياتها الرسمية”. بل كان هناك ضحك يوحّد ويربط، ويصل المقدس بالمدنس، والسامي بالوضيع والحاكم بالمحكوم.

هذه الوحدة القديمة لوظيفة الضحك، تجلت عند باختين، وكأنها تستبطن في عمقها عوامل السلب والنفي، إذ جرى تكريس التمايز والانقسام بين هاتين الثقافتين بعد ذلك، وهو ما بدا واضحا في غلبة روح الجدية والتجهم المصاحبة للطابع النخبوي والجاد، الذي يمثله رجال الدين والإقطاعيون في القرون الوسطى.

أما الروح المرتبطة بتيار البهجة والمرح والضحك القديم، فقد ظلت حية من خلال الثقافة الشعبية، وهي كما يعرّفها باختين: “القناة الأساسية التي تعبّر من خلالها الجماعات والشعوب عن نفسها، وينتشر هذا التعبير منها بعد ذلك إلى كل المستويات، بما في ذلك المستويات الرسمية، تلك التي تحاول أن ترتدي (قناع الجديّة) دائما”.


حقيقة البلاهة


وما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، هو أن الجِدّ المنتقَد بعمق، سعيا إلى كشف زيفه عن طريق الهزل والسخرية، هو الذي يقصده باختين في إطار اهتمامه بالضحك، ومحاولة رصده لتمظهراته في ثقافة القرون الوسطى، رابطا بينه وبين معاني الاحتفال التي تغلغلت في الإبداع الفني، وغدت تتجسد في فلسفة الخطاب الروائي لكل من “رابليه” و”ستيرن” و”سيرفانتيس″ و”تولستوي” و”دوستويفسكي” وغيرهم.

هذا الجِد ليس هو الجِد الحقيقي الذي نعرف ثمنه عندما يكون ضروريا، بل هو الجد الذي يثير إحساسا بالتقزز والامتعاض، ورغبة في الانفجار ضحكا وسخرية تتصاعد من الداخل، ذلك أن هذا الجد ينطوي في جوهره على قصدية تقوم على الكذب والخداع، فيما هو يخفي وراءه في حقيقة الأمر، صورة للغباء والبلاهة.

يتعلق الأمر، وفق تعبير باختين وهو يقدم لنا صورة شاملة عن ذلك بـ”الجد المتصنع الذي يصلح لإخفاء الجهل والبلادة. فالجد هو المتقاعس الحقيقي، إنه طريقة مضمونة لأن نضع في العالم، شهرة رجل نجعله أكثر ذكاء وعلما مما هو عليه في الواقع. لأجل هذا، فبالرغم من كل ادعاءاته، لم يكن الجد أبدا أفضل، بل إنه كثيرا ما ظهر أسوأ مما حدّد به، قديما- رجل فرنسي يتمتع بفكر ثاقب- تعريفا للجد بأنه: سلوك غامض للجسد، يصلح لإخفاء عيوب النفس؛ وبجرأة علّق عليه يوركي بأنه جدير بأن ينقش بحروف من ذهب”.

وفي تحليله للأعمال الروائية، توصل باختين إلى أن البلاهة تأتي في الرواية جدالية وبصفة مستمرة، لهذا تمثل في نظره أساسا يوجد دائما في ما أسماه بـ”اللاّفهم الجدالي”، لأنها متصلة، حواريا، بالذكاء، أي الذكاء الأعلى المزيف، حيث تلعب البلاهة في هذا الصدد دور الخداع السّار ولا فهما للكذب المبرر؛ إنها تشتغل هنا كمقولة حوارية، بل سجالية، تخاصم جداليا، الذكاء المصطنع والتحذلق الواضح وتفضحهما.

يكتسي الأبله أهمية كبرى بالنسبة إلى الكاتب الروائي، فهو شخصية ضرورية عنده. لأن خطاب الأبله بسبب وضعه الاجتماعي الذي يمنحه شرعية وامتياز قول ما يريده

ويكتسي الأبله أهمية كبرى بالنسبة إلى الكاتب الروائي، فهو شخصية ضرورية عنده. لأن خطاب الأبله بسبب وضعه الاجتماعي الذي يمنحه شرعية وامتياز قول ما يريده؛ ويستوي في هذه الحالة مع الأحمق والمهرّج، يصلح خطابه/خطابهم، للتعبير عمّا لا نقدر التعبير عنه مباشرة حول قضايا وأمور وشخصيات ليست كما ينبغي لها أن تكون، لكنها في ظاهرها تبدو واثقة وجادة، ورسمية محضة لا تقبل أن يطالها رأي صريح أو يوجّه لها نقدا مباشرا.

لذلك يلجأ الكاتب إلى شخصيات كالمحتال والساخر والمهرّج والأبله، لأنها تمثل مظاهر مناسبة لفئات اجتماعية شعبية، مسحوقة ومضطهدة، مهمشة ومغلوبة على أمرها؛ مرتبة في أدنى السلم الاجتماعي، وأحيانا تكون خارجة حتى من أن تصنف ضمنه، لكن بالرغم من ذلك، فإنها تظل مهمة بالنسبة إلى الأديب، لعلة ما كامنة، ربما، في مزجها بين الغرابة والألفة، أو لكونها تصلح أن تكون “آخر” أو قناعا للوجه الحقيقي، أو أداة لقلب المواضعات والقوالب الاجتماعية الجامدة والمعهودة، إذ بواسطة إحدى هذه الشخصيات يمرر الكاتب حقيقة ما، ومن خلالها يعبر عن رؤيته للواقع ويبني موقفه وتصوره حول العالم.


الهامش والسلطة


تقابل صورة الأبله شخصيات تتصف بالجدية، في مختلف المواقف الروائية المتنوعة ثم في التعارضات المصاغة حوارا، مثل: الأبله والشاعر، والأبله والعالم المتحذلق، الأبله والواعظ الأخلاقي، الأبله والراهب أو المتزمت، الأبله والمشرّع، الأبله والسياسي، الأبله البليد في المحكمة والأبله الغبي في المسرح وفي المنتدى العلمي… وتبعا لهذا التقابل بين الأبله ونقيضه، نقدم إشارة لباختين تفيد أن تجسيد الرواية للبلاهة أو “اللافهم”، يمثل تعبيرا أفضل لجوهر النثر الروائي وحكمته العميقة في تقديم عالم مليء بالتناقضات ومشوش ومربك؛ حيث يقول: “يمكن للأبله الذي يقدمه الكاتب، أن يكون هو نفسه، التهكم الصادر عن الكاتب الذي ليس مضطرا لأن يتضامن معه تضامنا مطلقا، بل إن الاستهزاء من البلداء يمكن أن يحتل واجهة الرواية. لكن الأبله ضروري بالنسبة إلى الكاتب: فحضوره غير الفاهم “يفرّد” عالم المواضعات الاجتماعية. فالرواية بتشخيصها للبلاهة، تتعلم أشياء عن روح النثر وعن حكمته. وعين الروائي تلاحظ الأبله أو ترصد العالم من خلال عينيه، تتكيف مع الرواية المبتذلة لعالم مشوش، مربك”.

تلعب البلاهة دور الخداع السّار للكذب المبرر، وتشتغل كمقولة حوارية، تخاصم جداليا الذكاء المصطنع والتحذلق الواضح وتفضحهما

من جهة ثانية، يربط باختين بين شخصيات المهرّج والأبله والمحتال، باعتبارها أهم المقولات الثلاث، التي نسجت الحوارية وتعدد الأصوات في الخطاب الروائي، كما رفضت كعادتها تلك الوجوه الخارجية والرمزية الجامدة، و فضلا عن ذلك، يعتبر هذا الثالوث أبطالا لسلسلة من الحلقات والمغامرات والتعارضات الحوارية التي لا يمكن أن تنتهي، ولمقولاتهم أهمية خاصة في فهم أسلوب الرواية، وفي فهم أصول النثر ما قبل – التاريخية، في اتصال روابطه بالفلكلور والاحتفالات الشعبية القديمة.

وفقا لهذا المنحى، يأتي لنا باختين بتفصيل لهؤلاء الأبطال الثلاثة، مبينا الحظوة الاستثنائية التي كانت للمهرّج وما زال يتبوّؤها بينهم، نظرا لكونه أحد الوجوه الإنسانية العتيقة المألوفة، الضاربة بعمق في وجدان تاريخ الفن البشري عموما، كما يعدّ كذلك أحد الأصوات والأشكال المنغرسة قديما، في ذاكرة الخطاب الأدبي بوجه خاص. وفي هذا الإطار يقول باختين: “إن الخداع السّار عند المحتال، هو الكذب المبرر بالنسبة إلى الكاذبين؛ والبلاهة هي لا فهم الكذب المبرر. وهذان هما جواب النثر على الباتوس الرفيع، على كل ما هو جدي وعلى كل اصطلاحية. إلا أنه ينتصب، بين المحتال والأبله، وجه المهرّج الذي يبدو وكأنه خليط فريد من الاثنين (…)، والمهرّج هو أحد الوجوه الأكثر قدما في الأدب، وخطابه التهريجي، بسبب وضعه الاجتماعي الخاص (امتيازات المهرّج) هو أحد الأشكال الأكثر قدما للكلام البشري في مجال الفن (…)، فالمهرّج هو الذي له الحق في أن يتكلم لغة غير معترف بها، وفي أن يشوه اللغات المعترف بها مع لدغة خبث.

هكذا إذن، فإن الخداع السار للمحتال الساخر من اللغات النبيلة، وتشويه المهرّج لها تشويها شرسا مع قلبها رأسا على عقب، وأخيرا الأبله بلا فهمه الساذج لها، هي المقولات الثلاث الحوارية التي نظمت التعدد اللغوي للرواية في فجر تاريخها وهي التي نجدها، في الأزمنة الحديثة، مجسدة بوضوح عجيب داخل الوجوه الرمزية للمحتال، والمهرّج، والأبله”.

إن صورة كل من الأبله والمهرّج والمحتال الساخر، كما رصدها باختين في الخطاب الروائي، لا تختلف كثيرا في أبعادها الرمزية عن صورة ذلك “الآخر” الهامشي الساخر، الأعزل والمقموع، التي رسمها باختين للمجنون والمهرّج في الساحة العامة وأثناء الكرنفال في العصور الوسطى، حينما كشف عن حضورهما في الكرنفال بكل أبعاده ودلالاته وإيحاءاته الاحتفالية والرمزية؛ هنا إذن، يتبدّى الهامشي، في الحياة كما في الخطاب الأدبي، في صراع مرير ودائم مع السلطة؛ إنها سلطة الخطاب المؤدلج التي ترتسم ملامحها في وجه الآخر الجدّي المتجهم، ذي النزوع اليقيني في فكره المتصلب أمام تعدد الأصوات واختلافها.

وبالمقابل، لا ينفكّ المهرّج وأشباهه في مقاومته، والثورة عليه. وهي كأصوات متحررة، ترفض في مواجهته، أن تركن إلى أي يقين موضوعي ثابت، أو فكرة أحادية الجانب؛ لهذا، تلفيها غالبا ما تتخذ من السخرية أسلوبا لفضح التشوهات المقنّعة خلف الخطابات الأيديولوجية، المتخفّية وراء شبح الجدية المصطنعة، ومن ثم فضح زيف الواقع من خلال المحاكاة الساخرة للأشخاص المزيفين، وتقديم صورة مقلوبة عنهم كما هي في الأصل.


وظيفة البلاهة


من هذه الزاوية، يمكن القول إن النبرة الساخرة لكل من المهرّج والأبله والمحتال، هي في حقيقة الأمر صوت الكاتب نفسه، الذي يتخذ من الآخر قناعا يتخفى وراءه، ويجعل من حضوره قناعا، بكل ما يحمله القناع من أبعاد ودلالات. والقناع معروف كونه الصورة المناقضة للوجه الحقيقي والأصلي.

الجد ينطوي في جوهره على قصدية تقوم على الكذب والخداع، فيما هو يخفي وراءه في حقيقة الأمر، صورة للغباء والبلاهة

وتبعا لهذا المعنى، يمكن أن يُتّخَذ وسيلة للكذب والزيف، لكنه على عكس الزيف والكذب السلبيين، ولهذا يغدو قناع البلاهة إيجابيا من هذه الوجهة، لذلك يسير في اشتغاله في خطاب الأديب، نحو فضح الجدّي السلبي.

في هذا المستوى إذن، تسير صورة “الآخر” الهامشي، في طموحها إلى الانكشاف والتمثل، في وجوه كلٍّ من الأبله والأحمق والمهرّج والمحتال الساخر، وهي كعناصر، تبقى مجرد أسماء مستعارة في حضورها ودلالاتها الرمزية والفنية، سواء أكانت مستوحاة من وحي خيال الكاتب أو مستمدة من الواقع. وقياسا على هذا الفهم، فإن أي دور أو كلمة أو ملفوظ يصدر من أحد هؤلاء الثلاثة هو بمنزلة القناع. والقناع في هذا المقام يستخدم كأداة للكشف والإخفاء والحضور والغياب، ووسيلة للهروب والمواجهة، وطريقة لقول الحقيقة ونفيها في آن، وأسلوبا يتخذ في الأدب كما في الحياة، لأن نقول ما لا نستطيع التعبير عنه بشكل مباشر أمام الشخصيات والمؤسسات ذات الطابع الرسمي والجاد، وأمام السلطة بأشكالها المختلفة ووجوهها المتعددة؛ كما في السياسة والدين والمجتمع، وغيرهم ممن يفرض فكرة، أو أيديولوجيا ما على الآخر المختلف، ويخال أنها ثابتة وغير قابلة للتحول.

الكاتب إذن، يضطر في الأخير، حين يعجز كغيره من الكثيرين في قول ما يريده، إلى تمرير خطابه عبر ذلك “الآخر الساخر” الذي يرتدي القناع ويستتر خلفه، باعتباره قاطعا لهذه الأفكار وتلك الأيديولوجيات دون أن يملك أفكارا مسبقة أو خلفيات أيديولوجية؛ فإليه يحنّ الكاتب ويرنو، لأنه بكل بساطة هو “ذاته” التي يُجري على لسانها خطابه ويمرر عبرها أفكاره ومواقفه ورؤاه وتصوراته.

12