السامبا قادمة يا جماعة

الأحد 2016/11/13

ثلاثية مقنعة وممتعة دكّ بها المنتخب البرازيلي حصون نظيره الأرجنتيني خلال سهرة كروية انطفأ خلالها نجم ميسي قائد منتخب “التانغو” الأرجنتيني مقابل سطوع بريق زميله في برشلونة نيمار قائد كتيبة “السامبا” البرازيلية.

اليوم وليس بالأمس، بات من حق الجماهير البرازيلية أن تمنّي النفس وتضع ثقتها في منتخب بلادها وتراهن بجدية على قدرته على العودة من الباب الكبير إلى الواجهة العالمية.

فما قدمه زملاء نيمار من عروض قوية خلال أغلب المباريات الأخيرة ضمن تصفيات كأس العالم الخاصة بالمنطقة الأميركية يعتبر دليلا قاطعا على أن “الأسد” البرازيلي استفاق من غيبوبته، وبات اليوم أكثر قوة وانسجاما واستعدادا على استعادة ذكريات الماضي المجيد.

المنتخب البرازيلي حقق العلامة الكاملة في آخر مباريات ضمن هذه التصفيات وهزم كل منافسيه، الأمر الذي جعله يحتل صدارة الترتيب ويضع قدما ثابتة في طريق العبور إلى المونديال الروسي بعد عامين، لكن الأهم من ذلك أن هذا المنتخب مزج بين الانتصارات والعروض القوية والمقنعة حتى وإن غاب النجم الأول نيمار.

وفي آخر مباراة والتي أقيمت يوم الجمعة الماضية، أكّد رسميا وبشكل حاسم أنه استعاد سالف عنفوانه وجبروته بعد أن تلاعب بالمنتخب الأرجنتيني وقدّم ضده مستوى رائعا للغاية، رغم أنه واجه منتخبا يضم لاعبين من الصف الأول عالميا يتقدمهم ميسي ودي ماريا وهيغواين وكذلك أغويرو.

فما الذي غيّر وجه منتخب السامبا سريعا وجعله يتدارك كل كبواته وعثراته التي انطلقت ذات مباراة شهيرة بائسة حزينة للغاية ضمن نهائيات مونديال 2014 في البرازيل بالذات، في تلك المباراة “الملعونة” خسر منتخب السامبا بسباعية كاملة ضد منتخب ألمانيا، هي هزيمة عجّلت برحيل المدرب السابق سكولاري ليتم تعيين اللاعب السابق دونغا من جديد، بيد أن الأخير لم يتخلص من عقدة الخسارة المذلة وفشل مرة أخرى في منح منتخب بلاده ما يصبو إليه، وبدا معه هذا المنتخب فاقدا لكلّ قدرة على الإبداع والخلق والتألق، فخسر معه في “كوبا أميركا” الأخيرة، وكانت نتائجه معه متذبذبة خلال بداية مراحل تصفيات كأس العالم.

هذا الأمر دفع الاتحاد البرازيلي لكرة القدم إلى إقالة دونغا وتعيين ليوناردو باتشي (تيتي)، وبقدرة قادر تغيرت أحوال منتخب السامبا مع المدرب الجديد، فبعد أن كان يحتل المركز السادس في التصفيات زحف المنتخب البرازيلي بسرعة البرق إلى الصدارة، حيث لم يخسر أيّ نقطة مع المدرب تيتي الذي غيّر وجه هذا المنتخب بشكل كامل وأعاد له بعضا من بريقه المفقود.

في الحقيقة فإن تيتي عرف كيف يوظف إمكانات اللاعبين الموجودين على ذمته، وتخلص من “العقد” التدريبية والفلسفة الفنية البالية التي كان يعتمدها سلفه دونغا، لقد أعاد منتخب البرازيل إلى الأرض وبدأ يعتمد أسلوب الفريق الشامل والواقعي الذي لا يعتمد فقط على الأسماء الرنانة، شكّل فريقا متكاملا متماسكا، فالكل يدافع ويفتك الكرة، والكل يهاجم ويضغط على المنافس.

لقد استوعب تيتي الدرس وفهم متطلبات الكرة الحديثة التي باتت لا تعتمد على اللاعب الأوحد فقط، بل من الحتمي والضروري قبل كل شيء تأمين التغطية الدفاعية ومن ثمة القيام بهجومات متقنة وسريعة، ويبدو أنه تعلم أساسا من تجربة منتخب الأوروغواي، وخاصة منتخب التشيلي مع المدرب الأرجنتيني خورخي سامباولي الذي نجح بشكل لافت خلال تجربته مع التشيلي في قيادتها للحصول على لقبي “كوبا أميركا” في النسختين الأخيرتين بعد أن قدّم للعالم صورة ناصعة لمنتخب قويّ ومتماسك للغاية من الناحية الدفاعية وقويّ هجوميا.

هذا الأمر تفطن له مدرب منتخب “الكناري” تيتي، فوضع خلف ظهره أهمية الأسماء والنجوم المعروفة وركّز على إعادة ترتيب البيت من الناحية الفنية، فزرع أسس مجموعة متكاملة ومنسجمة لا تتأثر إذا غاب عنها أحد أركانها، والأكثر من ذلك أنه أعاد اكتشاف العديد من اللاعبين ووفّق في توظيف قدراتهم ومهاراتهم العالية على غرار ألفيس ومارسيلو وكوتينهو نجم ليفربول، فعادت الماكينة البرازيلية إلى الدوران مع هذا المدرب الذي استوعب الدرس جيدا، ليبدأ موعد القطاف سريعا بعد الحصول على ذهبية كرة القدم في أولمبياد ريو الأخير لأول مرة في تاريخ مشاركات البرازيل الأولمبية.

بعد الحديث عن الماضي والحاضر، فإن المستقبل يبدو مع تيتي أفضل دون شك وقد يحمل معه نسمات منعشة لكل عشاق “السامبا” البرازيلية القادرة بعد سنتين في روسيا على محور الصورة السلبية لمونديال 2014 نهائيا، فما حققه تيتي بهذه الكتيبة يقدم شهادة ثبوتية أصيلة على قدرة البرازيل على التألق، ولمَ لا تجديد العهد مع اللقب العالمي الذي طال انتظاره.

كاتب صحافي تونسي

23