الساكنون في الظل

السبت 2017/01/07

كنت أتمنى قبل أسبوع من هذا التاريخ، وكانت تفصلنا ساعات عن نهاية العام 2016، بأن نحظى بفرصة أخرى لنكون أقل حزنا في العام الجديد، ويبدو أنني تجرأت فجرحت كبرياء الحزن وتطاولت على القضاء والقدر الذي مازال مصرا على توزيع عطاياه بصورة انتقائية على الفقراء والمهمشين في العراق، من دون منطق واضح.

في بغداد، عمال بناء خرجوا على باب الله لتفقد أرزاقهم، باعة متجولون، متسوقون يبحثون عن حاجيات بسيطة بثمن زهيد يتناسب وجيوبهم الخاوية على الدوام ومثلهم فقراء يتجمعون حول عربة طعام، يتزودون به لمواصلة يوم عمل شاق.

هذه هي الصورة البسيطة التي شوهتها يد الإرهاب في الصباح الأخير من العام الذي رحل وصباح اليوم الأول من العام الجديد، هذه هي الرسائل التي اعتاد البسطاء على تداولها، أولئك الساكنون في الظل وعلى هامش الحياة، رسائل من مجهول تصلهم ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، قبل العيد، في منتصف العيد وبعده، رسائل تحمل كل تواريخ الأيام ولا تعترف بالنهايات والبدايات؛ فهم يموتون في أول الشتاء وآخر الربيع، وهم ذاهبون إلى أعمالهم، في انتظار الشمس، على أبواب الأمل أو الجوع، لا فرق.

كان رحيل هؤلاء الفاتر خبرا صغيرا تداولته الصحف ومواقع الإنترنت ممزوجا بصور لدماء مختلطة ببقايا طعام، وبقايا عدة عمل لفقير كان يحلم برزق أطفاله في صباح بارد، ومع ذلك، لم يكن الخبر فاتحة مناسبة لعام جديد لم يشعر بغيابهم، إذ أن في بقعة أخرى من هذه الأرض كانت هناك حادثة أخرى وموت آخر، تأرجح بين ظلام الليلة الأخيرة وفجر العام الجديد.

ففي الساعات الأولى من صباح يوم الأول من يناير وقع هجوم إرهابي آخر في ناد ليلي، يطل على مضيق البوسفور في إسطنبول ويحظى بشعبية كبيرة بين صفوف المشاهير والأثرياء.

كان المكان يعج بالمئات من المحتفلين بالعام الجديد، وأما العشرات منهم الذين ذهبوا ضحية للهجوم الإرهابي فكان من بينهم، طلاب في الجامعة، فنانون، موظف في بنك، مصممة أزياء، رجال أعمال، أثرياء، إضافة إلى بعض العاملين والحراس الأمنيين في النادي الليلي وغيرهم.

ضجت الصحف العالمية بتفاصيل الحادث، تتبعت خطوات القاتل وطريقة وصوله إلى النادي ونوع السلاح وطريقة مهاجمته للضحايا والكثير من التفاصيل، ولم تستثن التطرق إلى دقائق الأيام الأخيرة لحياة بعض الضحايا؛ أدق التفاصيل عن هوياتهم، منشوراتهم الأخيرة على صفحات الفيسبوك، كلماتهم إلى ذويهم، أعمارهم، أمنياتهم، مقتطفات من سير حياتهم وكيف تلقى ذووهم الخبر المفجع وغير ذلك، الكثير.

ولم ينس الجمهور، في اليوم التالي، أن يترك بعض بطاقات التعزية والورود على الرصيف المجاور لمكان الحادث إكراما لذكرى الضحايا. كما سجلت كاميرات المراقبة جانبا من مشهد الهجوم، الذي نشرته بعض الصحف محذرة قراءها من قسوة المشهد ليتخذوا احتياطاتهم اللازمة ويحجبوها عن عيون صغارهم.

هؤلاء وأولئك، ضحايا وأبرياء رحلوا على يد الإرهاب وفيهم توق إلى حياة كانت بانتظارهم قبل أن تبتلعهم الظلمة، لكن شتان ما بين رحيل ورحيل.

في حوادث الطائرات، لا طبقية في الموت بين الدرجتين السياحية ودرجة رجال الأعمال، فالطائرة المنكوبة تختار ميتة واحدة لسكانها أيا كانت هوياتهم وملامحهم.

أما في الأرض، فإن الأمر مختلف، حيث يموت الفقراء والمهمشون بطريقة مختلفة فلا يشعر الناس بغيابهم ولا يكتب في رثائهم أحد.

كل ما تبقى من ضحايا تفجيرات العراق، صورة عربة الخضراوات وهي تحمل أحد الضحايا بينما تتابع قدماه رسم خط من الدماء على الأرض، حياة كاملة تسقط عن تقويم الصباحات الجديدة، رجل شاب عاش في الظل ومات مجهولا!

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21