السباق الرئاسي يزيد غموض مستقبل الاقتصاد التونسي

أزمات البطالة والفقر وتفاقم الديون في تقاطع وعود 26 مرشحا في الانتخابات الرئاسية.
الثلاثاء 2019/09/03
الفقراء أكبر الخاسرين في السباقات السياسية

تجمع الأوساط الاقتصادية والشعبية التونسية على أن مهمّة الساكن الجديد لقصر قرطاج ستكون صعبة للغاية بالنظر إلى الواقع الاقتصادي المتدهور والسجل الطويل للفشل الحكومي خلال السنوات الأخيرة، والذي يقوض مصداقية وعود المرشحين للانتخابات الرئاسية.

تونس - اعتبرت مجموعة من الخبراء في تونس الوعود، التي يطلقها المرشحون مع بدء حملات الانتخابات الرئاسية المبكرة، جوفاء وغير قابلة للتحقيق حتى على المدى القصير.

ولعل أكثر الملفات حساسية أمام الرئيس المقبل تلك المتعلقة بكيفية تعديل مسار الاقتصاد الهش، والذي لم يستطع أحد حتى اليوم إخراجه من عنق الزجاجة رغم كل المحاولات.

وبدأت حملات 26 مترشحا للرئاسة أمس وسط حالة من عدم اليقين، رصدتها “العرب” بين مختلف شرائح المجتمع التونسي، في قدرة أي منهم على الوفاء ببرنامجه لإنقاذ البلاد من أزماتها الاقتصادية المزمنة.

ورغم انتعاش قطاع السياحة بشكل كبير قياسا بالعام الماضي، لم يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من هذا العام نسبة 1.1 بالمئة، الأمر الذي يعكس استحالة بلوغه تقديرات موازنة 2019 عند مستوى 3.1 بالمئة.

حكيم بن حمودة: استعادة نسق الاستثمار وتفعيل الإصلاحات أولويات
حكيم بن حمودة: استعادة نسق الاستثمار وتفعيل الإصلاحات أولويات

وتظهر البيانات الرسمية للربع الثاني من العام تراجع القيمة المضافة للصناعات المعملية، التي تضم قطاعات من بينها الزراعة ومواد البناء والنسيج بنسبة 0.8 بالمئة بمقارنة سنوية.

كما تقهقر نشاط الصناعات غير المعملية، التي تضم الطاقة والمناجم والبنية التحتية بنحو 2.5 بالمئة قياسا بالفترة المقابلة من 2018.

ولم يتفاجأ التونسيون بتوقعات الخبراء الذين يستشعرون تدهور الأوضاع الاقتصادية منذ بداية الفوضى، التي ضربت البلاد قبل تسع سنوات والتي أدت إلى الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وأجمع خبراء خلال ندوة حول “السياسات النقدية والميزانية والاستقرار المالي في تونس”، نظمتها الجمعية التونسية لخريجي المدارس العليا، مؤخرا على أن الوضع الاقتصادي للبلاد لم يغادر في الإجمال مربع الأزمة ولا تزال الأمور مقعدة.

واختزل الخبير الاقتصادي حكيم بن حمودة الوضع بالتأكيد على أن استقرار البعض من المؤشرات الاقتصادية، من بينها ارتفاع قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية الرئيسية وتحسن نسبة العجز في الميزانية، يبقى هشا.

وشهدت العملة المحلية خلال الفترة الماضية ارتفاعا في قيمتها في السوقين الرسمية والسوداء بنحو 2.2 بالمئة أمام اليورو ونحو 3.4 بالمئة أمام الدولار تباينت أراء معظم المحللين حول أسبابه.

ولاحظت “العرب” طيلة الفترة الماضية تحرك سعر صرف الدينار، والذي أثار قلق صندوق النقد الدولي، حيث بلغ 3.17 دينار مقابل اليورو وحوالي 2.86 دينار مقابل الدولار.

ونسبت وكالة الأنباء الرسمية التونسية لوزير المالية الأسبق قوله إن المؤشرات لا تعطي الصورة الحقيقية للاقتصاد “خاصة مع تفاقم الديون وزيادة الإنفاق العام وتدهور وضع المؤسّسات الحكومية والصناديق الاجتماعية وتراجع المؤشرات الصناعية والاستثمارات”.

وتشير توقعات موازنة 2019 إلى أن حجم الدين العام بنهاية العام سيبلغ حدود 29 مليار دولار، أي ما يعادل 70.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وهناك إجماع داخل الأوساط الاقتصادية على أن المؤشرات المتعلقة بالتداين لا تزال تثير القلق، فهي تبقى عند مستويات مرتفعة للغاية بعد أن كانت في حدود 76.7 بالمئة على أساس سنوي.

وتقترض الدولة عادة من أجل استثمار تلك الأموال في مشاريع تنموية منتجة، لكن تضطر في معظم الأحيان إلى توظيف جزء منها لسداد أجور موظفي القطاع العام.

وتقول مؤسسات مالية دولية، إن القطاع العام غير منتج في أغلبه، وأنه يلتهم من مخصصات الاستثمار، الأمر الذي يفاقم أزمة الديون الخارجية.

وليد بن صالح: ارتفاع احتياطات العملة الصعبة ناتج عن القروض الخارجية
وليد بن صالح: ارتفاع احتياطات العملة الصعبة ناتج عن القروض الخارجية

وأكدت أحدث بيانات البنك المركزي التونسي الارتفاع المفزع في تكاليف خدمة الديون بنحو 44 بالمئة في الأشهر الثمانية الأولى من العام بمقارنة سنوية، وهو ما يزيد الضغوط على الحكومة لمعالجة هذه المشكلة قبل أن تتفاقم أكثر.

ويعتبر بن حمودة أن استعادة نسق الاستثمارات وتفعيل الإصلاحات القطاعية والهيكلية الرامية إلى إعادة ترتيب أو استبدال نموذج التنمية المحلي، هي أهمّ الأولويات، التي يجب أن يعمل عليها أصحاب القرار في الفترة القادمة.

ولئن شهدت قيمة الدينار تحسنا في الفترة بين فبراير ويوليو الماضيين، فإن ذلك يرجع، بحسب الخبير المحاسب، وليد بن صالح، إلى استقرار احتياطي العملة الصعبة الناتج عن حصول تونس على القروض الخارجية.

وبلغت الاحتياطات بنهاية أغسطس الماضي 17.2 مليار دينار (5.98 مليار دولار) وذلك للمرة الأولى منذ حوالي عامين.

وكانت وزارة المالية قد قالت في وقت سابق إن الموازنة المخصصة لسداد أصل الدين ارتفعت في النصف الأول من العام الجاري بنحو 54 بالمئة لتصل إلى 1.2 مليار دولار مقابل 770 مليون دولار قبل عام.

وقد فشلت السياسات الاقتصادية المتبعة للحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 في إيجاد الحلول الملائمة لمعضلتين أساسيتين وهما البطالة والفقر.

وظلّت نسبة البطالة مرتفعة رغم انخفاضها بشكل ضعيف، إذ بلغت بنهاية النصف الأول نحو 15.3 بالمئة مقارنة بنحو 15.4 بالمئة بنهاية العام الماضي، وسط ترجيحات بأن تقفز إلى 15.5 بالمئة بنهاية هذا العام.

كما استقرت معدلات الفقر عند أكثر من 15.2 بالمئة منذ عام 2015، وهو ما يثير تساؤلات بشأن نجاح الحكومة الحالية في تنفيذ خطط الإصلاح المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، على النحو المطلوب.

وكانت تونس قد اتفقت مع الصندوق في مايو 2016 على حزمة من الإصلاحات المؤلمة لمعالجة الاختلالات المزمنة في التوازنات المالية، لكنها لم تأت بنتائج إيجابية تعود بالنفع على أكثر من 11 مليون مواطن.

ويؤكد متابعون أن الحرب المعلنة على الفساد في الدولة ظلت شعارا فقط خاصة مع تأكيد الأوساط الشعبية تفاقم ظاهرة الرشوة والتهريب واتساع سطوة المحتكرين في السوق وتدهور الخدمات الأساسية في بعض المناطق.

وتزايدت المؤشرات أيضا حول عجز السلطات عن إنقاذ الشركات المملوكة للدولة الغارقة في الديون، والتي تفاقمت نتيجة بطء الإصلاحات والشكاوى من تدني خدماتها بعد أن وقفت الصراعات السياسية حائلا أمام تخفيف أزماتها المتراكمة.

11