السباق الرئاسي التونسي بين الإشادة بدوره الأول وعودة الاستقطاب الثنائي

الأربعاء 2014/11/26
النتائج التي أعلنت عنها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات كانت متوقعة ولم تحمل مفاجآت تذكر

تونس- رغم الإشادة الدولية والعربية بنزاهتها وشفافيتها، حملت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية التونسية التي أفادت بالمرور إلى دور ثان بين الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي، سيلا عارما من التصريحات التي سارت في مجملها وفق منحيين إثنين؛ أوّلهما عودة ظاهرة الاستقطاب الثنائي وثانيهما بداية وضوح الرؤية لدى عدد من المترشحين الذين خرجوا من السباق من خلال دعمهم لأحد المترشحين.

على إثر إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أمس الثلاثاء، عن النتائج الأوّلية للانتخابات الرئاسية التونسية التي تقدّم فيها مرشّح حزب نداء تونس ومن ورائه جلّ القوى الحداثية والعلمانية، الباجي قائد السبسي بنسبة 39.46 بالمئة، على ملاحقه المرشح “المستقل” رئيس الجمهورية المؤقت المنتهية ولايته المنصف المرزوقي ومن ورائه حركة النهضة الإسلامية (التي دعمته دون الإعلان عن ذلك) بنسبة 33.43 بالمئة، أضحى من المؤكّد المرور إلى دور انتخابي ثان قالت الهيئة إنّه سيُجرى بين هذين المترشحين في شهر ديسمبر المقبل دون تحديد التاريخ.

وقد لقيت هذه الانتخابات إشادة دولية وعربية بالظروف التي جرت فيها، والتي أجمع جلّ المراقبين والمهتمين بالشأن التونسي أنها اتسمت بالسلمية والشفافية والديمقراطية.


كيف جرت العملية الانتخابية؟


أشادت العديد من المنظمات الدولية والعربية المعنية بمراقبة العمليات الانتخابية، شأن بعثتي الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، بالدور الأول من الانتخابات الرئاسية، الذي تمّ، وفق تقييمها، في جو ديمقراطي، منوهة بأداء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. وفي هذا السياق، قالت رئيسة بعثة الاتحاد الأوروبي، نيتس أوتربروك، إنّ “هذه الانتخابات تُعدّ أوّل انتخابات رئاسية تعددية وشفافة جدّد من خلالها الشعب التونسي تمسّكه بالقيم الديمقراطية في مناخ هادئ ومحترم”.

المرزوقي سيظل رهين خيارات النهضة التي ساندته في الدور الأول وربما ستتركه يجابه "الهزيمة" في الدور الثاني لوحده

وأضافت أوتربروك أنّ “اليوم الانتخابي (الأحد) تمّ في أجواء هادئة ومنظمة”، موضحة أنّ “تجميع النتائج في المكاتب المركزية تم بسلاسة أكثر من الانتخابات التشريعية، وذلك بفضل التدابير التي قامت بها هيئة الانتخابات للغرض”، دون أن توضح ماهية هذه التدابير. وتابعت قائلة إنّ “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات أثبتت مجددا استقلاليتها وحياديتها وكفاءتها وحسن تنظيمها والتزامها”. من جهته، قال رئيس بعثة المراقبة الانتخابية للبرلمان الأوروبي، مايكل كاهلر، إنّ “استكمال الانتخابات (بإجراء جولة ثانية) سيُمثّل خطوة مهمّة جدا لدخول مرحلة من المؤسّسات المستدامة وتوطيد الديمقراطية في تونس”.

بدورها، قالت بعثة مراقبي جامعة الدول العربية اليوم، إنّ “الانتخابات الرئاسية جرت وفقا لما نص عليه القانون الانتخابي التونسي، وأتاحت للناخب التونسي أداء واجبه الانتخابي بكل حرية”.

وتابعت في تقرير لها، أنّ “المخالفات والتجاوزات التي حدثت خلال مختلف مراحل العملية الانتخابية لن يكون لها تأثير جوهري على نتائجها النهائية”، معربة عن ارتياحها لـ”الإعداد والتنظيم الجيد” لعملية الاقتراع ولـ”أجواء الهدوء والنظام” التي جرت فيها العملية برمّتها.

هل عاد الاستقطاب الثنائي؟


منذ الساعات الأولى من بداية الإعلان عن النتائج التي أسفرت عنها الرئاسية، والتي حسمت أمر المرور إلى دور ثان بالإيجاب لعدم تمكن أحد المترشحين من كسب أغلبية الـ 50 بالمئة زائد واحد، أطلق ممثلو صاحبي المرتبة الأولى والثانية العنان لتصريحاتهم التي بدأت تصبّ في إطار التحضير للمرحلة الثانية من الانتخابات، وانطلقت معها “مغازلة” ناخبي المترشحين الذين لم يحالفهم الحظ في المرور إلى الدور الثاني. وفي هذا السياق، رأى مراقبون أنّ التصريحات التي صدرت عن هؤلاء، كانت حادّة وتنبئ بعودة الاستقطاب الثنائي الذي كاد في فترات سابقة أن يعصف بالمسار الديمقراطي الذي انتهجته تونس منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي سنة 2011، خاصّة تلك التي صدرت على لسان عدنان منصّر، مدير حملة الرئيس المؤقت المنتهية ولايته المنصف المرزوقي، التي بدت، وفق رأيهم، تسير على نفس النهج الذي عمد إليه الإسلاميون (حركة النهضة) زمن حكمهم لتقسيم التونسيين إلى قسمين، أمّا الجديد في هذه المعادلة أن الفصل بين أبناء الشعب الواحد لم يعد يستند إلى المعيار الذي استعمله الإسلاميون (علماني مقابل مسلم)، بل هو يعتمد معيار (أبناء الثورة مقابل أتباع النظام السابق)، في إشارة إلى أنّ غالبية التونسيين الذين مكنوا حزب نداء تونس من الفوز بالأغلبية البرلمانية في مرحلة أولى والباجي قائد السبسي من المرتبة الأولى في الرئاسية هم محسوبون على النظــام السابق !!

المنذر الزنايدي: "أؤكد دعمي للسبسي في الدور الثاني من الرئاسية وأدعو إلى التصويت له"

بالمقابل لاحظ ذات المراقبين أنّ الشق الآخر الذي يساند الباجي قائد السبسي قد كان أكثر رصانة في تعليقاته، حيث أنّ متحدّثيه ركزوا على مسألة استقطاب أكبر عدد ممكن من ناخبي المترشحين الديمقراطين الذين خرجوا من السباق شأن حمة الهمّامي (الجبهة الشعبية) صاحب المرتبة الثالثة والذي حصّل حوالي نسبة 7 بالمئة من أصوات الناخبين.حيث أشار لزهر العكرمي، الناطق الرسمي باسم نداء تونس، في تصريحات صحفية، إلى “أنّ الجبهة الشعبية تعدّ الأقرب إلى النداء من حيث الرؤية المجتمعية المشتركة وضرورة التعامل الحازم مع الإرهاب والمسائل الأمنية العالقة”، في إشارة منه إلى إمكانية أن تدعم الجبهة التي سبق أن أعلن قياديّوها عن موقف مبدئي يفيد بأنها لن تدعم المنصف المرزوقي المدعوم من النهضة، مرشح النداء الباجي قائد السبسي في الدور الانتخابي الثاني.


كيف سيكون المشهد المقبل؟


الثابت أنّ المشهد الانتخابي المقبل سيكون أكثر ضراوة ممّا كان عليه في الدور الرئاسي الأول، حيث أنّ انحصار الخيارات في مرشحين إثنين سيقشع الضبابية عن المشهد لكنّه في ذات الوقت سيزيد من حدّة التنافس، الّذي يرى مراقبون أنّه ربّما سيخرج عن سياقاته السلمية في بعض الأحيان خاصّة من طرف أنصار الرئيس المنتهية ولايته (أنصار حركة النهضة وعناصر رابطات حماية الثورة) الضالعين في العنف في فترات سابقة، والذين لا يتورعون في فرض آرائهم بالقوة، على حدّ تعبيرهم.

غير أنّ ذات المراقبين أشاروا إلى أنّ مثل هذه الانزياحات المحتملة لا يمكن أن تؤثر على سير العملية الانتخابية التي سخّرت لها الدولة التونسية عدد كبيرا من قوات الأمن والجيش الوطنيين الذين سهروا على تأمين التشريعية في مرحلة أولى وإنجاح الدور الأول من الرئاسية في مرحلة لاحقة، مشيرين إلى أنّ الدولة عازمة على تأمين الدور الثاني والحؤول دون أية أحداث عنف، وفق ما صرّح به عدد من المسؤولين الحكوميين.

غالبية التونسيين الذين مكنوا السبسي من المرتبة الأولى يصفهم أنصار المرزوقي بأنهم محسوبون على النظام السابق


من سيساند من؟


التصريحات السابقة التي عرضها المراقبون وبنوا على أساسها تحليلاتهم للوضع التونسي، لم تكن لتطغى على تصريحات أخرى تعتبر ذات أهمية قصوى في الوقت الراهن صدرت عن المترشحين الآخرين الذين انسحبوا من السباق، لما لها من تأثير على المشهد السياسي المقبل بصفة عامة وعلى نتائج الانتخابات الرئاسية بالتحديد، حيث أنّ عددا من هؤلاء المترشحين أشادوا بالظروف التي جرت فيها الانتخابات، وأعلنوا عن مواقفهم صراحة بدعم أحد المترشحيْن في الدور الثاني، يظلّ أبرزهم المنذر الزنايدي المترشح المستقل الذي أعلن، يوم أمس الثلاثاء، في بيان نشره مكتب حملته الانتخابية، عن وقوفه إلى جانب الباجي قائد السبسي في الدور الثاني، داعيا إلى التصويت له بكثافة. كما أعرب عن تمنياته للسبسي بالتوفيق، مؤكدا وقوفه إلى جانبه. وتجدر الإشارة إلى أن الزنايدي حلّ في المرتبة التاسعة من بين المترشحين للانتخابات الرئاسية بـ 24 ألف صوت.

وفي ذات السياق، أعلنت سميرة الشواشي عضو حزب المبادرة الذي يترأسه المترشح كمال مرجان، أنّ حزبهم سيدعم الباجي قائد السبسي في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. وأضافت أنّ كمال مرجان كان قد صرح أن شقّا داخل الحزب كان مع انسحابه وترشيح السّبسي منذ البداية، لكنّه آثر أن يخوض التجربة في الدور الأول، وها هو الآن يعود ليدعم السبسي في الدور الثاني.

يذكر أنّ مرشح الحركة الدستورية، عبدالرحيم الزواري، كان هو الآخر قد أعلن عن دعمه للباجي قائد السبسي بعد انسحابه من السباق الرئاسي قبل إجراء عملية الاقتراع بأيام. وبهذا يرى أغلب المراقبين، أنّه في انتظار إعلان الجبهة الشعبية عن موقفها النهائي من مسألة دعم السبسي من عدمه (بعد أن أعلن قياديوها سابقا أنه لا مجال للحديث عن فرضية دعم المرزوقي)، يبدو أنّ الرئيس المنتهية ولايته سيظلّ رهين خيارات حركة النهضة الإسلامية التي خاطرت بمساندته في الدور الأول وربّما لن تعيد الكرّة ثانية وستتركه يجابه “مأساة الهزيمة” في الدور الثاني لوحده، لأنّ قواعدها وما تبقى من شعبيتها لم يعد باستطاعتهما تحتمل “هزيمة” أخرى بعد ما جنته من تقهقر في التشريعية الماضية، وفق رأيهم.

6