السايبروغ: تجاوز الحدود الطبيعية بين البشر والآلة

التطور التكنولوجي يغيّر الوضعية البشرية وتصورات مستقبل العالم، حيث أن العاملين في سيليكون فالي يعملون على "نقل" وعيهم إلى حواسيب وتحويلها إلى نظام تشفير لا يضبطه الزمن أو العمر البيولوجي.
الجمعة 2019/04/26
المستحيل يصبح ممكنا

عندما روّجت أفلام الخيال العلمي لفكرة الإنسان الروبوت وغزو الآلات وسيطرة الآلة على حياة البشر والحرب بين الروبوتات والبشر بدا الأمر مجرد تخيّلات إبداعية مستحيلة التحقق، لكن شيئا فشيئا بدأ المستحيل يتحول إلى حقيقة وبدأت الآلة تغزو فعلا حياة الإنسان حتى أنها اخترقت جسده. وإذا كانت أساطير الأوّلين وآثار الحضارات القديمة تؤرخ لمخلوقات هجينة تجمع في تركيبتها الجسدية بين صفات البشر والحيوانات أو الآلهة، فإن قصص اليوم تسطّر بداية عصر ما بعد البشرية وبالتحديد “عصر السايبروغ”، ومخلوقاته الأسطورية التي تجمع بين الإنسان والآلة.

باريس - تحتفي القطاعات الثقافية والفنية هذا العام بالذكرى العشرين لصدور فيلم "ماتريكس" للأختين واتشوسكي. هذا الفيلم الذي تحول إلى ما يشبه وثيقة مستقبليّة للعالم، يرسم صورة للبشر كأسرى آلات تستفيد من طاقتهم الحيويّة. وتضمن هذه الآلات أدنى شروط الحياة للإنسان، مقابل وهم مثاليّ يعيش ضمنه الجسد البشريّ، لتبقى هناك فئة قليلة، تثور وتقاوم، وتؤمن بنبوءة “الواحد”، ذاك الذي يحرّر عقله وينير طريق ما تبقى من بشر نحو خلاصهم من سطوة الآلة.

الصورة التي يقدمها "ماتريكس" للمستقبل مصدرها التهديد أو التغيير الذي تشهده شروط الحياة الإنسانيّة، واحتمالات استمرار البشر بعد أن تحولت الآلة إلى جزء عضويّ من حياتهم وتكوينهم. وضمن الفيلم، نراها وقد دجّنت البشر، من منطلق عدم قدرتهم أنفسهم على الاستمرار بشكلهم الحاليّ، وتغير “النموذج الإنساني” لدرجة تحول الفرد إلى بطاريّة لتشغيل الآلة، ومن يرفض، يتحول إلى “وحش” بالمفهوم السياسيّ لا بد من القضاء عليه.

تحيل هذه المقاربة الديستوبيّة ضمن القطاع الفلسفي والثقافي إلى مفهوم ما بعد الإنسان، وما يتفرّع عنه من أشكال ترتبط إما بتحسين “الإنساني” وإما بتجاوزه كليا، ومحاولة فهم الأشكال الجديدة للوعي والمخيلة و”الحياة” التي قد تنشأ عن هذا “الما بعد” القائم على أساس تكنولوجي.

تعريف المكونات البشرية

تعيد هذه النظرة الجديدة تعريف المكونات البشرية، إذ ترى مقاربات ما بعد الإنسان في المعلومات وأنساقها وترتيبها بديلا عن مفاهيم الذاكرة والوعي، أما الجسد فليس سوى وعاء يمكن استبداله، أو بصورة أدق “حادث” استقرت فيه هذه “المعلومات” ضمن اللحم. وهذا ما نراه في سعي الكثير من العاملين في سيليكون فالي إلى “نقل” وعيهم إلى حواسيب وتحويلها إلى نظام تشفير لا يضبطه الزمن أو العمر البيولوجي.

الصورة التي يقدمها فيلم "ماتريكس" للمستقبل مصدرها التهديد أو التغيير الذي تشهده شروط الحياة الإنسانية، واحتمالات استمرار البشر بعد أن تحولت الآلة إلى جزء عضوي من حياتهم وتكوينهم

يروّج الخيال العلمي لهذه الفكرة كما في مسلسل “ألتيرد كاربون” الذي يصور كيف يمكن استبدال الجسد بآخر، في حين أن الوعي موجود بصورة منفصلة، كما يحيلنا اسم المسلسل إلى أسطورة الكربون، بوصفه مكوّن الحياة على المستوى البيولوجي، والذي يفقد قيمته في حال تمكّنت الدارات من استبداله، ما يجعل الوعي بهذه “الحياة” في حال تشكّلت -ولو مصادفة- مجموعة من الشيفرات التي هي بحاجة إلى احتمالات لاحتوائها وجعلها تتجلى.

ما سبق يعني أن لا اختلافات جوهريّة

بين الآلة وبين اللحم البشريّ، ويمكن التلاعب بهما لنقل الوعي بين الاثنين، كلاهما مجرد وعاء تشغّله مجموعة من “المعلومات المبرمجة”، والأهم أن “الطبيعة البشريّة”، و”الحالة الطبيعيّة” تتغير في ظل هذه “المعلومات” أو تتلاشى، ويمكن النظر لها بوصفها تجليات لبرمجة ما يمكن تجاوزها، خصوصا أن العناصر التي تكوّن الطبيعة البشرية نظريّا عضويّة، لكن بمجرد استبدالها يعني هشاشة تماسكها إثر تغير مكونات الوعيّ و”الحياة العضوية” نفسها.

يحضر السايبروغ في الكثير من المنتجات الثقافيّة. ونفترض ثقافيا أنه تكوين آلي وعضوي، يشكلّ “فردا” أو “وحدة” قادرة على الاستمرار في العالم. بالطبع الخيال العلميّ مليء بأمثلة لا واقعيّة عنه، روبوكوب مثلا، لكنه موجود حقيقة، ولو بصورة بسيطة، ونراه في الإجراءات التي تسعى لتحسين الحالة البشريّة الحالية أو إصلاحها في حال عطبت، كحالة من يمتلكون أجهزة لضبط دقات القلب والتي يمكن أن تتصل مع المستشفيات مباشرة في حال حصول أي خلل، حياة هذه الفئة من الناس مرتبطة بهذه الآلة وبقدرتها على ضبط دقات القلب، أي يمكن لهم أن يموتوا دونها، ما يجعلها تعدّ جزءا من استمرارهم وقدرتهم على الإنتاج والتكاثر. أمثلة أخرى أقل جديّة نراها في الرقاقات المزروعة تحت الجلد، والتي يتم عبرها الدفع في المتاجر أو تسجيل الحركة والتغيرات البيولوجيّة، وغيرها من المهام التي لا يمكن لها أن تنجز دون بنية تحتيّة متطورّة تفعّل هذه التكنولوجيا العضويّة.

تقضي هيمنة الآلة على الخطأ -نظريا-، أي أن الانضباط التام، و”اللامشاعر” تنفي احتمالات الحوادث من جهة لكنها تجعلها أكثر قسوة من جهة أخرى. مثلا تسليم القيادة للآلة، كما في الطيار الآلي، يقلل من احتمالات الخطأ، لكن في حال حصول اللامتوقع -أن يدخل طائر في محرك الطيارة مثلا-،

نيل هاريسون.. لا يرى الألوان لكن يسمعها
نيل هاريسون.. لا يرى الألوان لكن يسمعها

نكتشف أن زمن التدخل البشري واستعادة السيطرة أبطأ من سرعة محاكمة الآلة لهذا الخطأ، تلك التي قد يكون عجزها عن تفادي الخطأ مأساويا، الأهم أن هذه الحوادث التقنيّة التي تكون الآلات فيها مسؤولة عن عمليات الضبط والتقنين على مستوى أكبر تهدد “الحياة” نفسها، كما في المفاعلات النوويّة أو المسرعات الذريّة، فالحوادث فيها الناتجة عن خلل في الآلة لا يمكن للبشريّ أو للمهارة الإنسانيّة تفاديها، والأهم أنه في حال حصول الحادث فلا يمكن احتواء الأضرار.

فالتطور التكنولوجي يختزن في داخله مفهوم “التجربة العلميّة” التي لم تعد تنتمي فقط للمختبرات المقنّنة التي يمكن تدارك الحوادث فيها، بل أصبحت ضمن مساحات الحياة نفسها التي هي نظريا مكان التجربة ومكان الاكتشاف، كمسرّع هادرون الدائريّ الذي يبلغ محيطة 27 كيلومترا ويقع بين فرنسا وسويسرا.

والأهم وهو السؤال الذي يخوّف الكثيرين، في حال أصبح لهذه “البنى التكنولوجية” ذكاء اصطناعيّ مستقلّ، هل ستكون قادرة على تمييز الخطأ بذات المعايير البشريّة التي تضمن حياة الإنسان على أقل تقدير؟

الداروينية التكنولوجية

أبطال خارقون

لطالما كان تعريف الإنسان ذاته مفهوما ثقافيا. ونرى عبر التاريخ نماذج عن “إنسان” و”أقل من إنسان”. فعند اليونان مثلا، كان الفرس برابرة، أقلّ من البشر، ومع التطور الحضاري والسياسيّ نرى نفس الشيء في التعامل مع المرأة ومع ذوي البشرة الداكنة ومع اليهود أثناء الحقبة النازيّة. هذه “الفئات” صُنّف من هم فيها على أنهم أقل إنسانية وأحيانا لا يستحقون الحياة، أي أن تعريفات وضوابط شكل الإنسان تخضع للسياسة والثقافة، وهناك هرميّة في التعامل مع كل واحدة من هذه الفئات التي تمتلك كل منها حقوقا مختلفة.

هذه القراءة التاريخيّة – الثقافيّة لمفهوم الإنسان تجعلنا نطرح نفس التساؤل، إذا كان ما بعد الإنسان تحسينا للوضعية البشرية وتفعيلا لطاقاتها، هل سيكون ذلك ديمقراطيا، هل ستكون التكنولوجيا مباحة للجميع في حال تم التوصل إليها، أم أن الأمر سيكون داروينيا بحتا، حيث سيتمكن من النجاة في ظل انهيار الكوكب فقط القادرون على اعتناق الشكل الجديد. ترتبط هذه القراءة برأس المال المتحكم في هذا التطور التكنولوجي، فالمنتجات التقنيّة من هذا النوع متاحة لقلة قليلة، ولا يمكن لأي أحد أن ينقل وعيه، أو أن يركّب ذراعا ذكيّة أو عضوا اصطناعيا “متطورا” يمتزج مع الأعصاب والعضلات ليزيد من قدرة حواسه.

ماذا يشتهي السايبروغ

مسلسل "ألتيرد كاربون" يصور كيف يمكن استبدال الجسد بآخر
مسلسل "ألتيرد كاربون" يصور كيف يمكن استبدال الجسد بآخر

هناك تساؤل آخر مرتبط بوعينا كبشر في هذا العالم، وفي حال تجاوزنا وضعيتنا الإنسانيّة كيف سيتغير موضوع رغباتنا، تلك التي تتطابق مع أشكالنا أو تنزاح عنها. نقطة الاكتمال الوهميّة التي نبذل جهدا من أجل الوصول إليها تتغيّر في حال أصبحت الآلة جزءا من تكويننا، وهذا ما نتلمّسه في مانيفستو السايبروغ لدونا هاوري، فالسايبروغ لا يمتلك عقدة أوديب، ولا يعود إلى التراب عند موته، فما هو الكمال الذيّ يسعى له، أو الحالة النوستالجيّة التي تراوده والتي تتجلى لدينا كبشر بالفناء؟

هذه التساؤلات مرتبطة بالحس الموضوعي لدى السايبروغ نفسه، كيف يُنتج ذاته ويشكّل حدوده، وبالتالي كيف يولّد اللغة والجندر والوعي، وكيف سيشكل العالم لتحقيق رغباته، ما يعيدنا إلى الماتريكس. فالآلة الذكيّة التي ترى في البشر بطاريات لاستمرارها حبيسة حلقة متكررة، وفي سبيل بقائها، تنتج تكنولوجيا لا ندركها لخدمتها فقط، والأهم أن الحلم البشريّ بالخلاص يقابله التكرار الذي يحكم الآلة، التي تعلم أن نيو/الواحد ليس إلا خطأ متكررا، هناك نسخ متعددة منه، تظهر في كل حلقة من أجل البداية من جديد، وكأن الآلة تدرك العطب أو العيب في تصميمها، كما نحن البشر، وتسعى إلى ضمان استمرارها للتأقلم معه وتغيير ما حولها لتفادي أثره المدمّر، وهذا ما يتطابق على المستوى البشريّ مع المؤسسة الطبيّة، الضامن للحياة واستمرارها للأقصى.

بين الطبي والفني

"ماتريكس" تحول إلى ما يشبه وثيقة مستقبليّة للعالم
"ماتريكس" تحول إلى ما يشبه وثيقة مستقبليّة للعالم

ظواهر التحسين الإنساني، أو توسيع الحواس المترافقة مع التطور التكنولوجي، أصبحت عصريّة مع بداية الألفيّة الثالثة، وأهم التساؤلات التي تطرحها ترتبط بالعلاقة بين الطبي والفني. فالطب التقليدي يرفض هذه العمليات ولا يتبناها، لكنّ  القراصنة الحيويين المستقلين وفناني الأداء عملوا على توظيف هذه التقنيات، كمن وضع مغناطيسا في يده ليتحسّس ذبذبات المعادن من حوله، نفس الشيء مع نيل هاربيسون، الذي زرع جهازا يخرج من رأسه يتيح له سماع أصوات جديدة، تنقل إلى دماغه عبر شريحة تيتانيوم تهتز في رأسه وتولد لديه تجليات بصرية مختلفة، يقوم هو لاحقا برسمها.

السؤال هنا مرتبط بالبراديغم الطبي الذي يسعى للحفاظ على الشكل المثالي للجسد الإنساني وإعادته لـ”الطبيعي”، ويمتلك معيارا لما هو سليم أو صحي، لذلك يرفض الكثير من العاملين المستقليّن في القرصنة الحيويّة أن يسموا ما يقومون به بـ”الطب” أو الأبحاث الطبيّة، ويفضلون تصنيفه كنوع من التجريب أو فن الأداء لاكتشاف وظائف أخرى للجسد واختبار شدة الحواس.

 وهنا يُطرح سؤال فلسفي عن الإدراك والحواس التي تنقل لنا العالم، كيف سيتغير شكل العالم أو المنتجات الجديدة التي تتخيله عندما يتسع مدى الحواس، وهذا ما نراه لدى مصممة الرقصات مون ريباس، التي تمتلك في كوعها حساسا يرصد الهزات الأرضية إن حصلت، لتكون هذه الهزات هي الإيقاع الذي يضبط عروض الأداء التي تقدمها، فهي مرتبطة بعمق بالكوكب، وذات إدراك مختلف عن إدراكنا له، ما يؤثر في وعيها بما حولها.

التساؤلات التي نطرحها ونتركها معلقة دون أجوبة سببها عدم مواكبة التسارع التكنولوجي للأسئلة النظريّة، خصوصا أن الكثير من الأبحاث ما بعد الإنسانوية، ما زالت تحاول تكوين هذه المفاهيم والاعتماد على الخيال العلميّ بوصفه مساحة لطرح هذه الأسئلة وتوليدها، كما أن التطبيقات التقنية لهذه التكنولوجيا ما زالت في بدايتها والأبحاث تعتمد على الحوادث المنفردة. لكن ما يثير الاهتمام بهذه التساؤلات أنها أعادت قراءة الظاهرة الإنسانية، وفككت المركزية الأوروبية وتعريفات الإنسان التاريخية، لاكتشاف الهرمية التي كان وما زال يخضع لها البشر ضمن أشكال الحكم المختلفة غربا وشرقا.

12