الساعة من حلزون الزمن إلى فضاء التكنولوجيا

الأحد 2015/05/17
الساعة آلة ميزت بها الحضارة ما بين الوجود والعدم

عرف الإنسان منذ سحيق الأزمنة، قيمة الوقت وخاف منه، وحرص على عدم هدره، لأنه اكتشف حينها مثلما اكتشف النار، أن الوقت يعد من الأشياء الثمينة التي إذا مرت لا تعوض ولا تعود، وكان هذا حين كانت الحياة بسيطة وبدائية.

لكن الحياة اليوم أصبحت مليئة بالمشاغل العديدة التي تلتهم الوقت، إذ يشتكي الناس في عصرنا من ضيق الوقت، ولكنهم في الماضي كانوا يعيشون يومهم ذاته ومدته 24 ساعة وهي ذاتها لم تتغير اليوم، ومع ذلك فلم يكن الناس يشتكون من ضيق الوقت؛ إذن ما الذي تغير؟ إن الذي تغير هو أن الحياة فرضت علينا الكثير من الأمور التي لم تكن متواجدة في الماضي في نفس الوقت المتمثل في الأربع والعشرين ساعة والذي لم يتغير، فلقد أصبح طموح الإنسان الجامح أكبر من أن يتسع له زمنه، وكان في قديم الأزمنة لا يدرك شيئاً عن وجوده، فيظنه عدماً، وحين عرف الحضارة وصنعها، بدأ يدرك قيمة الوجود.

الشمس تقيس الحياة

اختراع واحد تطور كثيرا مع مرور الزمن، خدمة له ولتحديده وتقسيمه، هو ما سماه الناس بـ”الساعة” التي مرت بمراحل كثيرة حتى وصلت لما نعرفها اليوم عليه، ابتداء من الساعة الشمسية وصولا إلى الساعة الذكية.

لاحظ الإنسان القديم تعاقب الليل والنهار، فاعتمد على الشمس وحركتها في قياس الزمن، واخترع المزولة الشمسية، بعد أن لاحظ أن ظلال الأجسام في الصباح وفي المساء تبلغ أقصى طول لها وأنها تكون أقصر عندما تكون الشمس في كبد السماء. والساعة الشمسيّة هي عبارة عن قضيب يغرس في الأرض عمودياً وعن طريق ظل هذا القضيب يُعرف الزمن، فظل القضيب طويلا في الصباح ويكون جهة الغرب، وهو قصير عند الظهر ثم يزداد طوله تدريجيا من جهة الشرق حتى تغيب الشمس.

وهذه الساعة تقيس الزمن بشكل تقريبي، ويمكن تقدير الساعات بها لذا وضعت قطعة خشب مدرجة تحتها مقسمة إلى 12 قسما يمثل كل قسم منها ساعة واحدة إلا أنه لا يمكن استعمال هذه الساعة متى كانت السماء غائمة.

كما أن معرفة الوقت بهذه الطّريقة البدائية لم تكن عملية دقيقة باعتبار أن الظل قد يطول أو يقصر بالنسبة إلى المواسم وطول العرض الذي أقيم فيه ذلك العمود، إضافة إلى ذلك، لم تكن صالحة إلا لقياس الوقت في النّهار فقط. وقد كتب عنها العالم الخوارزمي وكان العرب المسلمون يستخدمونها لتحديد أوقات الصلاة فهي تعتمد على الشمس وزاوية انحرافها عن الأفق أي أن مبدأها يعتمد على الزوايا عوضاً عن الساعة والدقائق والثواني.

الأجهزة الكهربائية تعتبر أدق من الساعة الآلية إذ تبلغ دقتها حوالي 10/1 من الثانية. إلا أن أدق ساعة اليوم هي الساعة الذرية المحفوظة بالمكتب الوطني للوحدات القياسية في أميركا والتي تمتاز بدقتها الفائقة

وقت وماء ورمال

وقد استطاع الإنسان بعد ذلك بزمن، تقسيم اليوم الواحد إلى 24 ساعة والساعة الواحدة إلى 60 دقيقة والدّقيقة الواحدة إلى 60 ثانية واخترع وسائل عديدة لقياس الزمن استنادا إلى الأسس السابقة.

الساعة المائية التي عُرفت منذ عهد الإغريق، لم يقتصر استعمالها على ساعات النهار، كالساعة الشمسية، فقد مكنت الساعة المائية الناس من معرفة الوقت أثناء الليل أيضا، وانتشر استعمال هذه الساعة في شتى البلدان، إلى أن ظهرت الساعة الميكانيكية في القرن الثالث عشر الميلادي. وطريقة استعمال الساعة المائية، كانت بوضع الماء في إناء مؤشر، بدرجات قياسية ومن خلال الرشح ونقصان كمية الماء يمكن معرفة الوقت وقياسه، فكان الماء يفرغ من الإناء تدريجيا كل ستين دقيقة (ساعة واحدة) ثمّ يعاد سكب الماء من جديد وهكذا.

وهناك اختلاف حول من اخترع الساعة المائية، فقيل إن اليوناني ستيسيبيوس هو من اخترعها في القرن الثالث قبل الميلاد، ويقال أيضا إن أفلاطون هو من اخترع الساعة المائية في حوالي عام 400 قبل الميلاد، أما أقدم ساعة مائية يوجد دليل مادي عليها فترجع إلى الفترة التاريخية 1417-1379 قبل الميلاد، في عهد أمنحوتب الثالث. حيث كانت تستخدم في معبد آمون رع في الكرنك.

الانتقال من الساعة المائية إلى الساعة الرملية يعتبر تطوراً كبيراً بالنسبة إلى قدرات الساعة، وهنا لا بد من شرح ماذا تعني الساعة الرملية، التي كانت آلة تحتوي إحدى البصيلتين فيها، على حبات من الرمل الجاف الناعم الدقيق، ويأخذ الرمل ساعة كاملة بالضبط لكي ينساب من البصيلة العليا إلى البصيلة السفلى، وعندما ينساب الرمل كله من البصيلة العليا، تقلب الساعة الرملية، ويبدأ الرمل في الانسياب إلى البصيلة الفارغة، كما حدث من قبل. وقد كانت مثل هذه الساعات تحتوي على الزئبق ولكن استبدل به الرمل لأنه ينساب بمعدل ثابت بصرف النظر عن الكمية التي تحتوي عليها البصيلة.

وتقيس ساعات رملية أصغر مثل ساعات نصف الساعة، فترات زمنية أقصر. وكانت بعض الساعات الرملية تستخدم لتحديد مقدار الزمن الذي كان على المتحدث أن يلقي حديثه فيه، ويقال إن التدمريين هم من اخترعوا هذه الساعة، ولكن لا يوجد شيء مؤكد على ذلك.

في 1999 افتتحت شركة سامسونغ أول ساعة يد في العالم تمتلك هوائيا مرتفعا وشاشة LCD أحادية اللون، بإمكانية 90 دقيقة من الوقت للتحدث مع مكبر الصوت والميكروفون

عقارب الزمن

تمّ اختراع الساعات الآلية المعروفة اليوم والتي تستند إلى المبدأ التالي: تكرار منتظم لحركة آلية، وتتوقف دقة الساعة على آلية الانفلات التي تحرر طاقة نابض أو ثقل بانتظام، بدفعات صغيرة لقسم من الساعة (العقارب) الذي يقيس الزمن (الساعات أو الدقائق أو الثواني).

فنجد الساعات التي تتكون من ثلاثة عقارب، الأول لتحديد الساعات ويكمل دورة كاملة كل 12 ساعة، والثاني لتحديد الدقائق ويكمل دورة كاملة كل ساعة، أما الثالث فهو لتحديد الثواني ويكمل دورة كاملة كل دقيقة.

وتوجد اليوم أجهزة كهربائيّة تستخدم محركا كهربائيا لتدوير نابض أو ثقل وهي أدق من الساعة الآلية إذ تبلغ دقتها حوالي 10/1 من الثانية. كما تجب الإشارة إلى أنّ أدق ساعة هي الساعة الذرية المحفوظة بالمكتب الوطني للوحدات القياسية في أميركا، وتمتاز هذه الساعة بدقتها الفائقة.

وحتى ما قبل العشرينات من القرن العشرين، كان معظم الساعات يُحمل في الجيوب، أو في حقيبة اليد. ولطالما استخدمتها النساء، للزينة والزخرفة، وحملنها كقلائد وأقراط أو مشابك، إلا أن الفضل في صناعة أول ساعة صغيرة، يعود إلى بيتر هينلاين، صانع الأقفال الألماني، الذي اخترع، في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، نابضاً رئيسياً، لتزويد الساعة بالقدرة؛ بعد أن كانت الساعات تُدار بوساطة الأوزان المتدلية، ولا بدّ لها أن تبقى ثابتة، في الوضع الرأسي، تيسيراً لعمل أوزانها. ولقد مكنت النوابض صانعي الساعات، من إنتاج ساعات صغيرة متنقلة، سرعان ما انتشرت صناعتها، في إنكلترا وفرنسا وسويسرا.

أما الساعة الكهربائية المقارنة، التي تزوَّد بالقدرة من طريق بطارية صغيرة جداً، فلم تستعمَل إلا في خمسينات القرن العشرين. واعتمدت هذه الساعات، في بداية الأمر، عجلة توازن، كأساس للوقت، ولكنها احتوت، فيما بعد، على شوكة ضبط مهتزة عملت كأساس للوقت بالطريقة نفسها تقريباً، التي تعمل بها بلّورات الكوارتز في الساعة الإلكترونية. وظهر، في بداية العقد الثامن من القرن العشرين، ساعات الكوارتز؛ ونظراً إلى دقتها، فإنها سرعان ما حلت محل الساعات الكهربائية المبكرة، بل ألغتها تماما.

ميكروسوفت تصدر في العام 2004 الساعة الذكية "سبوت" وهي من تكنولوجيا الأشياء الشخصية لكن العام 2013 سيكون عام الساعة الذكية بامتياز حيثسيشهد بروز سلسلة من الشركات ساهمت بتطوير نشاطات الساعة الذكية مثل توشيبا، أبل، سوني، لينوفا، قوقل، سامسونغ، اتش بي، ونوكيا

الساعات الذكية

أول ساعة رقمية صنعت بواسطة شركة “هانيليشن” وسميت باسم ساعة “ولتشار” بواسطة “سيكو” في العام 1997. وكانت أول نموذج بخاصية لوحة تدخيل البيانات وذاكرة صغيرة جدا 112 رقماً، أما في عام 1998 فقد استحدث المصمم ستيف مان أول ساعة يد لينوكس وقدمها في معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات.

وفي 1999 افتتحت شركة سامسونغ أول ساعة يد في العالم تمتلك هوائيا مرتفعا وشاشة LCD أحادية اللون، كما تمتلك 90 دقيقة من الوقت للتحدث مع انضمام مكبر الصوت والميكروفون.

ميكروسوفت تصدر في العام 2004 الساعة الذكية “سبوت” وهي من تكنولوجيا الأشياء الشخصية لكن العام 2013 سيكون عام الساعة الذكية بامتياز حيث سيشهد قائمة بشركات ساهمت بتطوير نشاطات الساعة الذكية مثل توشيبا، أبل، سوني، لينوفا، قوقل، سامسونغ، اتش بي، ونوكيا.

وفي أيامنا هذه مع بداية عام 2015 أصبحت الساعات الذكية هوس الشباب، دخلت الشركات الكبرى مضمار المنافسة في التصاميم والتقانة، حتى أن بعض الشركات التكنولوجية تعاونت مع أشهر الشركات في تصنيع الساعات السويسرية بهدف صنع ساعات ذكية ذات رفاهية بنوعية التصنيع والتصميم.

كيف غيرت الساعة الإنسان

لم يعد الإنسان يستطيع العيش دون حساب وقته، حتى وإن لم يكن لديه ما يصنعه في هذا الوقت، فقد أصبحت الساعة في وعيه أكثر من مجرد آلة قياس، وانتقلت إلى مجردات التفكير، وعوالم الثوابت التي لا يمكن تجاهلها، فكل شيء يسير إلى زيادة الوقت، وإلى تناقص الفرصة، من الطفولة إلى ظهور التجاعيد، إلى إنجاز المهمات والأحلام، حتى أن الإنسان لم يعرف إن كان قد اخترع وحشاً يحصي عليه أنفاسه أم صديقاً وفياً يحرص على فرصته في الوجود.

لكن الساعة اليوم لم تعد تقيس الوقت فقط، بل أصبحت تقترح على الإنسان كيف يقضيه، والساعات الذكية التي طرحت في الأسواق، تعتبر بوابة واسعة لدخول عالم التواصل الاجتماعي والتقنيات والخدمات الأخرى، ليبدو الأمر وكأن التطور التكنولوجي قد ابتلع الساعة وابتلع معها الزمن.

10