"السباعيات" تجبر الدراما المصرية على تغيير جلدها

ظاهرة "السباعيات" تتماشى مع تقلص مساحات الإبداع لدى الكثير من كتاب السيناريو وعجزهم عن إيجاد أحداث منطقية ومشوقة لمدى زمني طويل.
الخميس 2020/08/27
مسلسل "إلا أنا" حقق رواجا بحلقاته المنفصلة

هل يقضي انتعاش صناعة المسلسلات القصيرة على الدراما التقليدية الطويلة التي تمتلك شريحة عريضة من الجمهور، وهل ينذر بإحداث تغييرات في طريقة صناعتها لتميل أكثر نحو الأعمال المقسمة إلى قصتين بنفس فريق التمثيل وبكتاب سيناريو مختلفين، وهل يعيد التركيز على مسلسلات الحلقات المتنوعة المنفصلة التي تضم العشرات من القصص في موسم واحد؟

أسئلة كثيرة فرضتها المسلسلات المكوّنة من عدد قليل من الحلقات، وأثّرت على الأعمال الفنية التي تشبه المعلقات على الساحة الدرامية المصرية، وقد استفادت من عيوب مزمنة وأخطاء متكرّرة طغت على الكثير من الأعمال التقليدية الطويلة، وحرصت على مواكبة السوق المتنامية لمنصات البث الرقمي التي تستقطب الجمهور من حملة الهواتف الذكية.

وضمن هذا الإطار، يستعد الفنان المصري أمير كرارة لتصوير مسلسل من سبع حلقات لم يتم تحديد عنوانه بعد، لبثه على منصة “واتش إت” الرقمية، لينضم إلى سلسلة أعمال تبنّت التوجه ذاته، ولقيت رواجا جماهيريا مؤخرا، مثل “الحرامي” لبيومي فؤاد ورانيا يوسف، و”ليه لأ” بطولة الممثلة أمينة خليل، و”شديد الخطورة” لأحمد العوضي، وتم عرضه بأسلوب الحلقة الواحدة أسبوعيا، واستمر نحو شهر ونصف الشهر.

ووجد مسلسل “إلا أنا”، وهو حلقات منفصلة، بطولة مجموعة من الفنانين، يتغيّرون حسب كل قصة، رواجا شجّع القائمين عليه على تقديم الكثير من القصص، وهو يشبه مسلسل “نصيبي وقسمتك”، والذي يتكوّن من عدة أجزاء، وكل جزء يتكوّن من عدة قصص، كل منها تتناول قضية منفصلة في نحو سبع حلقات أو أقل.

وتتماشى ظاهرة “السباعيات” مع تقلص مساحات الإبداع لدى الكثير من كتاب السيناريو الحاليين، وعجزهم عن إيجاد أحداث منطقية ومشوقة لمدى زمني يصل إلى 23 ساعة عرض، ومن خلال 30 أو 45 حلقة.

وتزايدت عملية الاقتباس من الأعمال الغربية، أو البحث في دهاليز التراث الفني السابق، عن شخصيات يمكن حشرها حتى ولو خالفت السياق، ما يشي بأن هناك صعوبة في البحث عن أفكار مفيدة للفن والمجتمع.

ولا ينذر ذلك الاتجاه الفني بانتهاء المسلسلات الطويلة التي لديها نسبة حضور كثيف من الجمهور الثابت من كبار السن، يعتبرون الدراما قدرات تمثيلية في المقام الأول، وانغماسا وجدانيا مع الأبطال فيسعد لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويبحث بعضهم داخلها عن مساحات معتادة للحديث اليومي مع شبكة المعارف لتصبح المشاهدة نوعا من أنماط الحياة.

عناصر تشويق

ماجدة خيرالله

يرى البعض من النقاد أن اتساع تجربة الأعمال القصيرة قد يجبر صناعة الدراما التقليدية على تغيير طريقتها المعتادة، وتقلّل من المسلسلات المعتمدة على أربعة وخمسة أجزاء، لصالح جزء واحد مكثف في أحداثه لا يزيد عن ثلاثين حلقة، وبمدى زمني، ربما لا يتجاوز 30 دقيقة للواحدة منها، ثم تتجه إلى تقليص هذا العدد لنحو ربع عدد الحلقات، وأقل في المدة الزمنية، فمسلسل “الحرامي” لم تتجاوز مدة الحلقة 12 دقيقة.

وتقول الناقدة ماجدة خيرالله إن المعيار الرئيسي للحكم على الدراما هو الجودة فعلى المستوى العالمي توجد أعمال لا تتعدّى سبع حلقات، وأخرى تقدّم على مدار سنوات دون ملل من قبل المشاهدين، والأمر مرتبط بمدى الاحترافية في الكتابة والمعالجة وخلق مساحات مستمرة من الإثارة.

ولا تمثل دراما السباعيات التي تجد طريقها للانتشار اتجاها فنيا مستحدثا، لكنها ارتداد نحو الماضي، وتحديدا إلى فترة الستينات من القرن الماضي التي شهدت إنتاجا دراميا مكثفا عبر السباعيات والسهرات التلفزيونية والتمثيليات القصيرة.

وتضيف خيرالله لـ”العرب”، أن الفكرة التي يعالجها المسلسل تتحمل جانبا أساسيا في تحقيق ارتباط مع المشاهدين، فالقضايا التي تهمّ المجتمع أو تعبّر عن حياة البشر تلقى نجاحا كبيرا، سواء كانت قصيرة أو طويلة، وعلى كتاب السيناريو عدم وضع قيود مسبقة على كتاباتهم تتعلّق بطول الأحداث وترك الأمر لسلامة السرد والأحداث.

واستطاعت الأعمال القصيرة المعروضة أخيرا استقطاب فئة من الجمهور الشاب المتعجل المهووس بالمقاطع القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنها تعاني من عيوب متكرّرة تفقدها استقطاب الجمهور المتعمّق، بينها الجور على العناصر الأساسية للبناء الدرامي، بتقديم الأبطال في صورة تماثيل جامدة دون خلفيات ولا سياقات تبرّر سلوكهم وتُمنطقه.

وتحشر المسلسلات المصنوعة لصالح البث الرقمي عناصر التشويق الفني في الحلقتين الأولى والثانية، لتهرب الأمور من يد صناعها بعد ذلك، فتبدأ الأحداث في التباطؤ مع قدر من الملل، قبل أن تعود للسخونة في الحلقة الأخيرة، وهي العيوب ذاتها التي تعاني منها الأعمال الطويلة، مع اختلاف في مساحات المط، وليس في وجوده من عدمه.

تغيير متوقع

السباعيات حرصت على  مواكبة السوق المتنامية لمنصات البث الرقمي التي تستقطب الجمهور من حملة الهواتف الذكية

تكتسب الدراما الطويلة أيضا نبعا لا ينضب من النوستالجيا، أو الحنين إلى الماضي، والتي تدفع الجمهور لتكرار مشاهدة الأعمال القديمة بالشغف ذاته، وتذكر مهن مندثرة، وحارات تغيّرت ملامحها، وهدوء اندثر في وجوه البشر وقيم محبّبة ضاعت مع الزمن، وأصبحت مسارا للرثاء.

وتصدّر هاشتاغ “فرح سنية” (زفاف سنية) مواقع التواصل الاجتماعي مع إعادة حلقة تتضمن مشهدا لزواج إحدى بطلات مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” بطولة نور الشريف، رغم مرور ربع قرن على عرضه، مع سيل من التعليقات التي تذكر تفاصيل حياتية قديمة تزامنت مع العرض الأول للعمل عام 1996.

وتكرّر الأمر مع “هارب من الأيام”، أول مسلسل مصري تم عرضه بعد عامين فقط من افتتاح التلفزيون المصري (عام 1960)، وحقّق معدلات مشاهدة قياسية لقناة “ماسبيرو زمان” المتخصّصة في الدراما القديمة، بمجرد التنويه عن موعد عرض حلقته الأولى.

ويتوقّع خبراء أن تتطوّر الأعمال التقليدية نفسها عبر تقسيم العمل لقصتين في عمل واحد، كل منهما 15 حلقة بنفس الأبطال مع الاستعانة بكاتبي سيناريو، وعودة أعمال الحلقات المنفصلة التي تتّسم بتقديم قصص كثيرة متنوعة لا يوجد بينها أي رابط درامي، في ظل وجود سوق رائجة لها في فضائيات الدراما ولا تجد ما يسدّ ساعات بثها المفتوحة على مدار اليوم.

وأكّدت الناقدة ماجدة موريس أن الدراما التلفزيونية اتبعت في نشأتها أسلوب السباعيات، وتطوّرت إلى 14 حلقة وصولا لأسلوب الثلاثين حلقة والأجزاء، وعودة الأعمال القصيرة مجددا مرتبطة بنقص مساحات الصبر والوقت لدى المشاهدين لمتابعة الأعمال الطويلة، وحاجتهم إلى أحداث مختصرة ومركزة.

استطاعت الأعمال القصيرة المعروضة أخيرا استقطاب فئة من الجمهور الشاب المتعجل المهووس بالمقاطع القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنها تعاني من عيوب متكرّرة تفقدها استقطاب الجمهور المتعمّق

وتكتسب المسلسلات القصيرة زخما مع التراجع المستمر للإنتاج السينمائي على المستويين الكمي والنوعي، ومحاولة استقطاب جمهور السينما إلى قائمة مشاهدي الدراما بالدفع بالوجوه ذات الشعبية في شباك التذاكر إلى ساحة المسلسلات، وعزل الفواصل القديمة بين نجوم السينما والدراما.

ويرتبط انتعاشها بدخول مجموعة جديدة من صناع الأفلام القصيرة المستقلة إلى ساحة الدراما، ونقلهم أسلوب عملهم إليها، مثل أحمد فوزي صالح، مؤلف مسلسل “الحرامي” الذي قلّص عدد الحلقة الواحدة من العمل، بإجمالي 80 دقيقة للعمل كله، أقل من مدة أي فيلم سينمائي عادي.

وأشارت موريس إلى أن المنتجين سيفضلون مستقبلا أسلوب “السباعيات”، لتحقيقه مكاسب للقائمين على الصناعة بدءا من الإنتاج بتقليل التكلفة، إضافة إلى تقليص الوقت اللازم لإنهاء التصوير والمشاركة بعدة أعمال في آن واحد، كما يقلّل الإرهاق على كتاب السيناريو الحبكات الفرعية اللازمة لتطويل الأحداث، وتأهيل أعمالهم لاشتراطات البثّ الرقمي.

ويظل رهان المعيار الرئيسي لنجاح العمل الدرامي على جودة صناعته، وحبكته وليس طوله أو قصر مدته، فمسلسل “الأب الروحي”، الذي يتكوّن من ثلاثمئة حلقة، من خمسة أجزاء، حقّق نجاحا في أول جزأيه رغم تجاوزهما 120 حلقة، والجمهور في النهاية يريد توليفة من التشويق، وسرعة الإيقاع والأحداث، وجودة الصورة، وبراعة الأداء، والتي حال توافرها في أي عمل سيكتب له النجاح مهما كانت مدته الزمنية.

14