السباحة تبحر بأحلام صبايا فلسطينيات إلى  بوديوم الأولمبياد

15 فتاة فلسطينية جرى اختيارهن بعد أن اجتزن اختبارات قاسية لتشكيل فريق سباحة، وأغلبهن يطمحن إلى المشاركة في أولمبياد طوكيو عام 2020 والفوز بميداليات.
الثلاثاء 2018/10/16
التتويج يأتي خطوة خطوة

لا جدوى من الوقوف عاجزا أمام الحياة، بذلك تصبح الحياة نفسها مشكلة تحتاج إلى الحلول والحال أن البشر خلقوا ليعيشوها بتفاصيلها وبنشاط، فتيات فلسطينيات يتشبثن بفرصهن في إثبات ذواتهن فيلجأن إلى رياضة السباحة وكلهن أمل في أن يحققن تتويجات محلية ودولية ويرفعن راية بلادهن في المحافل العالمية.

بيت لاهيا (فلسطين) – لم يكن من السهل بأي حال من الأحوال على الطفلة فاطمة أبوشدق (14عاما) -من سكان قطاع غزة- أن تنظر للحياة كأقرانها، وقد تذوقت مرارة اليتم عقب استشهاد والدها في قصفٍ إسرائيلي طال منزل عائلتها ببلدة بيت لاهيا شمالي القطاع خلال العدوان على القطاع عام 2014.

إلا أن طوق نجاة ساقته الأقدار إلى فاطمة ليفتح أمامها أبواب الأمل، إذ التحقت عام 2015 بصفوف فريق لتعلم السباحة يضم 1400 طفل تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عاما.

وجدت فاطمة التي تعيش مع أسرتها المكونة من الأم وسبعة أشقاء -هي أصغرهم سنا- لنفسها وسط الماء فرصة للخروج من الحالة النفسية الصعبة التي سيطرت عليها، بعد فقدان والدها، ما انعكس بشكل إيجابي على تفكيرها ومستواها الدراسي والصحي.

وللعام الثالث على التوالي تواصل فاطمة دروسها، مبدية الكثير من التميز والإبداع بحسب معلميها، لتصبح من أفضل 15 سباحة في القطاع، وتتطلع إلى تمثيل بلادها في البطولات العالمية الكبرى.

وفيما أنهت لتوها تمرين سباحة حرة في مسبح الأصدقاء (غير حكومي)، ببلدة بيت لاهيا، تقول فاطمة “التحقت عام 2015 بهذا الفريق، في محاولة للتخفيف من الصدمة والألم الذي تعرضت له بعد استشهاد والدي، الذي لم يغِب عن بالي للحظة؛ فوجدت في السباحة استرخاء، وترفيها، وسعادة، وتحديا، ومغامرة”.

وتضيف فاطمة “نجحت السباحة في إخراجي من الضغط والحالة التي كُنت أعيشها، ومن الشعور بفقدان الأب، وهو ليس سهلا، فلحظات الفرح والتحدي التي أعيشها خلال تدريب السباحة هي فرصة جميلة لي، والأجمل أنني بتُ أفكر وأرغب في أن أصبح أول منقذة بحرية في بحر غزة، وأشارك في أولمبياد طوكيو عام 2020، وأمثل فلسطين”.

وتوضح أنها تأتي لتتدرّب على السباحة ثلاث مرات أسبوعيا، مدة ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين كل مرة، فقط في فصل الصيف. وتتمنى أن تكون هناك مسابح شتوية لتبقى طوال العام تتدرب هي وصديقاتها اللواتي فقدت بعضهنّ أفرادا من عائلاتهن.

وتلفت إلى أنها باتت بمجرد العودة إلى المنزل بعد انتهاء التمرين تفضل الشروع في مراجعة دروسها المدرسية، لأن السباحة تمنحها طاقة إيجابية.

أما رقية البابا (12عاما)، فربما كان الألم الذي اعتصرها أكبر مما تعرضت له زميلتها فاطمة، حيث فقدت والدتها وأحد أشقائها في قصف جوي إسرائيلي خلال عدوان 2008-2009، وهي لم تتجاوز الثانية من عمرها، ما جعلها تتجرع مبكرا مرارة الحرمان وتكتوي بنيران الاشتياق إلى الراحلين.

رقية التي تعيش حاليا مع والدها وأشقائها الأكبر منها، تصف الفترة التي تلت استشهاد والدتها وشقيقها بالصعبة جدا، وتقول إن آلام الفقد عادت لتلاحقها مجددا وتنكأ جراحها مع استشهاد عمها عام 2014.

منذ ثلاث سنوات، انضمت رقية إلى فريق السباحة، ورغم جسدها النحيف أثبتت قدرتها على خوض التحديات وتجاوز الصعوبات ليقع عليها الاختيار ضمن أفضل 15 سبّاحة في قطاع غزة.

لحظات وفرح وتحدّ
لحظات وفرح وتحدّ

وتقول إنها تجيد السباحة الحرة والسباحة على الصدر والظهر، وتشعر بأن أجمل وقت تقضيه هو وقت السباحة.

أثناء نيلها قسطا من الراحة على هامش التدريبات داخل المسبح وهي ترتدي ملابس خاصة ونظارة سباحة، تشير رقية إلى أن السباحة أزالت الكبت والهموم التي تعيشها منذ استشهاد والدتها؛ حتى أنها باتت تشارك طموح وحُلم فريقها بالوصول إلى العالمية وتمثيل فلسطين في المحافل الدولية، وتتمنى أن يجد فريقها اهتماما واحتضانا من الجهات المعنية محليًا وعالميًا.

ويقول صاحب المبادرة والمشرف على التدريب، أمجد طنطيش (42عاما)، إنه بدأ منذ عام 2015 بتعليم السباحة لحوالي 1400 طفل -بعضهم من ضحايا الحروب، خاصة ممن فقدوا أفرادا من عائلاتهم أو تعرضت منازلهم للقصف والتدمير- لمساعدتهم على تخطي الصعوبات التي يواجهونها.

وأوضح طنطيش أن التدريب تم على ساحل بحر بيت لاهيا في بدايته، من خلال إقامة حاجز من ركام المنازل المُدمرة وزيادة عُمق الشاطئ، وساهمت في إنجاحه تبرعات من أفراد محليين.

ولفت إلى أنه في العام الماضي جرى للمرة الأولى تشكيل فريق من الفتيات، تتراوح أعمارهن بين 10 و14 عامًا، وتلقى دعما من مؤسسة ألمانية، غطت نفقات المسبح والمواصلات وبعض المعدات، بهدف تأهيل سباحين خاصة من الفتيات لأولمبياد طوكيو.

وقال إنه تم انتقاء 15 فتاة فقط من جملة 50 فتاة العام الماضي، جرى اختيارهن باحتراف عال بعد إجراء اختبارات قاسية لهن، مشيرا إلى أن قرابة 70 بالمئة منهن يمتلكن مهارات جيدة في السباحة، ونجحن في الحصول على مراكز أولى في مسابقات سباحة محلية طويلة وقصيرة أجريت في مسابح خاصة ومدارس.

أكثر ما يميز الفريق اليوم بحسب طنطيش هو العزيمة التي يتمتع بها أعضاؤه وجلهم قرروا سلك طريق الأبطال وقبول التحدي.

غير أن ثمة صعوبات تواجه فريق الفتيات الذي يواصل تدريباته بكد ليصبح مؤهلا للمشاركة في الأولمبياد، من بينها بحسب المشرف على التدريب عدم توفر مسابح شتوية مُدفئة في غزة وأخرى أولمبية طويلة، ومعدات سباحة كالزعانف، وملابس السباحة المعتمدة في المسابقات الدولية.

ويأمل طنطيش في “استيعاب أعضاء الفريق في دول خارجية تمتلك الإمكانيات اللازمة لتأهيلهم، كأقل مبادرة إنسانية مع أطفال غزة المحاصرين”.

السباحة على الصدر إلى الألعاب الأولمبية
السباحة على الصدر إلى الألعاب الأولمبية

 

20