السبسي: عصافير كثيرة بحجر واحد

أزمات نداء تونس تزيد من وطأة المعضلات العاصفة بتونس، التي تعاني لا فقط من أزمة حكم وحكومة، بل أيضا من محنة حزب صاحب أغلبية يعيش صراعات لا متناهية.
الثلاثاء 2018/07/17
العجز عن إدارة الخلاف

عبر حواره التلفزيوني الأخير، اختار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الخروج من الرمادية في الموقف حيال حكومة يوسف الشاهد، معلنا انحيازه للأطراف الداعية إلى إحداث تغيير في القصبة يذهب برأس يوسف الشاهد وباقي الوزراء.

المتابع لخطاب السبسي يلاحظ انتقالا من حالة المنزلة بين المنزلتين وذلك عند انطلاق المشاورات الأولى حول مصير حكومة الشاهد، إلى حالة الحسم في شخص الشاهد وذلك عبر تخييره ما بين الاستقالة الفورية أو التوجه إلى البرلمان لنيل الثقة من النواب.

خير السبسي الشاهد بين التنحي الطوعي والبداية في مشاورات لتشكيل حكومة جديدة، أو البقاء رهينة في يد حركة النهضة تمنع عنه حجب الثقة في المجلس التشريعي، ولكنها عاجزة عن إمداد حكومته بالحزام السياسي والاجتماعي والمدني اللازم لإدارة مرحلة حساسة من عمر البلاد.

وفي إشارة ذكية، رفع السبسي الغطاء الندائي عن الشاهد وحكومته من خلال وصفها ولأول مرة إعلاميا بحكومة النهضة، ذلك أن غاية السبسي لم تكن توصيف الحالة السياسية التي عليها حكومة الشاهد، بقدر ما كانت الغاية نزع أي حاضنة سياسية واقتصادية للحكومة إلا من فيتو النهضة.

من الواضح أن المسار متوجه نحو دفع الشاهد إلى الاستقالة أو الإقالة، فلا الأخير قادر على حكم البلاد من خلال الرهان والارتهان إلى فيتو النهضة، ولا الأخيرة في حساباتها خوض خيارات شمشون بالدفاع عن الحكومة إلى الأخير، لا سيما وأنها تعودت على التنازل عندما يتشكل التوافق ضد اختياراتها واعتادت تقديم كباش الفداء عندما تحد سكاكين التضحية.

صحيح أن الشاهد قدم تنازلات مهمة في الأيام الأخيرة لاستدرار رضا الاتحاد العام التونسي للشغل، وذلك عبر قبول استقالة الوزير مهدي بن غربية، إضافة إلى توقيع الشاهد ونورالدين الطبوبي الأمين العام للمنظمة الشغيلة لاتفاقات زيادة الأجور في الوظيفة العمومية، وهي مقدمات تزامنت مع قبول صندوق النقد الدولي صرف القسط الرابع من القرض لتونس، غير أن الأصح كامن في أن الحكومة فقدت معطى احتفاظ السبسي بصوته بعد أن سحب ورقة سحب الثقة من الحكومة من درجه.

مثل الأسبوع الفارط المحفز الأهم لتعديل السبسي موقفه من الشاهد، ذلك أن الحركة التي سماها الرئيس في حواره بالانقلابية والانقسامية صلب حركة نداء تونس مثلت المنعرج الأهم في مسار مقاربته للحكومة.

فإقدام أحد عشر قياديا من الهيئة السياسية لحركة نداء تونس على تغيير القيادة وسحب البساط من تحت حافظ قائد السبسي ووضع خارطة طريق متكاملة للحزب، وانخراطهم في تأييد حكومة الشاهد بما يعني هذا الأمر من استعداء واضح لموقف نجل الرئيس ولشقه في الحزب، وضع نداء تونس على صفيح ساخن، لا فقط لأن الحركة قد تؤشر في حدها الأدنى على انشقاق خامس في الحزب، بل أيضا لأن الحركة ستضع نداء تونس في حروب شرعيات ومكاسرة مؤتمرات وصراع مشروعيات قد تؤدي إلى تفتته إلى شقوق عديدة وجبهات متصارعة.

وبسحب البساط من الشاهد يكون السبسي قد ضرب عدة عصافير حزبية بحجر حكومي واحد، أولها إفراغ شق النائب سفيان طوبال من شرعية إسناد الحكومة ومن المشروعية الرمزية باتباع منهج السبسي المؤسس، ثانيها تغليب كفة نجله ضمن الصراع الحزبي الداخلي وبالتالي الحيلولة دون أي انقسام هيكلي يحوّل الحزب إلى مجال لصراع زعماء، ثالثها إعادة رص الصفوف وراء الهيئة التنفيذية والتخفيف من وطأة ثورة الشك العاصفة بقواعد الحزب وقياداته عقب خسارة الاستحقاق البلدي والبلبلة المثارة في صفوف الندائيين من خسارة مرجحة في الاستحقاقات القادمة.

هكذا يكون الهاجس الحزبي القادح نحو تغيير المواقف، وهكذا تفرض الأزمات في نداء تونس على الرئيس التونسي اعتماد قرارات نتائجها مباشرة على الحكومة والبرلمان وآثارها متعدية إلى الحزب.

ومرة أخرى يثبت الواقع السياسي صلب نداء تونس العجز عن إدارة الخلاف الأجنحة المتصارعة، وقصور القيادة على بناء نداء جديد، الأمر الذي يجعلها في أمس الحاجة إلى يد الأب لإنقاذ الغرقى من الهلاك المحتوم.

أزمات نداء تونس تزيد من وطأة المعضلات العاصفة بتونس، التي تعاني لا فقط من أزمة حكم وحكومة، بل أيضا من محنة حزب صاحب أغلبية يعيش صراعات لا متناهية، الأمر الذي يفرض عليه الانطلاق في حوار داخلي قد يكون المؤتمر الانتخابي القادم إحدى رافعاته.

9