السادة المانحون.. امنحونا ولكن راقبونا

الخميس 2016/12/01

الأخبار الواردة من قصر المؤتمرات بالعاصمة عن مؤتمر الاستثمار “تونس 2020” الذي تعول عليه تونس كثيرا للنهوض باقتصادها المتعثر، تفاعل معها التونسيون بالكثير من الإيجابية لجهة الإعلان عن أسماء دول كبرى مانحة وممولة لبعض المشاريع على غرار المملكة العربية السعودية والكويت والمغرب أو التي أعربت عن دعمها ووقوفها إلى جانب تونس بكل الوسائل والطرق الممكنة كالجزائر وتركيا وقطر وفرنسا.

سوف لن نخوض في لغة الأرقام وحجم المبالغ التي سيتم رصدها وتخصيصها لدعم المشاريع الاستثمارية في تونس، بقدر اهتمامنا بمسائل لا تقل أهمية عن تهيئة الأرضية اللازمة لكل هذه الأيادي الممدودة إلى تونس كي لا تحيد عن الهدف المرسوم لها مسبقا.

تبدو المؤشرات على تحول النظرة إلى تونس مستقبلا كوجهة للاستثمار إيجابية وتدعو إلى التفاؤل، لكن في المقابل هناك العديد من النقاط يجب توضيحها أولا وقبل كل شيء.

السادة المانحون.. لا تلومونا على أخطائنا، فهي على كثرتها، إلا أنها أبدا لن تشكل بأي حال من الأحوال حجرة عثرة أمام طموحات شبابنا المتطلع للتشغيل ولأجيال كثيرة من أصحاب الشهائد العليا الذين طال بهم أمد البطالة.

السادة المانحون.. لا يغرنّكم المتلطّمون العابسون الذين يغادرون على أتفه الأسباب والمبررات الواهية، ففي البلاد رجال أكفاء قادرون على المضي بتونس والنهوض بها من سباتها الذي نتمنى ألا يطول.

السادة المانحون.. لكم في تونس خير وجهة بفضل الهبة الجغرافية التي منحها إياها موقعها على المتوسط لتكون منارة لانطلاق مشاريعكم وخير محفز لتطلعاتكم المستقبلية في هذا البلد.

السادة المانحون.. امنحونا بقدر ما تستطيعون ولكن راقبونا وشاركونا فكرة أن الاستثمار أبدا لن يكون سوى بغير عقلية الباعث والشريك، لا بعقلية الاستثمار لغاية الاستحواذ والتملك. السادة المانحون.. استثماراتكم لا يجب أن تكون موجهة فقط نحو المدن الكبرى، فهناك أيضا مناطق داخلية عديدة متعطشة ومحرومة تتطلع إلى برامجكم وما ستخصصونه بشأنها.

السادة المانحون.. نأمل في تغيير خارطة توزيع المشاريع الكبرى في تونس، فهل سيكون في برامجكم دليل مفتاح جديد لهذه الخارطة يقطع مع الماضي بكل فصوله التي لم تجن منها تونس سوى الدعم لظاهرة المركزية دون فائدة؟

وفي المقابل تونس مطالبة اليوم بوضع كافة التسهيلات الممكنة أمام المستثمرين وتوفير الظروف الملائمة لأجل ألا تهدر كل هذه الجهود وتذهب سدى. أول هذه التسهيلات هو العمل على تهيئة مناخ عام للاستثمار يكون محوره الأساس تدعيم البنية التحتية والنهوض بها، وأهم من ذلك لا بد من فرض الأمن والاستقرار في جميع الجهات دون استثناء.

رهان التونسيين الكبير اليوم هو على تحويل هذه الوعود إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع وإثبات قدرتهم على أنهم في مستوى الرسالة التي بعث بها مختلف هؤلاء المانحين.

وهذا لن يتحقق إلا بتوحيد الصفوف ونبذ كل أشكال الولاءات والانتماءات وضرورة العمل على تغليب مصلحة تونس أولا وأخيرا.

خوف التونسيين يصب في خانة التوظيف السياسي للنتائج المترتبة عن مؤتمر “تونس 2020” خاصة أن الراعي الرسمي لأعماله وهو قطر معلومة مسبقا العلاقة التي تربطها بحركة النهضة الإسلامية، والخوف كل الخوف من توظيف الاستثمار لخدمة أجندات الإسلام السياسي.

حالة تململ كبيرة أيضا طبعت العديد من مواقف المتابعين لمؤتمر الاستثمار في اليوم الأول مردها الحضور الكبير واللافت للشركات التركية، مما يزيد المخاوف داخل تونس من توطين الاستثمار الموجه لخدمة أغراض وتوجهات سياسية إسلاموية في السلطة.

لكن التحدي الأكبر، إن صدقت وعود المانحين طبعا، سيكون في كيفية الحرص على عدم إضاعة كل مليم سيتم ضخه لإعادة تحريك الدورة الاقتصادية وجلب رؤوس أموال تكون قادرة على خلق الثروة التي ما أحوج تونس إليها.

ورغم ما يصطدم به هذا التحدي من عراقيل ومعوقات في المستقبل قد تحول دون تهيئة مناخ أمني عام يساعد المستثمرين على الانتصاب وتوجيه استثماراتهم إلى تونس، على غرار تواصل الخلاف بين الفرقاء الليبيين وعدم توصلهم إلى اتفاق ينهي النزاع الدائر في الجارة ليبيا، إلا أن الطريق يبدو سالكا أمام تونس والتونسيين لإثبات أنهم في مستوى تطلعات العالم وتحقيق معدلات نمو اقتصادي إيجابية تعيد البلاد إلى مكانتها الطبيعية.

كاتب من تونس

4